أكتوبر 14, 2026
رياض سعد

رياض سعد

ليس من السهل أن يُدمَّر بلد بحجم العراق، بما يمتلكه من ثروات بشرية وطبيعية، وإرث حضاري، وموقع جغرافي، وإمكانات اقتصادية، من دون أن تكون هناك سياسات وقرارات وممارسات تراكمت على مدى سنوات طويلة، وأسهمت في استنزاف موارده، وتحطيم مؤسساته، وإضعاف مجتمعه، وتبديد فرص أجياله… ؛  والأشد إيلامًا أن يتحول هذا الخراب، بعد كل ما خلّفه من مآسٍ، إلى موضوع للحنين والتجميل والتبرير، حتى يصف بعضهم عهد  السفاح صدام  وحزب البعث  الاجرامي بـ«الزمن الجميل»، متجاهلين أن ما يلمع في ذاكرة البعض قد يكون، بالنسبة إلى ملايين العراقيين، زمنًا مثقلًا بالخوف والحروب والفقدان والحرمان.

ولعل من الشهادات التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق ما أورده طاهر توفيق العاني في كتابه «انهيار العراق المفاجئ وتداعياته»، بشأن حديث منسوب إلى برزان إبراهيم الحسن – شقيق صدام – ، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالنظام الصدامي، خلال فترة اعتقالهما في معسكر كروبر.

يقول العاني، بحسب ما نقله في كتابه، إن برزان قال له، وكرر ذلك أمام المعتقلين عدة مرات: «لو استلم العراق الموساد الصهيوني ثلاثين عامًا وعمل بحرية تامة لتخريبه، لما جرى مثل هذا السوء الذي حصل زمن حكم الحزب وما أعقبه».

ويضيف العاني أن برزان اعترف بأنه كان يدفع باتجاه الإسراع بتنحية أحمد حسن البكر، وأنه عدَّ ذلك خطأً كبيرًا، مشيرًا إلى أنه لو كان يمتلك النضج الذي أصبح عليه لاحقًا، لما وافق على تنحيته.

إننا، أمام هذه الرواية، لسنا إزاء عبارة عابرة فحسب، بل أمام شهادة منسوبة إلى شخصية كانت قريبة من دوائر السلطة، وتستحق القراءة والتحليل؛ لما تنطوي عليه من دلالات تتعلق بتقييم التجربة البعثية، وبمسؤولية أركان النظام عن المسار الذي انتهى إليه العراق.

أولًا: حين يعترف أهل النظام بحجم الكارثة

تكتسب الشهادة أهميتها من هوية الشخص الذي نُسب إليه الكلام، لا من مضمون العبارة وحده… ؛  فحين يصدر تقييم بالغ القسوة لتجربة حكم استمرت عقودًا عن شخصية ارتبطت بالنظام نفسه، فإن ذلك يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كان بعض من كانوا داخل السلطة قد انتهوا إلى مثل هذا التقييم، فكيف يمكن تبرئة النظام من مسؤولية ما أصاب البلاد، أو تقديم سنوات حكمه باعتبارها نموذجًا للنهضة والاستقرار والسيادة ؟!

تكشف هذه الشهادة، بما تنطوي عليه من دلالات قاسية، عن حجم الدمار الذي ألحقه البعثيون والصداميون بالعراق، حتى غدا الخراب الذي خلّفوه في الدولة والمجتمع، وما ارتكبوه بحق أبناء الأمة العراقية، في نظر منتقديهم، أشدَّ فتكًا من أضرار أعداء العراق الخارجيين. فهي تضعنا أمام مفارقة تاريخية مؤلمة، مفادها أن من رفعوا شعارات الوطنية والقومية كانوا، بسياساتهم وممارساتهم، من أبرز من أسهموا في استنزاف العراق وتمزيق نسيجه الاجتماعي وتبديد مقدراته، بل وممارسة العداء لكل ما هو عراقي أصيل، حتى بدا وكأنهم ألحقوا بالعراق من الأذى ما عجز عنه أعداؤه، بمن فيهم الصهاينة، أو زادوا عليه في بعض وجوهه. ومن هنا، فإن خطورة هذه الشهادة لا تكمن في مضمونها وحده، بل في دلالتها على التناقض الصارخ بين الشعارات التي رفعها النظام الصدامي والنتائج الكارثية التي أفضت إليها سياساته؛ وهو ما يجعلها جديرة بالتأمل في ضوء الوقائع التاريخية الموثقة، بعيدًا عن محاولات تلميع ذلك العهد أو تصويره زمنًا جميلًا.

