أكتوبر 12, 2026
1-3

إيهاب مقبل

على جسر ريكسبرون في قلب العاصمة السويدية ستوكهولم، يقود السياسي السويدي مورغان يوهانسون دراجته النارية متجهًا في مشهد يفتح بابًا واسعًا للمقارنة بين ثقافة السلطة في السويد وما آلت إليه في العراق. يوهانسون، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، شغل مناصب حكومية رفيعة، من بينها وزير العدل والهجرة، وتولى مسؤوليات سياسية بارزة.

هنا يبرز سؤال قد يبدو بسيطًا، لكنه يكشف جانبًا عميقًا من علاقة المسؤول بالمجتمع. هل يستطيع مسؤول عراقي رفيع أن يذهب إلى عمله بدراجة، من دون موكب من السيارات والحراس وإجراءات تعطل حياة الناس؟ أم أن المنصب في العراق أصبح، في نظر بعض شاغليه، امتيازًا يمنح صاحبه حق التميز عن المواطنين حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية؟

ليست القضية في وسيلة النقل، بل في معنى السلطة نفسها. هل المنصب تكليف لخدمة الناس، أم بوابة إلى عالم من الامتيازات والحواجز التي تجعل المسؤول بعيدًا عن الذين يفترض أنه يعمل من أجلهم؟

في العراق المنصب محاط بمظاهر النفوذ
في العراق، لا تبدو المواكب الرسمية والحراسات المشددة مجرد إجراءات أمنية في كثير من الأحيان، بل أصبحت جزءًا من صورة السلطة التي اعتاد الناس مشاهدتها في الشوارع. سيارات متتابعة، وحراس، وطرق تُغلق أو تتعطل، ومواطنون يُطلب منهم الانتظار حتى يمر موكب مسؤول أو شخصية نافذة.

لا يمكن إنكار أن العراق مر بظروف أمنية قاسية، وأن بعض المسؤولين قد يواجهون تهديدات حقيقية تستوجب الحماية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الضرورة الأمنية إلى ذريعة دائمة لا تخضع للمراجعة، أو عندما يصبح حجم الموكب معيارًا للمكانة، وكأن هيبة المسؤول تُقاس بعدد السيارات التي تسبقه وتتبعه.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا. من أعطى بعض أصحاب المناصب الانطباع بأن وقتهم أثمن من وقت المواطن؟ ولماذا يتحمل المواطن تبعات الإجراءات التي تحمي المسؤول، من تعطيل مصالحه وتأخيره في الطرق، بينما لا يجد بالضرورة الخدمات الأساسية التي يفترض أن توفرها له الدولة؟

إن أكثر ما يثير الاستياء ليس وجود الحماية عندما تكون ضرورية، بل احتمال تحولها إلى امتياز اجتماعي وسياسي، يُفرض على الناس من دون تفسير كافٍ أو مساءلة واضحة.

المسؤول في السويد والمواطن في العراق
في السويد، تعزز المؤسسات العامة والمساءلة السياسية مبدأ أن المسؤول ليس شخصًا فوق المجتمع، وأن المنصب لا يمنحه تلقائيًا حق الاستعراض أو التمتع بامتيازات لا مبرر لها. وقد يتنقل بعض السياسيين بوسائل عادية، وإن كان ذلك لا يعني أن جميع المسؤولين السويديين يعيشون بلا حماية أو ترتيبات أمنية.

أما في العراق، فما زالت الفجوة بين المسؤول والمواطن واضحة في مظاهر كثيرة. فالمواطن ينتظر ساعات لإنجاز معاملة، ويعاني من تراجع الخدمات أو نقصها، بينما قد تحيط بالمسؤول مظاهر من الراحة والحماية والامتياز لا يجد المواطن ما يبررها أمام حجم الأزمات اليومية.

المفارقة المؤلمة أن المسؤول الذي يفترض أن يكون في خدمة الناس قد يتحول، في بعض الحالات، إلى شخص يتعين على الناس إفساح الطريق له. بدلًا من أن تكون الدولة وسيلة لتيسير حياة المواطن، يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى التكيف مع متطلبات أصحاب المناصب.

ولا يعني ذلك أن جميع المسؤولين العراقيين يتصرفون بالطريقة نفسها، لكنه يسلط الضوء على ثقافة سياسية تحتاج إلى مراجعة جادة، خصوصًا حين تصبح المظاهر الرسمية أهم من النتائج، وتغدو المسافة بين الحاكم والمحكوم رمزًا للقوة بدل أن تكون سببًا للقلق.

