أكتوبر 2, 2026
رياض سعد

رياض سعد

#مقدمة: سؤال العدالة في عالم بلا ميزان

لعل أكثر الحقائق قسوة في التجربة الإنسانية أن الإنسان لا يختار نقطة انطلاقه… ,  فهو لا يختار والديه، ولا جيناته، ولا جنسه، ولا المكان الذي يولد فيه، ولا الحقبة التاريخية التي يعيش خلالها… ,  إنه يأتي إلى العالم محمولًا على مجموعة من الشروط البيولوجية والاجتماعية والجغرافية والتاريخية التي تسبق وجوده، وتؤثر في مسار حياته قبل أن تتكون لديه إرادة مستقلة.

وهنا تبرز الصدفة الجينية بوصفها أحد أكثر أشكال اللامساواة تجذرًا في الوجود… ,  فهناك من يرث استعدادًا وراثيًا للصحة وطول العمر، وهناك من يحمل منذ ولادته قابلية للإصابة بأمراض خطيرة… ,  وقد يتشارك شقيقان البيئة نفسها والغذاء نفسه والرعاية نفسها، لكن أحدهما يعيش حياة صحية طويلة، بينما يواجه الآخر أمراضًا مزمنة أو إعاقات أو اضطرابات وراثية.

والأمر لا يتوقف عند الجينات، فالصدفة الكونية تتدخل هي الأخرى في تشكيل مصائر البشر… ؛  زلزال يدمّر مدينة ويترك أخرى سليمة، وإعصار يقتلع منازل الفقراء بينما ينجو منه آخرون، وحادث عابر يحوّل حياة أسرة كاملة إلى مأساة… ,  وقد يتوقف مستقبل إنسان على ثانية واحدة، أو خطوة واحدة، أو قرار لم يكن يتوقع أن تكون له تلك العواقب.

أما الصدفة الاجتماعية، فهي أكثر تعقيدًا؛ لأنها تتداخل مع البنية الاقتصادية والسياسية والثقافية، فتجعل فرص الناس متفاوتة منذ البداية… ؛  إن طفلًا يولد في أسرة متعلمة وميسورة لا يشبه في ظروفه طفلًا يولد في أسرة تعاني الأمية والفقر والتفكك والنزاعات… ؛  وقد يمتلك الاثنان الذكاء والطموح نفسيهما، لكنهما لا يمتلكان الأدوات والفرص ذاتها لتحقيق أحلامهما.

وهكذا لا يمكن تفسير النجاح دائمًا بالاجتهاد، ولا الفشل دائمًا بالتقصير، مثلما لا يمكن تفسير الصحة دائمًا بحسن السلوك، ولا المرض دائمًا بسوء الاختيارات… ؛  فالإنسان ليس كائنًا مستقلًا تمامًا عن الظروف، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الاستعدادات الوراثية والبيئة والتجارب والقرارات الشخصية والأحداث غير المتوقعة.

نعم ؛ نحن لسنا إلا دمى في يد الصدف الجينية والكونية والاجتماعية؛  وهذا الامر  يضعنا أمام سؤال مركزي: هل الحياة توزّع مصائرها وفق استحقاق، أم وفق عشوائية عمياء؟ وإذا كانت الصدفة هي التي تحكم، فما معنى العدالة؟ وما موقع الإنسان في كون يبدو أحيانًا كأنه يعيش حالة مزاجية، ويخبط خبط عشواء؟!

# الكون بين الحتمية والعبث

منذ العصور القديمة، حاول الفلاسفة تفسير العلاقة بين الإنسان ومصيره، وبين النظام الكوني وما يبدو في الحياة من فوضى وتناقض.

لقد تأمل الفيلسوف اليوناني أبيقور في الخوف من المصير والموت، ورأى أن فهم الطبيعة يساعد الإنسان على التحرر من الأوهام والمخاوف التي تعذّب حياته… ؛  وفي تصوره للطبيعة، لم يكن العالم محكومًا بتدخل إرادات غيبية تعاقب البشر وتكافئهم وفق أهوائهم، بل كان للظواهر الطبيعية أسبابها ومساراتها.