فالدول لا تتضرر من سياساتها الخارجية وحدها، بل قد تتعرض لأضرار جسيمة عندما تتحول مؤسساتها إلى أدوات بيد أفراد، وتصبح القرارات المصيرية رهينة طموحات القيادة وحساباتها.

ثانيًا: صدام والبعث… من الدولة إلى سلطة الفرد والحزب

لم تكن مأساة العراق في عهد صدام  محصورة في قرار واحد أو حرب واحدة، بل ارتبطت بمنظومة حكم جعلت بقاء السلطة في مقدمة الأولويات، وضيَّقت المجال أمام المعارضة والمحاسبة والتداول السلمي للسلطة.

فقد شهد العراق خلال ذلك العهد قمعًا سياسيًا واسعًا، وإعدامات واعتقالات، وحملات اضطهاد طالت فئات من المجتمع، فضلًا عن عسكرة الحياة العامة، وتغليب الولاء السياسي على الكفاءة والاستقلال المؤسسي… ؛  وحين يخشى المواطن التعبير عن رأيه، ويخشى المسؤول مخالفة رأس السلطة، وتفقد المؤسسات قدرتها على تصحيح أخطائها، فإن الدولة تبدأ بفقدان أهم عناصر قوتها: قدرتها على مراجعة قراراتها قبل أن تتحول إلى كوارث.

لقد أسهمت الحروب التي خاضها النظام، وفي مقدمتها الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت من عام 1980 إلى عام 1988، ثم حرب الكويت عام 1990 وما ترتب عليه من حرب وعقوبات دولية، في استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية للعراق… ؛  ولم تكن النتائج مجرد أرقام في الموازنات أو خسائر في البنية التحتية، بل كانت أعوامًا من الفقدان والمعاناة، وتراجعًا في مستويات المعيشة، وتعطيلًا لمسارات التنمية، وتراكمًا لأزمات امتدت آثارها إلى الأجيال اللاحقة.

كما أن القمع الداخلي، وسياسات الإقصاء، والاضطهاد الذي تعرضت له جماعات عراقية، بما في ذلك الجرائم المرتكبة بحق الأكراد في حملات الأنفال والهجوم الكيميائي على حلبجة، وقمع الاغلبية العراقية عام 1991 ؛ تركت جروحًا عميقة في المجتمع، وأضعفت الثقة بين الدولة ومواطنيها.

وهكذا، لم يكن الخراب نتيجة مؤامرة خارجية وحدها، كما يحلو لبعض المدافعين عن النظام الصدامي الهجين تصوير الأمر، بل كان ثمرة تفاعل بين قرارات السلطة الغاشمة وممارساتها التعسفية من جهة، والصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية والعقوبات والحروب من جهة أخرى.. ,  ولا تلغي العوامل الخارجية مسؤولية القيادة عن خياراتها، مثلما لا تعني إدانة النظام تجاهل ما ارتكبته القوى الأخرى من أخطاء وانتهاكات بحق العراق والعراقيين.

ثالثًا: هل دمَّر صدام العراق وحده؟

إن تحميل صدام  المسؤولية الأساسية عن سياسات نظامه لا يعني إعفاء سائر أركانه من المسؤولية، ولا اختزال التجربة كلها في شخص واحد… ؛  فقد كان حزب البعث جهازًا سياسيًا وأمنيًا وإداريًا امتد إلى مؤسسات الدولة والمجتمع، وشارك مسؤولون وقياديون في تنفيذ سياسات النظام الاجرامية أو تبريرها أو الصمت عن انتهاكاتها.

ومن هنا، فإن عبارة «صدام وبطانته والبعث وزبانيته » لا ينبغي أن تكون مجرد شتيمة سياسية، بل مدخلًا لفهم كيفية تشكل منظومة الاستبداد، وكيف استطاعت مجموعة من القيادات والأجهزة والمؤسسات أن تجعل قراراتها فوق المساءلة، وأن تربط مصير الدولة بمصير السلطة.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز تحويل المسؤولية السياسية والتاريخية إلى إدانة جماعية لكل من انتسب إلى حزب البعث أو عمل في مؤسسات الدولة في تلك المرحلة؛ فالمسؤولية تتفاوت بحسب الدور والمشاركة والقرار والفعل… ؛  والتمييز بين من ارتكب الجرائم، ومن شارك في تنفيذها، ومن اضطر إلى العمل تحت ظروف قاهرة، ضرورة لتحقيق العدالة، لا تنازل عنها.

