أكتوبر 6, 2026
رياض سعد

رياض سعد

مقدمة: ظاهرة النفور من المدرسة

ليس من الطبيعي أن يستيقظ الطفل العراقي صباحًا وهو يشعر بأن ذهابه إلى المدرسة يشبه الذهاب إلى مكان ينتظره فيه العقاب، أو أن تتثاقل خطواته كلما اقترب موعد الدوام، أو أن يفرح بانتهاء اليوم الدراسي أكثر مما يفرح بما تعلمه واكتسبه من معرفة وخبرة…!!

فالمدرسة، في أصل فكرتها، ليست سجنًا ولا ثكنة عسكرية، وليست مكانًا لإخضاع الطفل وإرهاقه وإرعابه، وإنما هي المؤسسة التربوية التي يفترض أن يتعلم فيها الإنسان كيف يفكر، وكيف يحترم نفسه والآخرين، وكيف يكتشف مواهبه، وكيف يستعد لحياة كريمة ومستقبل أكثر أمنًا ووعيًا.

نعم , منذ نعومة أظفارهم، ينشأ الطلبة العراقيون والطالبات على مشاعر مختلطة تجاه المدرسة؛ مشاعر تتراوح بين الخوف والقلق والنفور.. ,  فما إن يحين وقت الدوام المدرسي حتى تتثاقل الخطى، وتثقل الأقدام، وكأن الطالب ذاهب إلى حتفه لا إلى مقاعد العلم والتعلم. هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ، بل هي نتاج تراكمي لسنوات من الإهمال والتقصير في البنى التحتية والخدمية، وسوء إدارة المنظومة التربوية والتعليمية بكل مكوناتها. فالمدرسة العراقية، كما يصفها البعض، أصبحت أشبه بثكنة عسكرية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، حيث يُجبر التلميذ والطالب على الحضور قسراً، لا لأن حقه في تعليم جيد مكفول، بل لأن القانون يفرض ذلك، في ظل انعدام المقومات الأساسية للبيئة التعليمية السليمة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بجدية هو: لماذا ينفر كثير من الطلبة العراقيين بل أغلبهم ، ومنذ سنواتهم الدراسية الأولى، من المدرسة؟! ولماذا تتحول العودة إلى الدوام بعد العطلة إلى عبء نفسي، بدل أن تكون عودة إلى بيئة تعليمية محببة؟!

إن المشكلة لا يمكن اختزالها في الطالب وحده، ولا في المعلم وحده، ولا في المناهج وحدها؛ إنها حصيلة منظومة تعليمية  تربوية ثقافية متشابكة تراكمت فيها مشكلات السياسة  والبيئة الاجتماعية والحالة الاقتصادية , والبنية التحتية، والإدارة، والمناهج، وأساليب التدريس، والعلاقة بين المعلم والطالب، والعنف المدرسي، والضغط الاجتماعي، وضعف الرؤية المستقبلية للتعليم.

*حين يتحول المعلّم إلى مصدر خوف

ليس العنف في المدرسة العراقية ظاهرةً طارئة، ولا يمكن اختزالها في معلّمٍ قاسٍ أو طالبٍ مشاغب؛ فهي، في جانب منها، انعكاسٌ لثقافة أوسع نشأت وتراكمت في ظل تاريخ طويل من السلطة الأبوية والعقاب والخوف، ومن التعامل مع الإنسان بوصفه كائناً يُروَّض بالعصا أكثر مما يُقنع بالكلمة.

ومنذ قيام الدولة العراقية الهجينة الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، مرّ التعليم العراقي بمراحل متعددة، وتداخلت فيه اعتبارات سياسية واجتماعية وطائفية وقومية، كما شهدت مؤسسات الدولة، ولا سيما في بعض المراحل السياسية، انتشاراً لثقافة الانضباط القسري والعقاب… ؛  وفي مراحل لاحقة، ولا سيما في عهد البعث الدموي الاسود ، اتسعت مظاهر العنف السلطوي في الحياة العامة، حتى أصبح العنف جزءاً من أدوات فرض الطاعة والانضباط.

