
هانم داود
رحلة عبد الرحمن الأبنودي بين هموم البساطة وبطولات سيناءيُعد الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي (1938 – 2015)، الذي حفر في وجدان الملايين بلقب “الخال”، أحد أساطير الشعر العامي في مصر والعالم العربي. لم يكن الأبنودي مجرد ناظم للكلمات، بل كان مؤرخاً بالعامية لروح الإنسان المصري البسيط، وصوتاً حيداً للمقاومة والكرامة الوطنية، وشاهداً حياً على قضايا وطنه الكبرى، وعلى رأسها سيناء وحرب أكتوبر المجيدة. لقد صاغ من مفردات البيئة المصرية البسيطة أناشيد خالدة تحولت إلى طاقة ثورية ووطنية لا تنضب.
البدايات وتكوين الوعي الشعريالنشأة الصعيدية: وُلد الأبنودي في قرية “أبنود” بمحافظة قنا، وتفتحت عيناه على إيقاع السيرة الهلالية، وحكايات الفلاحين، والهمس اليومي للناس، مما منح لغته الشعرية نبضاً شعبياً فريداً ومخزوناً ثقافياً لا ينضب.
الانتقال إلى الإسماعيلية: عاش فترة من شبابه في مدن القناة، وتحديداً في الإسماعيلية، فتأثر بعمق بطبيعة المكان، وأرواح صياديه وعماله وبسالتهم، وهو ما رسخ ارتباطه العاطفي الجارف بمنطقة القناة وسيناء.معاناة النضال: عُرف بمواقفه الوطنية الصلبة والمدافعة عن الطبقات الهامشية، ودفع ثمن ذلك بالاعتقال في أزمنة مختلفة، لكنه خرج من تلك التجارب أكثر صلابة وفصاحة في الدفاع عن وطنه وشعبه.
الأبنودي وسيناء: جرح الاحتلال وشوق التحريرلم تكن سيناء بالنسبة للأبنودي مجرد رقعة جغرافية على الخريطة، بل كانت جرحاً نازفاً في وجدان الأمة المصرية بعد نكسة 1967، ورمزاً مقدساً للكرامة المستلبة التي لا بديل عن استعادتها.
التعبير عن ألم الهزيمة: كتب قصائد تعبر عن مرارة الفقد والصدمة بصدق جارح، مثل رائعته “عدى النهار” التي لحنها بليغ حمدي وغناها عبد الحليم حافظ؛ وهي قصيدة لم تعرف يوماً اليأس، بل كانت تحض على الصمود وتقرع أجراس الأمل في العبور الآتي.الربط بين الإنسان والأرض: غاص الأبنودي في مأساة تهجير أهالي مدن القناة (السويس، الإسماعيلية، وبورسعيد) بعد العدوان، ونقل ببراعة أشواقهم للعودة والتحامهم العضوي بسيناء عبر أعمال شعرية ناطقة بالصمود.سنة 1967 كتب الأبنودي:–أحلف بسماها وبترابهاأحلف بدروبها وأبوابهاأحلف بالقمح وبالمصنعأحلف بالمدنى والمدفعبأولادى بأيامى الجايةماتغيب الشمس العربيةطول ما أنا عايش فوق الدنياملحمة أكتوبر: شاعر العبور والنصرعندما قامت حرب أكتوبر 1973 وتحققت المعجزة، كان الأبنودي في طليعة الشعراء الذين وثقوا هذا النصر العظيم، ليس بشعارات زائفة، بل بصدق الموقف الفني وتخليد بطولات الجنود الحقيقيين على جبهة القتال.
أغاني النصر: تعاون مع كبار الملحنين والمطربين لتقديم أعمال وطنية محفورة في وجدان المصريين، ومن أبرزها أغنيته الخالدة “صباح الخير يا سيناء” فى الأولة قلنا جيِّنلك وجينالك ولا تهنا ولا نسيناوالتانية.. قلنا ولا رملاية فى رمالك عن القول والله ما سهيناوالتالتة.. إنتى حملى وأنا حمالك صباح الخير يا سيناوصباح الخير يا سينا رسيتى فى مراسيناتعالى فى حضننا الدافى ضمينا وبوسينا يا سيناالتي غنتها شادية، لتصبح نشيداً للتحرير.توثيق روح المقاومة: لم يقتصر دوره على التغني بالنصر، بل شارك في توثيق بطولات حرب الاستنزاف وأكتوبر من خلال معايشته الميدانية للجنود على الجبهة، ناقلاً تفاصيل بسالتهم اليومية بلغة يفهمها القلب وتلامس الروح.الخصائص الفنية لشعر الأبنودي الوطنيتميزت الأغنية الوطنية عند الأبنودي بملامح أسلوبية وفنية فريدة جعلتها تصل إلى القلوب بكل عمق:السهل الممتنع: استخدام لغة عامية بليغة قريبة من وجدان الإنسان البسيط وعالية الرقي الفني في آنٍ واحد.الربط بين الخاص والعام: قدرته البارعة على دمج المشاعر الشخصية (كالاشتياق والحزن) بالمشاعر الوطنية العارمة.عدّى النهار و المغربية جايّةتتخفّى ورا ضهر الشجرو عشان نتوه فى السكةشالِت من ليالينا القمرو بلدنا ع الترعة بتغسل شعرهاجانا نهار مقدرش يدفع مهرهايا هل ترى الليل الحزينابو النجوم الدبلانينالتوظيف الفلكلوري: الاستعانة بروح السيرة الهلالية والأمثال الشعبية وإيقاعات التراث المصري الأصيل.الإرث الخالدترك عبد الرحمن الأبنودي إرثاً ضخماً من الدواوين الخالدة مثل “المداح” و”الخطبة”، فضلاً عن إنجازه الأعظم في جمع السيرة الهلالية وتدوينها من أفواه الشعراء الشعبيين لحمايتها من الضياع.حملت أُغنياته هموم الإنسان ومشاعرَه التلقائية من آمال وإخفاقات، مما وضعه في المعسكر المضاد للنظام، دون أن يفقد مكانته الكبيرة في قلوب الشعب، بما في ذلك من عملوا يوماً حراساً لسجونه.ظل الأبنودي حتى آخر يوم في عمره وفياً لتراب وطنه، محتفظاً بلقب “الخال” الذي أسبغه عليه محبوه البسطاء. وبقي شعره عن سيناء وأكتوبر دليلاً ساطعاً على أن الفن الحقيقي قادر على صناعة الوعي، وتخليد بطولات أمة رفضت الانكسار. هانم داود