إن فهم الخراب العراقي يقتضي تحديد المسؤوليات بدقة، لا استبدال تقديس النظام السابق بتعميم الاتهام على المجتمع كله.

رابعًا: ماذا يعني وصف ذلك العهد بـ«الزمن الجميل»؟

هنا تكمن المفارقة الأكثر استفزازًا: أن يتحول عهد الحروب والقمع والعقوبات والدماء إلى زمن يُستدعى بالحنين، وكأن العراق كان يعيش في بحبوحة دائمة، وكأن مئات الآلاف من الضحايا وأسر المفقودين والسجناء والمهجَّرين لم يكونوا جزءًا من تاريخ البلاد.

إن وصف تلك المرحلة بـ«الزمن الجميل» يحتاج إلى سؤال أصحابه: جميلٌ بالنسبة إلى مَن؟ وبأي معيار؟

هل يُقاس جمال الزمن بسطوة الدولة وأجهزتها الأمنية، أم بقدرة المواطن على الكلام والاعتراض من دون خوف؟

هل يُقاس باستعراض القوة العسكرية، أم بقدرة البلاد على تجنب الحروب التي تستنزف أبناءها؟

وهل يُقاس بصورة الشوارع والمباني، أم بكرامة الإنسان وأمنه وحقه في الحياة؟

قد يتذكر بعض العراقيين جوانب من حياتهم الشخصية في تلك المرحلة بحنين صادق؛ فقد كانت لهم طفولة أو صداقات أو ذكريات عائلية لا يريدون التفريط بها… ؛  وقد يستحضر آخرون انتظام بعض الخدمات أو انخفاض بعض الأسعار في فترات معينة… ؛  لكن الاعتراف بهذه الذكريات لا يقتضي تحويلها إلى حكم شامل على نظام سياسي، ولا يجعل التجربة برمتها جميلة أو ناجحة.

فالذاكرة الشخصية ليست سجلًا كاملًا للتاريخ، والحنين إلى أيام الشباب لا يبرئ السلطة من جرائمها، مثلما أن نقد النظام السابق لا يفرض على الناس إنكار كل ذكرى طيبة عاشوها في حياتهم الخاصة.

أما حين يُستخدم وصف «الزمن الجميل» لتبرير الاستبداد، أو التقليل من شأن الضحايا، أو إنكار جرائم موثقة، فإن الأمر يتجاوز الحنين إلى إعادة تشكيل الذاكرة العامة بما يخدم موقفًا سياسيًا… ؛  وهنا يصبح واجب الكاتب الوطني والباحث الموضوعي  أن يضع الذاكرة في مواجهة الوقائع، وأن يمنع اختزال تاريخ العراق في صور منتقاة تخفي ما عداها.

خامسًا: سقوط النظام لا يعني انتهاء آثار سياساته

إن من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن انهيار النظام عام 2003 أنهى تلقائيًا جميع آثار الحقبة السابقة… ؛  فالدول لا تتعافى بمجرد سقوط الحاكم، ولا تُمحى آثار الحروب والعقوبات والقمع بمجرد تغيير النظام السياسي.

لقد ورث العراق بعد عام 2003 مشكلات متراكمة، ثم تعرض لموجات جديدة من العنف والإرهاب والفساد والصراع على السلطة والتدخلات الخارجية.. ,  وكان لسقوط مؤسسات الدولة، والقرارات التي اتخذتها سلطة الاحتلال، وسياسات القوى العراقية التي تولت الحكم بعد ذلك، دور في تشكيل واقع ما بعد 2003 وتعقيداته.

لكن الإشارة إلى إخفاقات المرحلة اللاحقة لا تصلح لتبرئة صدام والبعث  أو تبييض سجل نظامه؛ فهذه مغالطة تخلط بين مسؤوليات تاريخية مختلفة… ؛ اذ  يمكن للمرء أن يدين الاستبداد السابق، وأن ينتقد الفساد والطائفية والمحاصصة والفشل السياسي اللاحق، في الوقت نفسه ومن دون تناقض.

بل إن المقارنة الجادة بين المرحلتين يجب أن تقوم على معايير واضحة: حماية الأرواح، وسيادة القانون، وكرامة المواطن، وكفاءة المؤسسات، وإدارة الموارد، وحرية التعبير، والقدرة على منع الحروب وحماية البلاد من التدخلات الخارجية.

فليس المطلوب أن نختار بين ماضٍ مستبد وحاضر مأزوم، بل أن نفهم كيف وصل العراق إلى أزماته، وأن نمنع تكرار الأخطاء التي جعلت الدولة والمجتمع يدفعان أثمانًا باهظة.