فكيف يمكن لمجتمعٍ يتربى فيه الكبير على الخوف من السلطة أن يربي صغاره بعيداً عن الخوف؟

لقد كان الطالب العراقي، في أوقات كثيرة، معرضاً للضرب والتوبيخ والإهانة داخل المدرسة، ولم يكن الأمر يقتصر دائماً على المعلم؛ إذ كانت سلطة العقاب تمتد أحياناً إلى الإدارة والعاملين في المدرسة، فيتحول المكان الذي يفترض أن يكون آمناً للطفل إلى فضاءٍ آخر للخوف… ؛  والأسوأ أن الضرب كان يُقدَّم أحياناً بوصفه وسيلةً لـ«التربية» و«التأديب»، وكأن الألم الجسدي يمكن أن يصنع إنساناً صالحاً...؟!

لكن العنف لا يعلّم الانضباط؛ إنه يعلّم الخوف.

والطفل الذي يتعرض للضرب والإهانة قد لا يتعلم احترام المعلم، بل قد يتعلم إخفاء أخطائه، والكذب لتجنب العقوبة، أو ممارسة العنف على من هو أضعف منه… ؛  وهنا تتحول المدرسة، من حيث لا ندري، إلى حلقة في إعادة إنتاج العنف اجتماعياً: يضرب القوي الضعيف، ثم يكبر الضعيف ليبحث عن أضعف منه.

والعنف المدرسي ليس ضرباً فقط؛ فقد يكون كلمةً جارحة، أو سخريةً أمام الزملاء، أو تنمراً، أو إذلالاً، أو إقصاءً، أو تهديداً وابتزازاً عبر الفضاء الرقمي… ؛  وكلها أشكال قادرة على ترك آثار نفسية عميقة، من القلق والخوف وفقدان الثقة بالنفس إلى العزلة وتراجع التحصيل الدراسي، وقد تصل لدى بعض الأطفال إلى اضطرابات نفسية خطيرة.

ولذلك فإن إصلاح المدرسة العراقية لا يبدأ من المناهج وحدها، بل من إعادة تعريف معنى التربية نفسها.

نحن بحاجة إلى مدرسةٍ لا يخاف فيها الطالب من المدير أو المعلم، بل يشعر أن كليهما موجودان لحمايته وتعليمه وتقويمه… ؛  وبحاجة إلى معلمٍ يمتلك أدوات تربوية ونفسية للتعامل مع الخطأ والسلوك المنحرف، بدلاً من اللجوء إلى اليد والعصا والإهانة.

فالدولة التي تريد مواطناً يحترم القانون لا تستطيع أن تربيه على الخوف من القوة… ,  والمجتمع الذي يريد أجيالاً أقل عنفاً لا يستطيع أن يجعل المدرسة أول مختبر يتعلم فيه الطفل أن القوة هي الطريق الأقصر إلى إخضاع الآخرين.

إن ضرب الطالب ليس مجرد اعتداء على جسده؛ إنه اعتداء على صورة الإنسان في داخله… ؛ ولهذا فإن محاربة العنف في المدارس ليست قضية تربوية فحسب، بل قضية اجتماعية ونفسية وثقافية، بل هي جزء من مشروع إصلاح الدولة والمجتمع… ؛  فالمدرسة التي يتعلم فيها الطفل الحوار والاحترام والكرامة، ستخرج مواطناً أكثر استعداداً للحوار والاحترام والالتزام بالقانون.

أما المدرسة التي تعلّمه أن الخطأ يُقابل بالعصا، فقد تخرّج منه إنساناً لا يعرف من السلطة إلا وجهها العنيف.

*المدرسة حين تفقد معناها الإنساني

المدرسة الناجحة تجعل الطفل يشعر بأنه ذاهب إلى مكان سيضيف شيئًا إلى حياته. أما حين يجد أمامه صفًا مكتظًا، ومرافق خدمية متردية، وبيئة لا توفر له الراحة والأمان، ومناهج تقوم في جانب كبير منها على الحفظ والتلقين، ومعلمًا يتعامل معه بمنطق الأوامر والعقوبات، فإن المدرسة تبدأ بفقدان معناها التربوي.

وقد يذهب الطالب إلى المدرسة لأنه مجبَر على الذهاب إليها، لا لأنه مقتنع بقيمتها.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن المدرسة مكان للواجبات والعقوبات والامتحانات والقلق، وليس مكانًا للمعرفة والاكتشاف والحوار، قد يكوّن ارتباطًا نفسيًا سلبيًا بها… ,  ومع مرور السنوات، يتحول هذا الشعور إلى نفور مزمن من التعليم ذاته.