وفي الفلسفة الحديثة، نجد ديفيد هيوم يثير تساؤلات عميقة حول الشر والمعاناة في العالم، ولا سيما في كتابه «محاورات في الدين الطبيعي»، حيث يناقش العلاقة بين وجود الألم والشر وبين التصورات المتعلقة بصفات الخالق… ؛  وتكشف هذه المناقشات عن معضلة قديمة متجددة: كيف يمكن التوفيق بين وجود المعاناة الهائلة في العالم وبين الاعتقاد بوجود نظام كوني كامل العدالة؟

أما ألبير كامو، فقد جعل من العبث محورًا أساسيًا في فلسفته الوجودية… ؛  والعبث عنده لا يعني بالضرورة أن الكون يتعمد إيذاء الإنسان، بل ينشأ من اصطدام حاجة الإنسان العميقة إلى المعنى والنظام والغاية بعالم لا يقدم إجابات نهائية عن أسئلته الوجودية.

وهنا تكمن المفارقة: نحن نبحث عن العدالة في عالم لا يبدو أنه يوزع الأحداث وفق معايير أخلاقية… ؛  نريد أن يكون الطيب سعيدًا، والشرير معاقبًا، والمجتهد ناجحًا، والمظلوم منتصرًا، لكن الواقع لا يلتزم بهذه التوقعات… ؛  فقد يموت إنسان نبيل في مقتبل العمر، ويعيش إنسان ظالم عقودًا طويلة، وقد يخسر المجتهد فرصته بسبب أزمة اقتصادية أو كارثة طبيعية، بينما يحقق آخر ثروة واسعة بفضل ظروف لم يصنعها بنفسه.

لكن من الضروري التمييز بين غياب العدالة الأخلاقية في توزيع الأحداث الطبيعية وبين القول إن الكون يتعمد العبث بمصائر البشر… ؛  فليس لدينا دليل علمي على أن الكون يمتلك إرادة أو مزاجًا أو قصدًا أخلاقيًا… ؛  إن تشبيه الكون بلاعب عشوائي أو كائن متقلب هو استعارة أدبية وفلسفية تعبّر عن شعور الإنسان أمام التفاوت والمصائب، لا وصف علمي لطبيعة الكون.

ومع ذلك، تبقى هذه الاستعارة قادرة على التعبير عن شعور وجودي عميق: شعور الإنسان بالعجز أمام أحداث لا يستطيع التحكم بها، وبأن حياته قد تتغير جذريًا من دون مقدمات أو إنذار.

# الصدفة ليست استثناءً، بل بنية خفية

نحن نتصور أن حياتنا تسير وفق قوانين واضحة: من يجتهد ينجح، ومن يتوقّى المرض يمرض أقل، ومن يدخن يموت مبكرًا… ؛  لكن الواقع أكثر تعقيدًا… ,  هناك ثلاثة أنواع من الصدفة تتحكم فينا:

1. الصدفة الجينية: الطفرات الوراثية، الأمراض الخلقية، الاستعداد للسرطان أو السكري أو أمراض المناعة… ,  طفل واحد من بين إخوته قد يحمل جينًا قاتلًا، بينما ينجو الآخرون.

2. الصدفة الكونية: الزلازل، الأوبئة، الحوادث، الحروب، موقع الميلاد. أن تولد في بلد آمن أو في منطقة قصف، في زمن السلام أو زمن الوباء، ليس خيارًا ولا استحقاقًا.

3. الصدفة الاجتماعية: الأسرة، الطبقة، التعليم، المال، العلاقات… ؛  طفل يولد في بيت مستقر وآخر يولد في مخيم لاجئين؛ كلاهما لم يخترْ شيئًا.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 400 ألف طفل يُشخَّصون بالسرطان سنويًا في العالم، كثير منهم لا ذنب لهم إلا أن الجينات أو البيئة اختارتهم… ؛  وفي جائحة كوفيد-19، مات شباب أصحاء بينما نجا مسنّون بأمراض مزمنة… ؛  هذه ليست عدالة، بل مفارقات صارخة.

