
Screenshot
الخطر في القرار أو في دولة لا تحميه
قد تنجح السلطة في اتخاذ القرار بسرعة لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الدولة بالسرعة نفسها وهنا تكمن واحدة من اخطر فجوات المرحلة الانتقالية في سوريا
الموقف الواضح الذي ينبغي اتخاذه هو ان السلطة السورية مطالبة بالانتقال من منطق تركيز القرار الى منطق بناء المؤسسات ومن ادارة الدولة عبر الصلاحيات الواسعة الى حكم تحكمه القواعد القانونية والمساءلة ولا يكفي ان تعلن السلطة التزامها ببناء دولة جديدة ما لم ينعكس ذلك على طريقة ممارسة الحكم وحدود صلاحيات مؤسساتها
فالمشكلة ليست في قدرة السلطة على اصدار القرارات السياسية والامنية ولا في سرعة التدخل عندما تظهر الازمات بل في السؤال الاكثر اهمية هل توجد مؤسسات قادرة على حمل هذه القرارات وتحويلها الى قواعد مستمرة لا ترتبط بشخص الحاكم ولا بميزان القوى القائم في لحظة سياسية محددة
الدولة لا تبنى بالقرارات وحدها
فالقرار قد يفرض واقعا مؤقتا اما المؤسسة فتصنع واقعا قابلا للاستمرار
وهذا الفارق يصبح اكثر حساسية في سوريا بسبب ارث طويل من تغليب السلطة الامنية على المؤسسة وتداخل الدولة مع الاجهزة وتعدد القوى المسلحة وضعف الثقة المتراكمة بين المجتمع ومؤسسات الحكم
ومن هنا فان مسؤولية السلطة لا تقتصر على فرض الاستقرار بل تشمل تقديم ضمانات واضحة بان الاجهزة العسكرية والامنية تعمل ضمن القانون وان صلاحياتها محددة وان قراراتها قابلة للمراجعة والمساءلة وان الوظيفة العامة ليست امتدادا للولاءات الشخصية او الفئوية
ان توسيع الصلاحيات قد يمنح السلطة قدرة اسرع على ادارة الازمات لكنه لا يمنحها تلقائيا شرعية مستدامة فالشرعية لا تتعزز بالقوة وحدها بل بقدرة الدولة على حماية الحقوق وتحقيق العدالة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء
ولهذا فان المطلوب من السلطة السورية ليس الاكتفاء بالحديث عن بناء الدولة بل اثبات ذلك من خلال مؤسسات مستقلة في عملها ومنظومة قضائية فاعلة ورقابة حقيقية على الاجهزة العامة وقواعد واضحة تمنع احتكار القرار او تحويل المؤسسات الى ادوات بيد الاشخاص بل بيد منظومة مؤسسية متكاملة وشفافة القرارات
فالامن الذي لا تحكمه قواعد واضحة يمكن ان يتحول من اداة لحماية الدولة الى مصدر جديد لهشاشتها والسلطة التي لا تقبل المساءلة تخاطر بتحويل المرحلة الانتقالية من فرصة لاعادة التأسيس الى مرحلة يعاد فيها انتاج الاختلالات القديمة بصيغ مختلفة
الامتحان الحقيقي ليس كم قرارا تستطيع السلطة اتخاذه في ساعة الازمة بل كم مؤسسة تستطيع ان تعمل عندما يتغير اصحاب القرار
ان سوريا لا تحتاج الى سلطة قوية بمعزل عن القانون بل الى دولة قوية بقانونها ومؤسساتها وقدرتها على حماية مواطنيها
فالخطر الحقيقي ليس ان تتأخر الدولة في اتخاذ القرار بل ان تظل القرارات اسرع من المؤسسات التي يفترض ان تضبطها وتحمي استمراريتها
الدولة الجديدة لا تثبت اختلافها عن الماضي بالشعارات بل بمدى استعداد السلطة نفسها للخضوع للقانون الذي تطالب المواطنين باحترامه وهنا مربط الفرس