ولذلك فإن العبارة الشعبية التي تقول إن الطالب العراقي يذهب إلى المدرسة «وكأنه ذاهب إلى جهنم» ليست مجرد مبالغة ساخرة؛ إنها، في بعض الحالات، تعبير عن شعور نفسي حقيقي يتكون عندما تصبح البيئة التعليمية مصدرًا للخوف والضغط بدل أن تكون مصدرًا للأمان والنمو.

مدارس بلا مقومات كافية… وفصول لا تتسع لأحلام الأطفال

كيف نطالب الطالب بالانضباط والإبداع والتركيز، بينما يجلس في صف يضم أعدادًا كبيرة من الطلبة تفوق القدرة الطبيعية على الاستيعاب والتفاعل؟

الفصل الدراسي المكتظ لا يعني فقط أن عدد الكراسي أكبر من اللازم، وإنما يعني أن المعلم نفسه يصبح عاجزًا عن متابعة الفروق الفردية بين الطلبة، وأن الطالب الخجول قد يختفي وسط الزحام، وأن المتفوق لا يجد دائمًا ما يحفزه، وأن الطالب الذي يعاني صعوبة في التعلم قد لا يحصل على الاهتمام الذي يحتاجه.

ثم تأتي مشكلة الخدمات: مرافق صحية غير ملائمة في بعض المدارس، نقص في التجهيزات، ضعف في البيئة الصفية، مشكلات تتعلق بالتدفئة والتبريد والنظافة والصيانة في بعض المؤسسات التربوية والتعليمية ، فضلًا عن بنايات مدرسية لا تواكب دائمًا احتياجات التعليم الحديث.

ومن المفارقات المؤلمة أن المجتمع يطلب من الطفل أن يكون منظمًا ونظيفًا ومنضبطًا، بينما قد يجد نفسه في بيئة مدرسية لا تتوافر فيها دائمًا الشروط التي تساعد على ترسيخ هذه القيم.

*عندما يتحول المعلم إلى شرطي!

من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب المؤسسة التربوية أن تتحول العلاقة بين المعلم والطالب من علاقة تعليم وتوجيه إلى علاقة مطاردة ومراقبة وعقوبة.

فيصبح الشعر، والحذاء، والبنطال، والمظهر الخارجي، هي القضايا الأكثر حضورًا في العلاقة اليومية، بينما تتراجع أسئلة أكثر أهمية:

ماذا تعلمت اليوم؟

ماذا قرأت؟

ماذا فهمت؟

ما السؤال الذي يشغلك؟

ما الموهبة التي تملكها؟

وكيف يمكن أن تصبح إنسانًا أفضل؟

ليس معنى ذلك أن الانضباط المدرسي غير مهم؛ بل هو ضروري. ولكن الانضباط التربوي شيء، وتحويل المدرسة إلى منظومة عقوبات ومراقبة مزاجية شيء آخر.

فالطالب يحتاج إلى قواعد واضحة وعادلة وثابتة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يشعر بأن من يضع هذه القواعد يحترمه ويهدف إلى مصلحته.

المعلم ليس جلادًا… والطالب ليس ملاكًا

ومن الإنصاف أيضًا ألا ننظر إلى المسألة من زاوية واحدة.

فكما يوجد معلم أو معلمة يسيء استخدام السلطة التربوية، يوجد أيضًا طلبة غير منضبطين، يمارس بعضهم السخرية، أو الشغب، أو الاعتداء، أو التخريب، أو الإساءة إلى المعلمين وزملائهم.

وهذا أمر يجب الاعتراف به بوضوح.

لكن وجود طالب سيئ السلوك لا يمنح المعلم الحق في الإهانة أو التنمر أو الضرب أو الانتقام النفسي.

المعلم الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجعل الطالب يحترمه من دون أن يخاف منه.

وهذه هي نقطة الفرق بين السلطة التربوية والسلطة القمعية.

فالاحترام الذي ينتج عن الخوف يختفي بمجرد زوال الخوف، أما الاحترام الذي ينتج عن شخصية المعلم وأخلاقه وعدالته وعلمه، فيبقى حتى بعد انتهاء علاقة الطالب بالمدرسة.

أين ذهبت التربية؟

السؤال الأهم في عبارة «وزارة التربية» ليس كلمة «التربية» وحدها، وإنما معناها.

فالتعليم من دون تربية قد ينتج حافظًا للمعلومات، لكنه لا ينتج بالضرورة إنسانًا سويًا.