# وهم الاستحقاق: هل يحصل الإنسان فعلًا على ما يستحق؟

من أكثر الأفكار رسوخًا في الوعي الاجتماعي الاعتقاد بأن الإنسان يحصد ما يزرع، وأن الاجتهاد يؤدي إلى النجاح، وأن السلوك الجيد يجلب النتائج الجيدة. وهي فكرة تنطوي على جانب عملي وأخلاقي مهم، لأنها تشجع على تحمل المسؤولية والعمل والمثابرة، لكنها تصبح مضللة حين تتحول إلى قانون شامل لتفسير مصائر البشر.

فكم من إنسان اجتهد طوال حياته ولم ينل ما يوازي جهده؟ وكم من موهوب أُهملت مواهبه بسبب الفقر أو الحرب أو التمييز؟ وكم من شخص خسر صحته أو حياته بسبب خطأ ارتكبه آخرون، أو حادث لم يكن في وسعه توقعه أو تجنبه؟

وفي المقابل، كم من شخص ورث ثروة هائلة لم يسهم في تكوينها؟ وكم من إنسان حظي بفرص استثنائية بفعل علاقات أسرية أو اجتماعية، أو بسبب ولادته في المكان والزمان المناسبين؟

وهنا تتجلى خطورة ما يعرف في علم النفس الاجتماعي بالاعتقاد بعالم عادل، وهي نزعة ذهنية تدفع بعض الناس إلى افتراض أن الأفراد يحصلون عمومًا على ما يستحقونه… ,  وقد تؤدي هذه النزعة، في بعض الحالات، إلى لوم الضحايا، أو التقليل من معاناتهم، أو تفسير فشلهم باعتباره دليلًا على قصورهم الأخلاقي أو الشخصي.

فبدلًا من التساؤل عن الأسباب البنيوية التي أدت إلى الفقر، قد يُتهم الفقير بالكسل… ؛  وبدلًا من النظر إلى الظروف التي أحاطت بالمريض، قد يُقال إنه لم يحسن الاعتناء بنفسه… ,  وبدلًا من الاعتراف بأن بعض المآسي تقع خارج نطاق السيطرة البشرية، قد يُبحث عن ذنب خفي لدى الضحية لتبرير ما أصابها.

لكن الشواهد تكذّب هذا التعميم… ؛  هناك مدخنون يعمّرون، ورياضيون يموتون في الأربعين… ؛ هناك أطفال يولدون مرضى، وشيوخًا يبقون إلى أرذل العمر… ؛  الإحصاءات تصف الاحتمالات، لكنها لا تعطي كل فرد حصته العادلة من الحياة.

هذا ما سماه الفيلسوف جون رولز «اللوتري الطبيعية»: أن نولد بجينات معينة، وأسرة معينة، وبلد معين، هو أمر عشوائي… ,  ومن غير العدل أن نبني المجتمع كأن هذا التوزيع اختيار شخصي أو استحقاق أخلاقي.

إن هذا التفكير لا يكتفي بإخفاء دور المصادفة والظروف، بل قد يضيف إلى الألم الأصلي ألمًا نفسيًا واجتماعيًا آخر، حين يجعل الإنسان مسؤولًا عن مآسٍ لم يخترها ولم يكن قادرًا على تفاديها…!!

# الكون المزاجي… وخبط عشواء

نقول مجازًا إن الكون يعيش حالة مزاجية، لكنه في الحقيقة لا يعيش شيئًا… ؛  الكون ليس كائنًا مزاجيًا، ولا عادلًا، ولا ظالمًا؛ إنه غير أخلاقي بالمعنى الفلسفي… ؛  لا يعرف من أنت، ولا ما تستحق… ؛  المطر ينزل على الأرض الطيبة والمالحة، والمرض يصيب الصالح والطالح.

هنا يظهر تعبير «يخبط خبط عشواء» بوصفه استعارة بليغة: الكون يتصرف كمن يمشي في الظلام بلا بصر، يضرب هنا وهناك، بلا خطة معلنة، وبلا ميزان ظاهر… ؛  وهذا لا ينفي وجود قوانين طبيعية، لكنه ينفي وجود عدالة توزيعية في المصائر البشرية الفردية ولو ظاهرا .

