
حيدر الشمري
في الخامس من آذار عام 1940، لم يوقع جوزيف ستالين أمراً عسكرياً، بل وقع قراراً إدارياً بسيطاً يقضي بتصفية اثنين وعشرين ألف أسير بولندي.
لم يكونوا جنوداً في ساحة معركة. كانوا نخبة أمة كاملة. ضباط الجيش، وأساتذة الجامعات، والأطباء، والمهندسون، والقضاة، ورجال الشرطة، ورجال الدين. جمعهم السوفييت بعد تقسيم بولندا مع ألمانيا عام 1939 ووضعوهم في ثلاثة معسكرات.
ستالين لم يكن يريد الأرض، فقد أخذها. كان يريد ما هو أخطر من الأرض. كان يريد أن يضمن أن هذه الأرض لن تفكر بعد اليوم. وهذا ما فسره هنري كيسنجر لاحقاً بمقولته التي هي مربط الفرس: اقطع الرأس، الجسد سيتبعك وحده.
إن الجيوش تهزم وتعود، أما النخبة فإذا قتلت، فإن الشعب يفقد ذاكرته وقدرته على القيادة. وهذا ما فعله ستالين.
بين الثالث والثالث عشر من نيسان عام 1940، نفذت مفوضية الشعب للشؤون الداخلية NKVD الإعدامات. كانوا يأخذون الأسير الواحد، يطلقون عليه رصاصة واحدة في مؤخرة الرأس، ويدفنونه في خنادق بعمق عشرة أمتار في غابة كاتين قرب سمولنسك، وفي مدنويه، وخاركوف. الجلاد الأشهر كان فاسيلي بلوخين، قتل بيده وحده أكثر من سبعة آلاف إنسان، فمنحه ستالين وسام الراية الحمراء تقديراً لمهارته في إنجاز المهام الخاصة.
ثم جاءت المرحلة الثانية من الجريمة وهي الأخطر: الإنكار. عندما اكتشف الألمان المقابر عام 1943، اتهم السوفييت الألمان بارتكابها. وظلوا ينكرونها خمسين عاماً، يدرسون في مدارسهم أن النازيين هم القتلة، حتى جاء ميخائيل غورباتشوف عام 1990 واعترف بالحقيقة وسلم الوثائق.
لماذا قتل ستالين النخبة ولم يقتل الشعب؟
لأن الشعب بلا نخبة يتحول إلى قطيع. وهنا تبدأ الخطة التي يعيدها كل جار يريد أن يجعلك تابعاً مغفلاً. وهي خمس مراحل طبقها ستالين في بولندا وتطبق اليوم في كل مكان.
المرحلة الأولى: التشخيص، من هي النخبة التي يجب أن تمسح؟
ليس الضابط فقط. النخبة أربعة أنواع: ضابط الجيش الذي يستطيع أن يقود مقاومة،
والأستاذ الجامعي الذي يستطيع أن يشرح للناس ما حدث،
والقاضي والشرطي الذي يستطيع أن يطبق القانون ضد المحتل،
ورجل الدين والصحفي الذي يسمع الناس كلامه.
في كاتين قتلوا اثنين وعشرين ألفاً، نصفهم ليسوا عسكريين، كانوا أطباء ومهندسين ومدرسين، لأن هؤلاء هم الذين يمنعونك من أن تصبح تابعاً.
المرحلة الثانية: الإقناع، أنت لا تحتاج أن تفكر، أنا أفكر عنك.
عندما تمسح النخبة، يحدث فراغ. الناس تبحث عن من يفكر عنها. هنا يدخل الجار، يأتي بنخبة جديدة تابعة له، تلبس نفس ملابسك وتتحدث نفس لهجتك، لكن عقلها مربوط به. هو يملي عليها وهي تملي عليك.
المرحلة الثالثة: قلب المفاهيم، وهي أخطر مرحلة. يجعل النخبة الجديدة التابعة تقول لك إن المقاومة تهور، والتبعية واقعية، والاستقلال عزلة، والتعاون مع الجار انفتاح. حتى أنت عندما تسمعها من ابن بلدك، تصدق ولا تعرف أنه تابع.
المرحلة الرابعة: الإدمان، يجعلك تحتاج موافقة الجار حتى تتنفس. لا يبقيك محتاجاً للسلاح فقط، بل يجعلك محتاجاً إلى موافقة حتى تشكل حكومة، وموافقة حتى تبيع نفطك، وموافقة حتى تعين مديراً. عندما تصل إلى هذه المرحلة، أنت صرت تابعاً مغفلاً رسمياً.
المرحلة الخامسة: النتيجة، أنت تدافع عن الذي يحتلّك. تصل إلى مرحلة عندما تسب جارك، الناس التابعة له التي زرعها هي التي تهاجمك و تشتمك ، ليس هو. هو جالس مرتاح.
وهنا يأتي كيسنجر مرة أخرى ليشرح كيف تعرف أن بلدك قد ضُرب بهذه الإبادة دون طلقة واحدة. كان يعلم الضباط ثلاث علامات:
أولاً، عندما ترى الكفاءات تهاجر وحدها دون أن يطردها أحد.
ثانياً، عندما ترى المناصب تمتلئ بأناس ولاؤها للخارج وليس للداخل.
ثالثاً، عندما ترى الشعب يكره كلمة سيادة ويعتبرها شعاراً قديماً.
إذا رأيت هذه الثلاثة، فاعلم أن الإبادة النخبوية حدثت.
بولندا لم تعد لأنها انتقمت، بل لأنها لم تنسَ. ظلت تتلو أسماء اثنين وعشرين ألف قتيل في كل ذكرى لمدة خمسين عاماً، حتى انهار الاتحاد السوفيتي وبقيت بولندا.
ومن يقرأ كاتين اليوم سيفهم كيف يغزى بلد دون أن تطلق عليه رصاصة واحدة.
حيدر الشمري ![]()
الساعه 7 مساءً 26/9/28 بغداد