
الجورة والقصور في ديرالزور : حين يعيش القاتل ويبقى الضحية بلا قبر
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
هناك من أكمل حياته بعد المجازر كأن شيئاً لم يحدث، وهناك من توقفت حياته عند لحظة فقد.
هناك من يحتفل بعقدٍ ونجاحٍ ومنصب ومكتب وسيارة فارهة وهناك أمٌّ سورية ما زالت تنتظر خبراً عن ابنها.
هناك من يتحدث عن المستقبل، وهناك عائلة لا تزال عالقة في الماضي، لأن مَن تحبهم لم يعودوا، ولأن قبراً واحداً قد يكون أحياناً كل ما تطلبه أمٌّ من وطنها.
هذه هي سورية التي لم تنتهِ فيها المجازر بانتهاء الرصاص.
فالمجزرة لا تنتهي عندما ينسحب القاتل من الشارع؛ أحياناً تبدأ بعدها رحلة أخرى: رحلة البحث عن المفقودين، والتعرف إلى الجثامين، وجمع الأسماء، وانتظار العدالة.
ومن أكثر الصفحات قسوة في ذاكرة دير الزور، مجزرة الجورة والقصور التي بدأت في 25 أيلول/سبتمبر 2012، واستمرت أياماً، في واحدة من أكثر الجرائم دموية التي شهدتها المدينة خلال سنوات الثورة السورية.
حيث أن قوات تابعة للنظام السوري السابق، بينها الحرس الجمهوري، اقتحمت حيي الجورة والقصور بعد قصف عسكري، ووقعت عمليات قتل وإعدام ميداني بحق مدنيين. وتذكر الذاكرة السورية ومنظمات حقوقية أن الضحايا تجاوزوا 400 شخص وفق مصادر محلية وحقوقية، بينما تختلف حصائل التوثيق بحسب منهج كل جهة وقدرتها على التحقق من الأسماء.
والأكثر إيلاماً أن المأساة لم تكن مجرد أرقام.
كانت أسماءً.
كانت آباءً وأبناءً وإخوةً وأزواجاً.
كانت طبيباً حاول إنقاذ الجرحى، وعائلةً وجدت نفسها محاصرة داخل منزلها، وشاباً خرج من بيته ولم يعد، وطفلاً انتظر أباه ولم يفهم لماذا طال الغياب.
عشرات الجثامين دُفنت دون التعرف إلى أصحابها، فيما بقي مصير عشرات الأشخاص مجهولاً. كما تحدثت شهادات وتقارير عن حرق جثامين ومنازل، وعن اكتشاف الضحايا بعد عودة الأهالي إلى الأحياء.
وهنا يصبح السؤال أكبر من ذكرى مجزرة.
أين ذهب الذين لم نعرف قبورهم؟
أين أسماء الذين لم تُسجّل؟
أين حقوق عائلاتهم؟
ومن يجيب أمّاً بقيت سنوات وهي لا تعرف: هل مات ابني؟ أين مات؟ ومن قتله؟ وأين دُفن؟
هذه الأسئلة ليست أسئلة الماضي.
إنها أسئلة الدولة.
فالعدالة ليست انتقاماً، وليست إعادة إنتاج للكراهية، وليست ثأراً بين السوريين.
العدالة هي أن يعرف الضحية الحقيقة، وأن تُحفظ أسماء الضحايا، وأن تُكشف مصائر المفقودين، وأن يُحاسَب من تثبت مسؤوليته عن الجرائم أمام قضاء عادل، وأن يصبح القانون أقوى من السلاح.
لقد دفع أبناء الثورة السورية ثمناً لا يمكن اختزاله في الأرقام.
فقدوا آباءهم وأمهاتهم وأبناءهم وإخوتهم، وفقدوا سنوات من أعمارهم، وفقد بعضهم حتى القدرة على الحزن الطبيعي؛ لأن الحزن يحتاج أحياناً إلى قبر.
كيف تبكي شخصاً لا تعرف أين دُفن؟
كيف تضع الزهور على قبر لا تعرف مكانه؟
وكيف تغلق أمٌّ باب الانتظار إذا لم يصلها خبر مؤكد؟
إن مأساة سورية ليست فقط في الذين قُتلوا، بل أيضاً في الذين بقوا أحياءً يحملون آثار القتل معهم كل يوم.
عقدٌ هنا، ونجاحٌ هناك؛ فقرٌ هنا، وأمٌّ تبكي هناك.
شخصٌ يحتفل بإنجاز جديد، فيما عائلة أخرى ما زالت تحصي السنوات منذ فقدت ابنها.
شخصٌ يخطط للمستقبل، فيما آخر لا يستطيع أن يتجاوز صورةً قديمة لإنسان كان يجب أن يكون معه اليوم.
وهذا هو الفرق بين من عاش الحرب كخبر، ومن عاشها كجنازة.
لقد مرت أربعة عشر عاماً على مجزرة الجورة والقصور.
لكن الزمن لا يمنح الجريمة براءة.
وذكرى الضحية لا تسقط بالتقادم.
والعدالة لا تصبح أقل ضرورة لأن السنوات مضت.
بل ربما تصبح أكثر إلحاحاً، لأن كل عام يمرّ من دون حقيقة يضيف طبقة جديدة من الألم إلى عائلات الضحايا.
وفي سورية الجديدة، لا ينبغي أن تكون العدالة الانتقالية مجرد عنوان سياسي؛ بل يجب أن تتحول إلى عمل مؤسسي يحفظ الأدلة، ويوثق أسماء الضحايا، ويكشف مصير المفقودين، ويستمع إلى الشهود والناجين، ويضمن حقوق ذوي الضحايا، ويحدد المسؤوليات الفردية وفق القانون.
فقد أعلنت الجهات المعنية بالعدالة الانتقالية في سورية أن ملفات المجازر والانتهاكات الجسيمة ستكون ضمن مسار التحقيق والمساءلة وجبر الضرر ومنع تكرار الجرائم، وهو مسار لا تكتمل قيمته إلا بوصول الحقيقة إلى عائلات الضحايا.
الجورة والقصور ليستا مجرد ذكرى في تقويم سورية.
إنهما شهادة.
شهادة على أمهات انتظرن.
وعائلات فقدت.
وأطفال كبروا قبل أوانهم.
ومفقودين لا تزال أسماؤهم معلقة بين الحياة والموت.
لذلك، فإن توثيق المجازر ليس نبشاً للماضي، بل حماية للمستقبل.
والمطالبة بالعدالة ليست رغبة في الانتقام، بل محاولة لمنع أن تتكرر الجريمة تحت اسم جديد.
قد يستطيع الإنسان أن يعيش بلا رفاه، لكنه لا يستطيع أن يبني وطناً على نسيان ضحاياه.
فالوطن الذي يريد أن يطوي صفحة الحرب، عليه أولاً أن يقرأ أسماء الذين سقطوا فيها.
وما دامت هناك أمّ تنتظر، ومفقود بلا قبر، وعائلة لا تعرف الحقيقة، فإن الصفحة لم تُغلق بعد.
الجورة والقصور ستبقيان في الذاكرة السورية؛ لا لتوريث الكراهية، بل لتوريث الحقيقة.
ولا لتصفية الحساب مع الماضي، بل لبناء دولة لا يخاف فيها السوري من أن يصبح يوماً مجرد رقم في قائمة المفقودين.




