أكتوبر 13, 2026
IMG_3448

الثيران الخارجية والفئران الداخلية في الساحة السورية

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي

في الساحة السورية لا تدور المعركة على الأرض وحدها بل على السيادة والقرار والحدود والمستقبل وبينما تدخل القوى الدولية والإقليمية إلى المشهد بأحجام الثيران التي تتصارع على اتساع الحلبة تتحرك في الداخل مشاريع انفصالية تحاول اقتناص لحظة الاضطراب لتوسيع نفوذها وفرض وقائع جديدة على حساب الدولة السورية ووحدة أراضيها

هذه هي المفارقة السورية الكبرى قوى خارجية تتعامل مع الجغرافيا السورية باعتبارها مساحة للمساومة وأطراف داخلية تراهن على التناقضات الدولية لتحويل مطالبها السياسية إلى أوراق ضغط على دمشق وكأن البلاد التي دفعت أثمان الحرب والتهجير والانقسام مطالبة اليوم بأن تدفع ثمن صراع جديد على من يملك قرارها

الثيران الخارجية لا تدخل الحلبة حباً بسورية ولا دفاعاً عن السوريين فالدول تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الأمنية والاستراتيجية وقد تتبدل تحالفاتها حين تتبدل أولوياتها وما يبدو اليوم حماية قد يتحول غداً إلى ورقة تفاوض وما يقدم تحت عنوان الاستقرار قد يخفي في بعض الحالات ترتيبات تخدم النفوذ وتطيل أمد الارتهان

أما الفئران الداخلية فمشكلتها ليست في المطالبة بالحقوق ولا في الدفاع عن الخصوصية الثقافية والسياسية فهذه حقوق لا تستقيم دولة حديثة من دون الاعتراف بها وضمانها دستورياً وإنما تبدأ المشكلة حين تتحول المطالب إلى مشاريع احتكار وتمثيل حصري وحين يصبح الانتماء المحلي ذريعة لتقويض السيادة أو الاستقواء بالخارج أو فرض الأمر الواقع بعيداً عن إرادة السوريين جميعاً

لا يمكن بناء مستقبل سوري مستقر عبر إنكار التنوع ولا عبر تحويل التنوع إلى متاريس فالعرب والكرد وسائر المكونات شركاء في الوطن لا ضيوف على جغرافيته ولا يملك طرف أن يصادر حقوق طرف آخر كما لا يملك أي مشروع سياسي أن يحتكر صوت جماعة كاملة أو أن يختزل مستقبلها في حسابات قيادة أو حزب أو قوة مسلحة

وفي قلب هذه الحلبة تقف الدبلوماسية السورية أمام اختبار بالغ التعقيد فالمطلوب ليس الانفعال أمام الضغوط ولا إطلاق الشعارات في وجه القوى الكبرى بل إدارة الاشتباك السياسي بعقل الدولة وتوسيع هامش المناورة وبناء تفاهمات تمنع تحويل سورية إلى ساحة لتصفية الحسابات

الدبلوماسية الناجحة لا تصارع الثيران بقرونها ولا تطارد الفئران في جحورها بل تجفف أسباب الصراع وتغلق منافذ الابتزاز وتعيد تعريف المصالح المشتركة وتربط أي تفاهم خارجي باحترام سيادة سورية ووحدة أراضيها وتفتح في الداخل مساراً سياسياً يضمن الحقوق ويمنع احتكار السلاح والقرار

لكن الدبلوماسية وحدها لا تكفي إذا لم تستند إلى مؤسسات وطنية موثوقة وإدارة عامة قادرة وعدالة لا تميز بين السوريين واقتصاد يمنح المواطنين سبباً حقيقياً للتمسك بالدولة فكل فراغ تتركه المؤسسات يتحول إلى فرصة لقوة خارجية وكل شعور بالتهميش يصبح مادة قابلة للاستثمار من أصحاب المشاريع الانفصالية وكل تأخير في بناء عقد وطني جامع يوسع مساحة التدخل ويضعف مناعة البلاد

إن معركة سورية الحقيقية ليست في إهانة هذا الطرف الخارجي أو تخوين ذاك المكون الداخلي بل في منع الجميع من تحويل الوطن إلى غنيمة سياسية فالدولة التي تعرف مصالحها وتملك قرارها وتضمن حقوق مواطنيها لا تحتاج إلى استعراض القوة بقدر حاجتها إلى تثبيت قواعد السيادة والعدالة والمواطنة

لقد آن الأوان لأن تفهم القوى الخارجية أن سورية ليست حلبة مفتوحة وأن تفهم القوى الداخلية أن الحقوق لا تُصان بتفكيك الوطن وأن تدرك الدبلوماسية السورية أن كل تنازل غير محسوب قد يتحول إلى سابقة وكل اتفاق بلا ضمانات قد يصبح قيداً جديداً

فالثيران قد تتصارع طويلاً والفئران قد تستفيد من ضجيج الحلبة لكن سورية لن تخرج من هذه المعادلة إلا حين تصبح الدولة أقوى من التدخل والانقسام وحين يصبح المواطن شريكاً في القرار لا وقوداً لصراعات الآخرين

فالوطن ليس حلبة للمصارعة ولا جائزة للفائزين بل سيادة لا تقبل التجزئة وحقوق لا تقبل المصادرة ومستقبل لا يكتبه الخارج ولا تحتكره جماعة في الداخل