ثروة العراق وأزمة الأولويات
يمتلك العراق ثروة نفطية كبيرة وإمكانات اقتصادية مهمة، لكن هذه الثروة لم تنعكس بالقدر المأمول على حياة جميع المواطنين. فما زالت تحديات الكهرباء والمياه وفرص العمل والبنية التحتية وجودة الخدمات العامة حاضرة بقوة في حياة كثير من العراقيين.

وفي ظل هذه التحديات، يصبح من المشروع التساؤل عن أولويات الإنفاق العام، بما في ذلك نفقات المواكب والحمايات والمخصصات المرتبطة بالمناصب. فالأموال التي تنفقها الدولة ليست ملكًا للمسؤول، بل أموال عامة يجب أن تُدار وفق الحاجة والمصلحة العامة، وأن تخضع للرقابة والمحاسبة.

ليس المطلوب إجراء مقارنة مالية سطحية بين العراق والسويد، ولا الادعاء بأن حجم الإنفاق وحده يفسر اختلاف مستوى الخدمات. المطلوب هو مساءلة طريقة إدارة الموارد، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين. فالدولة التي تمتلك موارد كبيرة ولا يستطيع مواطنوها الحصول على خدمات أساسية بمستوى مقبول مطالبة بمراجعة أولوياتها، لا الاكتفاء بالمبررات والشعارات.

وإذا كان المسؤول يحتاج إلى حماية فعلية، فلتكن بقدر الحاجة. أما أن تتحول المظاهر المكلفة إلى جزء من صورة المنصب من دون شفافية كافية، فذلك يثير سؤالًا عن العدالة في استخدام المال العام، وعن مدى احترام المسؤول لمن يدفعون ثمن إدارة الدولة.

هيبة الدولة ليست في طول الموكب
قد يقول البعض إن العراق يختلف أمنيًا عن السويد، وهذا صحيح. لكن اختلاف الظروف الأمنية لا يبرر تلقائيًا كل امتياز، ولا يعفي المؤسسات من مراجعة الإجراءات وتحديد ما هو ضروري منها. الحماية الأمنية واجب عندما تقتضيها المخاطر، أما تحويلها إلى استعراض دائم للمكانة فمسألة مختلفة تمامًا.

المسؤول الذي يحترم المواطنين لا يحتاج إلى إظهار تفوقه عليهم في الشارع. ولا ينبغي أن يشعر المواطن بأن عليه التراجع أو الانتظار أو تحمل المشقة لمجرد مرور صاحب منصب. فالمرافق العامة والطرق ملك للجميع، والوظيفة الرسمية ليست ترخيصًا مفتوحًا لتعطيل حياة الآخرين.

إن المقارنة مع السويد لا تعني أن المطلوب من المسؤول العراقي أن يقلد مشهدًا بعينه أو يتخلى عن حماية ضرورية. المطلوب أن يتبنى جوهر الفكرة، أي أن يكون المنصب مسؤولية لا امتيازًا، وأن تخضع النفقات للمحاسبة، وأن تكون الإجراءات الأمنية متناسبة مع المخاطر، وأن يحظى المواطن بالاحترام نفسه الذي يطالب به المسؤول لنفسه.

في النهاية، لا تُقاس هيبة الدولة بعدد سيارات الموكب، ولا بعدد الحراس الذين يحيطون بالمسؤول، بل بقدرتها على حماية مواطنيها، وتوفير الخدمات لهم، وتطبيق القانون بعدالة. وحين يصبح المواطن مضطرًا إلى إخلاء الطريق لمسؤول لا يعرف متى تنتهي امتيازاته، بينما يظل هو ينتظر خدمة أو فرصة أو حقًا أساسيًا، فإن المشكلة لا تكون في حركة المرور وحدها، بل في مفهوم السلطة وأولوياتها.

الدولة التي تريد احترام مواطنيها عليها أن تبدأ باحترام وقتهم وحقوقهم وأموالهم. فالمنصب الذي يرفع صاحبه فوق الناس بدل أن يضعه في خدمتهم ليس دليلًا على قوة الدولة، بل علامة على خلل يستحق النقد والمساءلة.

المقطع المصوّر على جسر ريكسبرون في ستوكهولم
لمشاهدة المقطع الذي يظهر فيه مورغان يوهانسون وهو يقود دراجته النارية في العاصمة السويدية ستوكهولم، يمكنكم الضغط على الرابط التالي.

@nickalinia

Tillbakablick till 2025, när jag träffade på landsförrädaren och S-toppen Morgan Johansson 🛵

♬ originalljud – Nick Alinia

انتهى