والتربية لا تعني أن نطلب من الطالب الصمت طوال الوقت، ولا أن نملأ رأسه بالأوامر، ولا أن نعاقبه لأنه سأل سؤالًا محرجًا، ولا أن نسخر من خطئه أمام زملائه.

التربية هي أن نعلمه كيف يختلف دون أن يعتدي، وكيف ينجح دون أن يتكبر، وكيف يفشل دون أن ينهار، وكيف يخطئ ثم يتعلم من خطئه.

ولهذا فإن المعلم الذي يهين طالبًا أمام زملائه قد لا يعاقبه في تلك اللحظة فقط، وإنما قد يترك في داخله جرحًا نفسيًا يمتد سنوات.

*التنمر والعنف… مدرسة أخرى داخل المدرسة

التنمر والإهانات والاعتداءات اللفظية والجسدية بين الطلبة، أو بين بعض الطلبة وأفراد الكادر التربوي، مشكلة خطيرة؛ لأنها تجعل المدرسة بيئة غير آمنة نفسيًا.

وقد تتجاوز المشاجرة حدود المدرسة عندما يتدخل الأهل، فتتحول مشكلة بين طالبين إلى نزاع بين عائلتين.

ولهذا ينبغي أن تكون المدرسة مكانًا لتعلم الحوار وحل النزاعات، لا بيئة لإعادة إنتاج العنف الموجود في المجتمع.

نعم , هناك مشكلة أكثر خطورة تتمثل في التنمر المدرسي.

فالطالب قد يتعرض للسخرية بسبب شكله، أو ملابسه، أو لهجته، أو مستواه الدراسي، أو وضع أسرته، أو بنيته الجسدية، أو أي اختلاف آخر.

وقد يتحول الأمر إلى اعتداء لفظي أو جسدي.

والأخطر أن بعض هذه الحالات لا تنتهي عند بوابة المدرسة؛ فقد يتدخل الأهل، وتنتقل المشكلة من طالبين إلى عائلتين، ومن مشادة بسيطة إلى خصومة اجتماعية.

وهنا تصبح المدرسة بدل أن تكون مساحة لحل النزاعات، ساحة لتكاثرها.

لذلك فإن مواجهة التنمر ليست مسؤولية الطالب وحده، بل مسؤولية الإدارة والمعلمين والمرشدين التربويين والأهل والمؤسسة التعليمية بأكملها.

الإدارة التي تنشغل بالمظاهر وتنسى الجوهر

هناك مدارس قد يصبح فيها ضبط المظهر الخارجي للطالب أكثر أهمية من إصلاح البيئة التعليمية نفسها.

قد يُحاسب الطالب بشدة على تفاصيل صغيرة في مظهره، بينما لا يجد أمامه في المدرسة البيئة التي تساعده على التعلم.

وهذا التناقض يولد لدى الطالب شعورًا عميقًا بعدم العدالة:

«كيف تطلبون مني الالتزام، بينما المؤسسة نفسها لا توفر لي ما أحتاج إليه؟»

الطالب لا يحتاج إلى إدارة ضعيفة، ولكنه يحتاج إلى إدارة عادلة.

ولا يحتاج إلى معلم متساهل في كل شيء، وإنما إلى معلم يعرف متى يكون حازمًا ومتى يكون متفهمًا.

أين التربية؟

السؤال الذي ينبغي أن يرافق اسم وزارة التربية هو: أين التربية في العملية التعليمية؟

فالتعليم ليس حشو رأس الطالب بالمعلومات، والتربية ليست إجباره على الصمت والخضوع.

التربية أن يتعلم احترام الآخر، وضبط غضبه، وتحمل المسؤولية، والاختلاف دون اعتداء، والاعتراف بالخطأ وتصحيحه.

والمدرسة التي تهين الطالب عندما يخطئ قد تعلمه الخوف، لكنها لا تعلمه المسؤولية.

أما المعلم الذي يعامله باحترام وحزم وعدالة، فيمكنه أن يحول الخطأ إلى فرصة للتعلم.

*المناهج… حين يصبح الحفظ بديلًا عن التفكير

ومن المشكلات التي ينبغي أن تُناقش بجدية طبيعة بعض المناهج وطرق تقديمها.

فالتعليم الذي يقوم بصورة مفرطة على الحفظ والاستظهار قد يجعل الطالب يدرس من أجل الامتحان، لا من أجل المعرفة.