سادسًا: لماذا يتجاهل البعض هذه الحقيقة؟

قد يعود الدفاع عن النظام السابق إلى أسباب مختلفة: الحنين إلى مرحلة من العمر، أو المقارنة مع فوضى ما بعد 2003، أو الموقف من القوى التي حكمت العراق لاحقًا، أو الانتماء السياسي، أو الرغبة في استعادة شعور مفقود بالأمن والهيبة.. ,  وقد يستند بعض هذا الدفاع إلى مصالح سياسية أو إلى روايات انتقائية عن الماضي.

غير أن اختلاف الدوافع لا يغيّر من ضرورة إخضاع الروايات التاريخية للفحص.. ,  فالتاريخ لا يُكتب وفق رغباتنا، ولا تتغير الوقائع لأن نتائج الحاضر مخيبة للآمال.

ومن غير المنصف أن يُطلب من ضحايا النظام السابق الصمت عن آلامهم، بينما يُمنح المدافعون عنه حق الحديث بلا قيود عن إنجازاته.. ,  كما أنه ليس من الموضوعية إنكار كل ما تحقق في العراق خلال تلك العقود، بل المطلوب وضع الإنجازات المادية أو الإدارية، حيثما ثبتت، في سياقها، ومقارنتها بكلفة السياسات التي انتهجها النظام وبالنتائج التي ترتبت عليها.

إن المشكلة ليست في أن يختلف العراقيون في تقييم بعض جوانب الماضي، بل في أن يتحول الاختلاف إلى إنكار للجرائم، أو إلى تمجيد للحاكم على حساب الضحايا، أو إلى استخدام المآسي اللاحقة لتبرير مآسٍ سابقة.

خاتمة: لا نهضة بلا ذاكرة تاريخية نزيهة

إن الشهادة التي نقلها طاهر توفيق العاني عن برزان إبراهيم الحسن ، تستحق التوقف عندها، لا لأنها وحدها تحسم الحكم على ثلاثين عامًا من تاريخ العراق، بل لأنها تفتح بابًا لمساءلة التجربة من داخل دوائرها السابقة، وتعيد طرح السؤال عن حجم الضرر الذي ألحقته سياسات النظام بالدولة والمجتمع.

لكن الحكم التاريخي الرصين لا يقوم على اقتباس واحد، مهما كانت دلالته، بل على جمع الشهادات والوثائق والوقائع، ومقارنتها، وفهم السياقات التي أنتجتها.. ,  ومن هنا، فإن قيمة هذه الرواية تزداد حين تُقرأ إلى جانب السجل المعروف للحروب والقمع والانتهاكات والاستنزاف الاقتصادي، لا حين تُستخدم بديلًا عن البحث والتوثيق.

إن العراق لم يكن ملكًا لصدام ، ولا ملكًا لحزب البعث، ولا ينبغي أن يصبح تاريخ العراقيين مادة لتبرير سلطة أو تمجيد زعيم.. ,  لقد كان الوطن أكبر من حاكمه، وأوسع من حزبه، وأبقى من نظامه؛ ولذلك فإن الدفاع الحقيقي عنه يبدأ باستعادة الحقيقة، وتكريم الضحايا، وفهم أسباب الانهيار، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.

أما الذين يصفون ذلك العهد بـ«الزمن الجميل»، فليس المطلوب مصادرة ذكرياتهم أو منعهم من إبداء آرائهم، بل دعوتهم إلى النظر في الصورة كاملة، وإلى التمييز بين الحنين الشخصي والحكم التاريخي، وبين قوة الدولة وعدالة السلطة، وبين هيبة الحاكم وكرامة المواطن.

فالأوطان لا تُبنى بتجميل الاستبداد، ولا تُحمى بإنكار الأخطاء، ولا تستعيد عافيتها بتكرار الشعارات التي ساهمت في تضليلها… ؛  وإنما تبدأ النهضة حين يمتلك المجتمع الشجاعة الكافية لمواجهة ماضيه، والإنصاف في تقييم حاضره، والإرادة لمنع تكرار مآسيه.

فالزمن الجميل حقًا ليس الزمن الذي يخاف فيه الناس من الحاكم، بل الزمن الذي يخاف فيه الحاكم على الناس؛ وليس الزمن الذي تبدو فيه الدولة قوية مهما تحطم المجتمع، بل الزمن الذي تكون فيه الدولة قوية بقوة مواطنيها وكرامتهم وحقوقهم.