أكتوبر 6, 2026
DC034518-BC87-47AA-BFD6-ADA507B0227E

خبز الشعب المسروق والكعك
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي

ليست كل إهانة للفقراء كلمةً جارحة. أحياناً تكون الإهانة أكثر أناقة: تصريحاً تلفزيونياً ، نصيحة اقتصادية، منشوراً عن «ثقافة الاستهلاك»، أو خبيراً يتحدث بثقة عن ضرورة أن يتعلم الناس كيف يعيشون بأقل.
هنا تحديداً تبدأ السياسة الخطرة.
فحين ترتفع الأسعار، وتتآكل الأجور، وتتراجع القدرة الشرائية، ويصبح تأمين الغذاء والدواء والسكن عبئاً يومياً ثم يخرج علينا بعض المتحدثين باسم الاقتصاد أو المعرفة ليقولوا للناس: غيّروا نمط حياتكم، قلّلوا احتياجاتكم، تعلّموا الاقتصاد، فإن السؤال الذي يجب طرحه ليس: لماذا لا يتكيف المواطن؟
بل: من الذي أوصل المواطن إلى هذه الحال؟
«الكعك» الجديد
لم يعد أحد يحتاج إلى قول العبارة المنسوبة إلى ماري أنطوانيت حرفياً: «فليأكلوا الكعك».
لقد أصبح للكعك السياسي أشكال أخرى.
حين يُطلب من الموظف أن يتحمل راتباً لا يكفي أسبوعاً، فهذا «كعك».
حين يُطلب من الأسرة أن تلغي احتياجات أساسية بدل معالجة أسباب الغلاء، فهذا «كعك».
حين يُحمَّل المواطن مسؤولية التضخم والبطالة وتراجع الخدمات، فهذا «كعك».
وحين تتحول معاناة الناس إلى مادة للاستعراض الإعلامي والتنظير من خلف المكاتب المكيفة، فنحن أمام النسخة الحديثة من تلك المقولة التاريخية.
المشكلة ليست أن الناس لا تعرف كيف تقتصد.
الفقراء خبراء في الاقتصاد أكثر مما يتخيل بعض المنظّرين وأصحاب الشهادات الاقتصادية والمكاتب التي تُعنى بالاقتصاد
هم يعرفون كيف يوزعون الراتب على الشهر، وكيف يؤجلون حاجة لحساب أخرى، وكيف يستغنون عن أشياء كثيرة. لكن هناك نقطة يصل إليها التقشف لا يعود بعدها تقشفاً، بل يصبح حرماناً.
وهناك فرق بين الاثنين.
من يدفع ثمن الفشل؟
في كثير من الاقتصادات المتعثرة، يُطلب من المواطن أن يدفع فاتورة الإصلاح قبل أن يرى إصلاحاً حقيقياً.
يُطلب منه الصبر، بينما لا يرى محاسبة حقيقية.يُطلب منه شد الحزام، بينما لا يرى مكافحة جادة للفساد والاحتكار.
يُطلب منه التخلي عن بعض احتياجاته، بينما لا تُمس الامتيازات التي يتمتع بها أصحاب النفوذ.
وهنا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة ثقة سياسية.
فالمواطن قد يتحمل الفقر فترة، لكنه لا يتحمل طويلاً الإحساس بأن الفقر يُدار عليه وحده.
الدولة التي تطلب التضحية من مواطنيها مطالبة بأن تقدم لهم قبل ذلك شيئًا أهم: العدالة.
عدالة في الفرص.
عدالة في توزيع الأعباء.
عدالة في تطبيق القانون.
وعدالة في الوصول إلى الموارد والخدمات.
أخطر من الغلاء
الغلاء موجع، لكن الأخطر منه أن يشعر المواطن بأن صوته لا قيمة له.
حين يصبح الفقير متهماً لأنه فقير، والعاطل متهماً لأنه لم يجد عملاً، والموظف متهماً لأنه لا يستطيع مجاراة الأسعار، يصبح الخطاب الاقتصادي نفسه أداةً لإعادة توزيع المسؤولية من أصحاب القرار إلى ضحايا القرار.
وهذه ليست مجرد مشكلة في التواصل.
إنها مشكلة سياسية وأخلاقية.
فالسياسة الاقتصادية ليست معادلة حسابية منفصلة عن المجتمع. إنها قرار يحدد من يدفع ومن يستفيد، ومن يتحمل ومن يُحمى.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في زمن الأزمات ليس فقط: كم بلغ التضخم؟
بل: من دفع ثمنه؟
ومن استفاد؟
ومن حُمي؟
ومن تُرك وحيداً في مواجهة السوق؟
لا تختبروا غضب الناس
على الحكومات والنخب أن تفهم قاعدة بسيطة: الشعوب لا تثور فقط عندما تجوع؛ قد تغضب عندما تشعر أن أحدًا يستخف بجوعها.
قد يصبر الإنسان على الضيق إذا رأى أن الجميع يدفع الثمن، وأن الدولة تعمل، وأن المستقبل ممكن.
لكنه يفقد ثقته عندما يرى التناقض بين الخطاب الرسمي وحياته اليومية.
وعندها لا يعود «الكعك» نكتة تاريخية.
بل يتحول إلى رمز سياسي كامل لفجوة بين من يملكون القرار ومن يدفعون ثمنه.
لذلك، لا تطلبوا من الناس أن يتعلموا كيف يعيشون بلا خبز.
أعيدوا إليهم القدرة على شراء الخبز.
لا تلقوا عليهم محاضرات عن الصبر.
أعطوهم سبباً للصبر.
ولا تطلبوا منهم التضحية إلى ما لا نهاية.
فالدولة التي لا توزّع أعباء الأزمة بعدالة، لا تستطيع أن تطلب من المجتمع أن يدفع فاتورتها بصمت.
فالخبز ليس رفاهية.
ومن يجعل الكرامة ترفاً، قد يكتشف متأخراً أن الشعوب لا تنسى من جعلها تتضور جوعاً ولا من حاول إقناعها بأن المشكلة في رغيفها، لا في اليد التي سرقته.