يحفظ الإجابة، يكتبها في ورقة الامتحان، ثم ينساها بعد فترة قصيرة.

وهكذا تتحول العملية التعليمية إلى دائرة مغلقة:

احفظ → امتحن → انجح → انسَ → احفظ من جديد.

بينما التعليم الحقيقي يفترض أن ينقل الطالب من مرحلة حفظ المعلومة إلى فهمها، ثم تحليلها، ثم استخدامها، ثم إنتاج أفكار جديدة من خلالها.

فالمدرسة التي لا تعلم الطفل كيف يفكر، ستتركه معتمدًا على الآخرين في التفكير حتى بعد أن يغادرها.

*مأساة أخرى: ماذا بعد التخرج؟

وحتى بعد أن ينهي الطالب سنوات طويلة من الدراسة، تبدأ مشكلة أخرى.

فالشهادة الجامعية لا تضمن وحدها وظيفة، وسنوات الدراسة لا تضمن بالضرورة امتلاك المهارات التي يحتاجها سوق العمل.

وقد يضطر بعض الطلبة إلى دفع مبالغ كبيرة للدراسة في مؤسسات التعليم الأهلي، ثم يكتشفون بعد التخرج أن الطريق إلى الوظيفة ليس مضمونًا، وأن قيمة الشهادة في سوق العمل تعتمد أيضًا على الاعتراف بها، وجودة المؤسسة، ومستوى الطالب ومهاراته، وحاجات السوق.

وهنا يشعر الشاب أنه أمضى جزءًا كبيرًا من عمره في منظومة تعليمية لم تمنحه ما كان ينتظره منها.

فتصبح العملية التعليمية، في نظره، أشبه بمن يحاول أن ينقل الماء بغربال؛ كلما ملأه تسرب الماء منه.

وهذه صورة قاسية، لكنها تعبر عن إحساس إنسان قضى سنوات طويلة في الدراسة ثم وجد نفسه أمام سؤال أكبر: ماذا صنعت لي كل هذه السنوات؟

الحل ليس بإلغاء النظام… وإنما بإصلاحه

إصلاح هذه الظاهرة ممكن، لكنه يحتاج إلى رؤية تتجاوز الحلول الشكلية، ومن أهم الخطوات العملية:

أولًا: تحسين البيئة المدرسية.

توفير مدارس آمنة ونظيفة، ومرافق صحية مناسبة، ومياه وخدمات أساسية، ووسائل تدفئة وتبريد، وصيانة مستمرة للأبنية والتجهيزات.

ثانيًا: معالجة اكتظاظ الصفوف.

بناء مدارس جديدة، وتوزيع الطلبة بصورة متوازنة، واعتماد حلول مرحلية للمناطق التي تعاني كثافة سكانية عالية.

ثالثًا: تحديث المناهج.

الانتقال من الحفظ والتلقين إلى الفهم والتحليل والتجربة والمناقشة وتنمية التفكير النقدي والمهارات العملية.

رابعًا: تأهيل المعلمين.

إقامة برامج تدريب مستمرة في علم النفس التربوي، وإدارة الصف، وطرق التدريس الحديثة، والتعامل مع المراهقين والأطفال، وحل النزاعات دون عنف.

خامسًا: وضع ميثاق واضح للعلاقة بين الطالب والمعلم.

يحمي المعلم من اعتداءات الطلبة، ويحمي الطالب في الوقت نفسه من الإهانة والتنمر والعنف والعقوبات غير التربوية.

سادسًا: إنشاء منظومة فعالة لمواجهة التنمر.

وجود مرشدين نفسيين واجتماعيين في المدارس، وآلية سرية لتقديم الشكاوى، والتدخل المبكر قبل تحول المشكلات الصغيرة إلى عنف.

سابعًا: إشراك الأسرة.

لا ينبغي أن تترك الأسرة مسؤولية التربية للمدرسة وحدها، كما لا يجوز أن تتحول إلى طرف في كل مشكلة مدرسية. المطلوب شراكة حقيقية بين البيت والمدرسة.

ثامنًا: ربط التعليم بالمستقبل.

إعطاء الطالب مهارات حقيقية في التكنولوجيا واللغات والمهن والتفكير والإبداع، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل حتى لا تصبح الشهادة نهاية الطريق بدل أن تكون بدايته.

تاسعًا: تقييم أداء الإدارات والكادر التربوي بصورة مهنية.