# مفارقة الصحة والعمر: لماذا لا تتساوى فرص البقاء؟

ربما تكون مسألة الصحة والعمر أكثر المسائل إثارة للحيرة والأسى؛ لأنها تمس أبسط حقوق الإنسان الوجودية، أي حقه في الحياة والقدرة على الاستمتاع بها.

إننا نشاهد تفاوتًا مذهلًا في الأعمار… ؛  بعض الناس يعيشون حتى التسعين أو المئة، رغم تعرضهم لعوامل خطر عديدة، بينما يموت آخرون في طفولتهم أو شبابهم، على الرغم من اهتمامهم بصحتهم واتباعهم أنماط حياة سليمة.

والتفسير العلمي لهذا التفاوت لا يرجع إلى عامل واحد، بل إلى شبكة واسعة من المؤثرات، تشمل الوراثة، والبيئة، والتغذية، والرعاية الصحية، والأمراض المعدية والمزمنة، والحوادث، والظروف النفسية والاجتماعية، إضافة إلى عوامل احتمالية لا يمكن التنبؤ بها بدقة على المستوى الفردي.

فالتدخين مثلًا يزيد مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة، لكنه لا يعني أن كل مدخن سيموت مبكرًا، ولا أن كل غير مدخن سيعيش عمرًا مديدًا… ؛  إن عوامل الخطر تغير الاحتمالات، لكنها لا تحدد بصورة مطلقة مصير كل فرد.

وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات الحياة إيلامًا: قد يتخذ شخص قرارات صحية سليمة طوال حياته، لكنه يتعرض لمرض نادر أو حادث قاتل، بينما يتجاوز آخر مخاطر عديدة ويعيش طويلًا.

إننا نميل إلى البحث عن علاقة مباشرة بين السلوك والنتيجة، لأن العقل البشري يفضل الأنماط السببية الواضحة… ,  لكن الحياة أكثر تعقيدًا من أن تخضع لمعادلات أخلاقية بسيطة.

ولا يعني ذلك أن العناية بالصحة والعمل على تحسين ظروف الحياة أمران بلا جدوى، بل يعني أن المسؤولية الفردية لا تمنح الإنسان سيطرة كاملة على النتائج، وأن الوقاية تقلل المخاطر ولا تلغيها.

ومن هنا يبرز سؤال مؤلم: إذا كان العمر والصحة من أهم ما يحتاج إليه الإنسان ليعيش حياة كريمة، فلماذا لا تتقارب حظوظ البشر فيهما؟ ولماذا لا يمتلك الجميع فرصًا متقاربة في الوصول إلى العلاج والغذاء والبيئة الآمنة والرعاية الصحية؟

إن الإجابة لا تكمن في الطبيعة وحدها، بل في المجتمع أيضًا… ؛  فبينما قد تكون بعض الفوارق الصحية ناتجة عن اختلافات بيولوجية أو أحداث عشوائية، فإن قسمًا كبيرًا من المعاناة الصحية يتصل بظروف يمكن للبشر تغييرها، مثل الفقر والتلوث وضعف الخدمات الطبية وسوء توزيع الموارد.

وهنا تتحول العدالة من سؤال فلسفي مجرد إلى مسؤولية اجتماعية وسياسية وأخلاقية.

# العدالة الطبيعية والعدالة الإنسانية: ما الذي نستطيع تغييره؟

ربما يكون من العبث أن نطالب الطبيعة بأن تكون عادلة بالمعنى الأخلاقي الذي نفهمه نحن. فالطبيعة لا تعرف مفاهيم الاستحقاق والمساواة والإنصاف كما يعرفها البشر… ؛  الزلازل لا تميز بين الصالح والطالح، والفيروسات لا تفحص السجلات الأخلاقية للمرضى، والأمراض الوراثية لا تختار ضحاياها بناءً على أعمالهم.

لكن عدم وجود عدالة أخلاقية في الطبيعة لا يعني أن الإنسان معفى من مسؤولية إقامة العدالة في المجتمع.

وهنا يمكن الاستعانة بأفكار الفيلسوف جون رولز في كتابه «نظرية في العدالة»، إذ ناقش كيف يمكن بناء مؤسسات اجتماعية عادلة في ظل حقيقة أن الناس لا يختارون مواهبهم الطبيعية أو مواقعهم الاجتماعية الأولية… ؛  ومن أبرز أفكاره مبدأ تكافؤ الفرص العادل، والاهتمام بأوضاع الأقل حظًا في المجتمع.

