
المحامي عبد المجيد محمد*
لم تعد الأزمة في إيران مجرد أزمة اقتصادية عابرة، ولا مجرد موجة احتجاجات يمكن للنظام احتواؤها بالقمع أو بالوعود المؤجلة. ما يجري اليوم يبدو أقرب إلى تراكم خطير للأزمات داخل بنية الحكم نفسها؛ اقتصاد ينهار، عملة تفقد قيمتها، أسعار تلتهم القدرة الشرائية، احتجاجات تتسع أفقيا وعموديا، وصراعات داخل مؤسسات السلطة تكشف أن الأزمة لم تعد في الشارع وحده، بل بدأت تضرب مراكز القرار أيضًا.
ولعل أكثر ما يكشف حجم القلق داخل النظام هو أن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي لم يتحدث عن معالجة أسباب الغضب الشعبي بقدر ما حذر مؤسسات الحكم من “إغضاب الناس”. وفي ظل وصول الدولار إلى نحو 270 ألف تومان، وتجاوز تضخم بعض السلع الأساسية 150 إلى 160 في المئة، يصبح هذا التحذير أقرب إلى اعتراف بأن السلطة تدرك خطورة الوضع الاجتماعي الذي تواجهه.
لكن الأزمة الاقتصادية تبدو أعمق من مجرد ارتفاع الأسعار. فالتقارير تشير إلى ضخ نحو 50 تريليون ريال يوميًا في القاعدة النقدية خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة الإيرانية، بينما قفز نمو السيولة السنوي إلى 54.3 في المئة، ووصل التضخم الشهري في سبتمبر إلى 89.8 في المئة، مع تضخم سنوي بلغ 73.6 في المئة. هذه الأرقام تعني أن المواطن الإيراني لا يواجه غلاء مؤقتا، وإنما يعيش تآكلا متواصلا لقيمة دخله ومدخراته وقدرته على تأمين احتياجاته الأساسية.
وهنا تبدأ الأزمة الاقتصادية في التحول إلى أزمة سياسية.
فقد سجلت التقارير 201 حركة احتجاجية خلال شهر واحد، بينها 79 تحركا للمتقاعدين و51 احتجاجًا عماليًا، فضلًا عن تحركات للمنهوبين والبازاريين والطلاب والكوادر الصحية. وهذه الأرقام، إن استمرت بهذا الاتجاه، تشير إلى أن الاحتجاج لم يعد ظاهرة تخص فئة أو مدينة بعينها، بل أصبح تعبيرًا عن حالة اجتماعية أوسع.
الأهم من عدد الاحتجاجات هو طبيعة التحول الذي يطرأ عليها. فالمطالب تبدأ غالبًا من الراتب والمعاش والسكن والأسعار، لكنها سرعان ما تصطدم بالسؤال الأكبر: من المسؤول عن هذا الواقع؟ وعندما يتحول السؤال الاقتصادي إلى سؤال سياسي، تفقد السلطة إحدى أهم وسائل احتواء الاحتجاج، لأن زيادة الرواتب أو تقديم وعود مؤقتة لا تعالج أصل الأزمة.
وفي المقابل، لا تبدو مؤسسات الدولة بمنأى عن هذا التصدع. فقد كشفت التقارير عن ملفات مالية وقضائية واسعة، وعن استقالة وزير النفط وسط صراع حول عائدات تصدير النفط، إضافة إلى وجود عشرات الشركات الحكومية الخاسرة التي تستمر في منح مسؤوليها مكافآت كبيرة. ومثل هذه الوقائع لا تضرب الاقتصاد فقط، وإنما تضرب أيضًا صورة النظام أمام مواطنيه، خصوصًا عندما يطلب منهم تحمل التقشف والفقر في الوقت الذي تظهر فيه أخبار الفساد والامتيازات.
وعندما تعجز السلطة عن تقديم إجابات اقتصادية مقنعة، فإنها تعود إلى أداتها التقليدية: الأمن. تشديد القيود، ملاحقة المحتجين، التضييق على الإعلام، الإجراءات المتعلقة بالحجاب، والتحذيرات الموجهة إلى البازار، كلها تعكس اتجاها نحو إدارة الأزمة بالقوة بدلا من معالجة أسبابها.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطرة كبيرة. فالقمع قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يلغي أسبابه. بل قد يحول الغضب الاقتصادي إلى قناعة سياسية أكثر رسوخاً بأن النظام غير قادر أو غير راغب في تغيير مساره.
ويضاف إلى ذلك بروز نشاطات تنسبها التقارير إلى “وحدات المقاومة”، شملت عمليات في 16 مدينة واستهداف منشآت تابعة للحرس والباسيج وأجهزة أمنية. وبصرف النظر عن تقييم هذه العمليات سياسيًا، فإن ظهورها بالتزامن مع اتساع الاحتجاجات الاجتماعية يضيف بعدًا أمنيًا إلى أزمة تبدو أصلًا متعددة الجبهات.
ومع ذلك، فإن الحديث عن سقوط وشيك للنظام سيكون سابقًا لأوانه. فالسلطة ما زالت تمتلك أجهزة أمنية وعسكرية ومؤسسات قادرة على فرض السيطرة، والأزمات الاقتصادية لا تؤدي تلقائيًا إلى انهيار الأنظمة. لكن المؤشرات الحالية تكشف شيئا أكثر أهمية: إن هامش المناورة أمام النظام يضيق.
فكلما ارتفعت الأسعار اتسعت دائرة الغاضبين، وكلما اتسعت الاحتجاجات زادت الحاجة إلى القمع، وكلما ازداد القمع تعمقت أزمة الثقة، وكلما تراجعت الثقة أصبح إصلاح الاقتصاد والسياسة أكثر صعوبة.
وهكذا تجد إيران نفسها أمام معادلة شديدة الخطورة: الأزمة الاقتصادية تغذي الغضب، والغضب يغذي الاحتجاج، والاحتجاج يستنزف قدرة النظام على المناورة، فيما يدفع الخوف من الانفجار السلطة إلى مزيد من التشدد.
لهذا فإن السؤال لم يعد فقط: هل يستطيع النظام قمع الاحتجاجات؟
بل أصبح السؤال الأهم: إلى متى يستطيع النظام إدارة بلد كامل بمنطق احتواء الغضب بدلًا من معالجة أسبابه؟
وهنا تكمن نقطة الضعف الحقيقية. فإيران لا تواجه أزمة واحدة يمكن حلها بقرار واحد، وإنما تواجه أزمات متراكمة تتفاعل فيما بينها. وإذا استمر هذا المسار من دون تغيير جوهري، فإن الأوضاع الداخلية ستواصل التحرك في اتجاه غير مواتٍ للنظام، وقد يتحول ما يبدو اليوم غضباً اجتماعياً متفرقاً إلى أزمة سياسية أوسع يصعب على السلطة التحكم بمسارها.
*الكاتب الحقوقي والخبير في الشؤون الإيرانية – ناشط في مجال حقوق الإنسان