المحاسبة ينبغي ألا تكون انتقائية أو مزاجية، بل تقوم على معايير واضحة تشمل الأداء التربوي، والعلاقة مع الطلبة، والالتزام المهني، والنتائج التعليمية.

* الأثر النفسي والاجتماعي

إن نفور الطفل من المدرسة ليس مسألة عابرة.

فالطفل الذي يعيش يوميًا في بيئة يشعر فيها بالخوف أو الإهانة أو التنمر أو العجز قد تتشكل لديه مشاعر من القلق، وانخفاض تقدير الذات، وكراهية المكان، وربما كراهية عملية التعلم نفسها.

عندما يتكرر الفشل أو الإذلال، قد يبدأ الطالب بإقناع نفسه بأنه «غبي» أو «غير قادر» أو «لا يصلح للدراسة»، مع أن المشكلة قد لا تكون في قدراته أصلًا، وإنما في البيئة التي لم تعرف كيف تكتشف قدراته.

أما اجتماعيًا، فإن المدرسة التي لا تعلم الحوار والاحترام وقبول الاختلاف قد تعيد إنتاج العنف الذي يعاني منه المجتمع بدل أن تساعد على علاجه.

فالطفل يتعلم من البيئة أكثر مما يتعلم من الكتب.

إذا رأى أن القوة هي الطريق إلى فرض الرأي، فسيتعلم القوة.

وإذا رأى أن الإهانة وسيلة للتربية، فقد يعيد استخدامها مع الأضعف منه.

أما إذا رأى الاحترام والحوار والعدل، فإنه يتعلم هذه القيم بوصفها سلوكًا حيًا، لا مجرد كلمات في كتاب التربية الوطنية.

*المدرسة ليست ثكنة عسكرية

إن تشبيه المدرسة بالثكنة العسكرية قد يكون قاسيًا، لكنه يصف الخوف الذي يشعر به بعض الطلبة عندما تصبح المدرسة مكانًا كثيف الأوامر والعقوبات والمراقبة، في حين تتراجع مساحات الحوار والإبداع.

المدرسة ليست ثكنة، والمعلم ليس شرطيًا، والطالب ليس متهمًا.

وفي المقابل، المدرسة ليست مكانًا للفوضى، والمعلم ليس موظفًا بلا سلطة تربوية، والطالب ليس فوق القانون المدرسي.

الحل إذن ليس في الفوضى، ولا في القمع، وإنما في الانضباط التربوي: قواعد واضحة، وعقوبات عادلة، وحقوق مصانة، ومسؤوليات محددة، وعلاقة إنسانية بين الطالب والمعلم.

إنقاذ المدرسة يبدأ من إعادة تعريف التعليم

إن إصلاح التعليم العراقي لا يبدأ بتغيير كتاب أو إصدار تعميم إداري فقط.

إنه يحتاج إلى مشروع متكامل يعيد بناء المدرسة من الداخل:

بنية تحتية مناسبة، صفوف غير مكتظة، مرافق صحية لائقة، بيئة نظيفة وآمنة، مناهج حديثة، تدريب حقيقي للمعلمين، أساليب تدريس تقوم على التفكير لا الحفظ وحده، منظومة فعالة لمواجهة التنمر والعنف، إرشاد نفسي وتربوي، إدارة مدرسية مهنية، ونظام واضح يحمي الطالب والمعلم في الوقت نفسه.

ويحتاج قبل ذلك كله إلى إعادة الاعتبار إلى مهنة التعليم.

فالمعلم الذي يشعر بأنه محترم ومؤهل ومدعوم، سيكون أكثر قدرة على احترام الطالب.

والمعلم الذي يمتلك أدوات التربية الحديثة، لا يحتاج إلى الصراخ حتى يسمعه الطلاب.

والمعلم الذي يمتلك شخصية قوية وعلمًا وأخلاقًا، لا يحتاج إلى الإهانة حتى يفرض احترامه.

ليست المشكلة في الجميع… ولكن المشكلة موجودة

ومن الضروري أن نقول بوضوح: هذه المقالة لا تعني جميع المعلمين والمعلمات والمديرين والمديرات.

في العراق معلمون ومدرسون ومعلمات ومدرسات ومديرون ومديرات يحملون رسالة التعليم بإخلاص، ويقدمون للطلبة من وقتهم وجهدهم وطاقتهم أكثر مما تفرضه عليهم الوظيفة.