إن أهمية هذا التصور تكمن في أنه ينقل النقاش من محاولة إصلاح ما لا نملك السيطرة عليه إلى معالجة ما نستطيع تغييره… ,  فإذا لم يكن بوسعنا منع كل الأمراض، فيمكننا توفير علاج أكثر عدالة… ,  وإذا لم نستطع إلغاء الفوارق الطبيعية، فيمكننا تقليل أثرها الاجتماعي… ؛  وإذا لم يكن بوسعنا ضمان حياة خالية من الحوادث، فيمكننا إنشاء أنظمة أكثر أمانًا، وتوفير الحماية الاجتماعية، وتعويض المتضررين.

إن العدالة الإنسانية لا تعني أن يتساوى الجميع في الطول والعمر والذكاء والمواهب أو أن يعيشوا الظروف نفسها، فهذا أمر يتعارض مع التنوع الطبيعي والتاريخي للبشر… ,  لكنها تعني أن لا يتحول الاختلاف الطبيعي إلى مبرر للحرمان والاستغلال، وأن لا يكون مصير الإنسان محكومًا بالكامل بالطبقة التي ولد فيها أو بالثروة التي ورثها أو بالخدمات التي حُرم منها.

وإذا كان من المستحيل أن نمنح كل إنسان العمر نفسه والصحة نفسها، فمن الممكن أن نعمل على منح الجميع فرصة أكثر إنصافًا للعيش، وتقليل المعاناة التي يمكن تجنبها، وتوفير الكرامة الإنسانية لمن يواجهون المرض أو الإعاقة أو الفقر أو الكوارث.

 # متى تكون الصدفة عادلة؟

الجواب الصادق: لن تكون.

نعم , الإجابة الفلسفية الأكثر اتساقًا مع طبيعة الصدفة هي أنها لا تكون عادلة أو ظالمة في ذاتها؛ لأن العدالة والظلم مفهومان أخلاقيان يرتبطان بالإرادة والمسؤولية والمعايير التي يضعها البشر… ,  أما الصدفة، فهي وصف لوقائع لا نملك السيطرة عليها، أو لا نستطيع التنبؤ بها على نحو كافٍ.

لكن هذه الإجابة لا تبدد الشعور بالغبن، ولا تلغي الألم الناجم عن تفاوت المصائر… ؛  فما قيمة التمييز المفاهيمي بالنسبة إلى أم فقدت طفلها، أو شاب اكتشف إصابته بمرض عضال، أو إنسان قضى عمره في الحرمان بينما شاهد آخرين يحصلون على كل شيء بسهولة؟

إن المعاناة لا تصبح أقل قسوة لمجرد أننا أوجدنا لها تفسيرًا علميًا أو فلسفيًا… ؛  وقد يكون الاعتراف بحدود قدرتنا على تفسير المآسي أكثر صدقًا من اختراع إجابات مطمئنة لا تستند إلى دليل.

والإنسان، في جوهر تجربته، لا يطلب دائمًا تفسيرًا للصدفة بقدر ما يطلب ألا يُترك وحيدًا أمام نتائجها… ؛  إنه يريد أن يجد من يسانده حين ينهار، ومن يخفف عنه حين يعجز، ومن يعترف بأن ما أصابه ليس بالضرورة نتيجة تقصيره أو خطيئته.

ولعل العدالة التي نفتقدها في توزيع المصائر يمكن أن نعوض بعضًا من غيابها بالتضامن الإنساني، وبإنشاء مجتمعات لا تتعامل مع المريض بوصفه عبئًا، ولا مع الفقير بوصفه فاشلًا، ولا مع الضحية بوصفها مذنبة.

نعم , الصدفة لا تحمل قيمة العدل أصلًا… ؛  لكن البشر يستطيعون أن يصنعوا عدالة بعد الصدفة، لا في الصدفة… <  متى؟

عندما:

• تتوفر رعاية صحية للجميع، لا لمن يملك المال.

• تُبنى شبكات أمان للفقراء والمرضى والمنكوبين.