وهؤلاء يستحقون الاحترام والتقدير.

لكن وجود النماذج المخلصة لا يعني إنكار وجود نماذج أخرى تسيء إلى المهنة، كما أن وجود طلبة مشاغبين لا يعني أن جميع الطلبة سيئو السلوك.

والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن الدفاع عن الأخطاء لمجرد أن مرتكبها ينتمي إلى مهنتنا أو جماعتنا أو مؤسستنا.

في النهاية… الطفل العراقي لا يكره المدرسة بالضرورة، بل قد يكره ما أصبحت تمثله

ربما لا يكره الطفل العلم.

وربما لا يكره الكتاب.

وربما لا يكره المعلم.

لكنه قد يكره الخوف المرتبط بالمدرسة، والإهانة، والتنمر، والاكتظاظ، والروتين، والتلقين، والعقوبات، والبيئة غير الملائمة، والشعور بأن سنوات عمره تمضي في منظومة لا يعرف إلى أين ستقوده.

وهنا ينبغي أن نعيد طرح السؤال من أساسه:

هل نريد مدرسة تجعل الطفل يخاف من غدها، أم مدرسة تجعله ينتظر غدها بشغف؟

إن الطفل الذي يذهب إلى المدرسة وهو سعيد ليس مجرد طفل سعيد؛ إنه مشروع مواطن أكثر ثقة بنفسه.

والطالب الذي يتعلم كيف يناقش، لا كيف يحفظ فقط، سيكون أكثر قدرة على بناء مجتمع ديمقراطي.

والطالب الذي يتعلم احترام الإنسان، لا الخضوع للأوامر فقط، سيكون أكثر قدرة على صناعة مجتمع أقل عنفًا.

والطالب الذي يكتشف موهبته في المدرسة قد يجد طريقه إلى مستقبل لم يكن يعرف أنه قادر على الوصول إليه.

أما أن تستمر العملية التعليمية في الدوران داخل الحلقة نفسها، مناهج قديمة، صفوف مكتظة، بنى تحتية متعبة، تلقين، امتحانات، عنف، تنمر، ثم شهادة وسوق عمل مضطرب، فإننا سنظل نعيد إنتاج المشكلة ذاتها جيلاً بعد جيل.

التعليم ليس أن نُدخل الطفل إلى المدرسة كل صباح؛ التعليم الحقيقي أن نُخرج منه كل يوم إنسانًا أكثر معرفةً وكرامةً وثقةً بنفسه وقدرةً على التفكير وصناعة مستقبله.

فإذا أصبح الطالب يعدّ الدقائق حتى يخرج من المدرسة، ويعدّ الأيام حتى تنتهي السنة الدراسية، ثم يعدّ السنوات حتى يتخرج، فعلينا ألا نسأل الطفل وحده: لماذا تكره المدرسة؟

بل ينبغي أن نسأل أنفسنا نحن الكبار:

ماذا فعلنا بالمدرسة حتى أصبح الطفل يشعر أن الذهاب إليها عقوبة، لا فرصة للحياة؟

*خاتمة: نحو استدراك واعٍ

مع كل هذا التشاؤم، لا بد من الإشارة إلى أن هناك بعض المعلمين والمعلمات الأفاضل الذين ما زالوا يؤدون رسالتهم بإخلاص وتفانٍ، وهؤلاء يجب ألا يشملهم هذا النقد… ,  الكلام هنا يمثل العموم من الشخصيات التعبانة، وليس الكل. لكن معالجة الظاهرة تتطلب جهوداً جماعية ومتكاملة؛ من إصلاح البنى التحتية والمناهج، إلى تأهيل الكوادر التربوية، إلى محاربة الفساد، إلى توفير فرص عمل للخريجين، إلى إعادة الاعتبار للقيمة التربوية والأخلاقية للمدرسة.

إن مستقبل العراق مرهون بجودة تعليم أبنائه. فإذا استمرت المدرسة ثكنة عسكرية، والمناهج عبئاً ثقيلاً، والكادر مصدر ترهيب، فإن النفور من التعليم سيستمر، وستبقى الأجيال تدور في نفس الدوامة المفرغة. آن الأوان أن تستعيد المدرسة العراقية رسالتها التربوية والإنسانية، وأن تصبح مكاناً يجذب الطلبة لا ينفرهم، ويعدهم لحياة كريمة ومستقبل مشرق.