• نكفّ عن لوم الضحايا، ونبدأ بمساعدتهم.

• نستثمر في البحث العلمي والأدوية والأوبئة.

• نتعلم أن التعاطف ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية.

العدالة ليست أن تتوقف الصدفة عن الضرب؛ فهذا مستحيل… ؛  العدالة أن لا يُترك المضروب وحده.

# خاتمة: بين عبث الوجود وإرادة الإنسان

إن الحياة ليست مسابقة عادلة بالمعنى الذي نرغب فيه، وليست مسارًا مستقيمًا يكافئ المجتهدين ويعاقب المقصرين بصورة منتظمة… ؛  إنها مساحة واسعة من الاحتمالات والتفاعلات، تتشابك فيها الضرورة والصدفة، والاختيار والإكراه، والقدرة والعجز.

نحن لا نختار جيناتنا، ولا آباءنا، ولا أوطاننا، ولا كثيرًا من الأحداث التي تعترض طريقنا… ,  وقد تتبدل أحوالنا في لحظة واحدة، فتنقلب السعادة شقاءً، والصحة مرضًا، والاستقرار فوضى، والأمل خيبة… ؛  وربما يقضي الإنسان عمره كله محاولًا إصلاح مسار لم يكن هو من اختار بدايته.

لكن الاعتراف بعبث بعض الوقائع لا ينبغي أن يقودنا إلى العدمية أو الاستسلام… ؛  فبينما نعجز عن التحكم بكل ما يحدث لنا، نمتلك قدرًا من القدرة على اختيار استجاباتنا، وصناعة بعض المعاني، والتأثير في مصائر الآخرين.

وليس في ذلك ادعاء بأن الإرادة الفردية قادرة على هزيمة كل الظروف، أو أن التفاؤل يعالج كل المآسي، بل هو اعتراف بأن مساحة الحرية، مهما ضاقت، تظل ذات قيمة إنسانية وأخلاقية.

وربما يكون السؤال الأهم ليس فقط: لماذا لا تكون الصدفة عادلة؟ بل أيضًا: لماذا لا نسعى إلى أن نكون نحن أكثر عدالة في عالم لا يضمن لنا الإنصاف؟

لماذا لا نخفف عن المريض ما أمكن، ونحمي الطفل من الأخطار التي يمكن تجنبها، وننصف الفقير، ونساند الضعيف، ونمنح الإنسان فرصة لا تحددها ثروة والديه أو ظروف ولادته؟

إننا قد لا نستطيع أن نعيد توزيع الأعمار، أو أن نمنع كل الأمراض، أو أن نوقف تقلبات الطبيعة، لكننا نستطيع أن نحد من الظلم الذي يصنعه البشر، وأن نخفف من قسوة الظلم الذي تفرضه الظروف.

وهكذا، ربما لا تكون العدالة الكونية وعدًا يمكن انتظاره، ولا تكون الصدفة خصمًا يمكن محاكمته، لكن العدالة الإنسانية تظل مشروعًا يمكن العمل من أجله.

وإلى أن يتحقق شيء من هذا الإنصاف، سيبقى السؤال معلقًا في فضاء الوجود، يتردد في وجدان كل من تأمل تفاوت المصائر:

لماذا يولد بعضنا ليحيا طويلًا، بينما لا يُمنح بعضنا الآخر سوى سنوات قليلة؟ لماذا يُمنح أناس فرصًا لا تنتهي، فيما يستهلك آخرون أعمارهم في مقاومة الحرمان والموت؟ ومتى تتقارب حواف الأعمار والصحة والفرص؟ ومتى يتوقف الإنسان عن دفع ثمن مصادفات لم يخترها؟

لعل أكثر ما يثير الأسى في هذه الأسئلة ليس أننا لا نملك إجابات نهائية عنها، بل أننا نعيش في عالم نعرف فيه حجم المعاناة التي يمكن تخفيفها، ومع ذلك لا تزال العدالة فيه بعيدة عن أن تكون حقًا متاحًا للجميع.

فإذا كان الكون لا يعرف الإنصاف، فهل نستطيع نحن، بما نملكه من عقل وضمير وإرادة، أن نجعل الحياة أقل قسوة وأكثر عدالة؟