
معركة الحكومة في إعمار سورية
بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
سورية لا تحتاج إلى إعادة بناء ما تهدم فقط بل إلى بناء نظام مؤسساتي يمنع تكرار الانهيار ويجعل كرامة المواطن وسيادة القانون معيارين لنجاح الدولة
بالطبع لا تقاس قدرة الدول الخارجة من الحروب بحجم الدمار الذي تجاوزته ولا بعدد الاتفاقيات التي وقعتها بل بقدرتها على تحويل نهاية الصراع إلى بداية سياسية واقتصادية مختلفة تعيد بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع وتمنع إنتاج الأزمات التي قادت إلى الانهيار
من هذا المنطلق تقف سورية أمام استحقاق يتجاوز إعادة ترميم المدن والبنى التحتية إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها فالمطلوب ليس إعمار الحجر وحده بل استعادة الثقة وإصلاح المؤسسات وتوحيد القرار الوطني ضمن بيئة إقليمية تتغير فيها موازين القوى وتتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية
الإعمار اختبار لشرعية الدولة
لا يمكن التعامل مع إعادة الإعمار بوصفها مشروعا هندسيا أو فرصة استثمارية منفصلة عن السياسة فطريقة توزيع الموارد وتحديد المناطق المستفيدة وترتيب أولويات الإنفاق ستحدد شكل العلاقة بين الدولة والمواطنين لسنوات طويلة
إذا تحولت مشاريع الإعمار إلى امتيازات تمنح وفق الولاء أو النفوذ فإنها ستعيد إنتاج الفساد بأدوات جديدة أما إذا قامت على معايير معلنة ورقابة مستقلة وتوزيع عادل للمشاريع فإنها ستصبح مدخلا لتثبيت الاستقرار وخلق فرص العمل وإعادة دمج المناطق المتضررة في الاقتصاد الوطني
وهنا تبرز ضرورة بناء قاعدة بيانات وطنية للأضرار والاحتياجات وربط التمويل بمؤشرات الإنجاز والإفصاح عن العقود ومنع تضارب المصالح لأن المال الذي لا تحميه المؤسسات قد يتحول من أداة للتعافي إلى وقود لصراعات جديدة
الإصلاح المؤسسي قبل تضخم الجهاز الإداري
إن التحدي الأعمق أمام الدولة السورية لا يتمثل في نقص القرارات بل في قدرة المؤسسات على تنفيذها بكفاءة واستقلالية ومساءلة
فالإصلاح يبدأ من الإدارة العامة عبر اعتماد الكفاءة في التعيينات وتطوير أنظمة الرقابة وتبسيط الإجراءات ومكافحة المحسوبية وتعزيز استقلال القضاء وتحديد المسؤوليات بوضوح كما يتطلب مراجعة التشريعات التي تعيق الاستثمار وتحرم المواطنين من فرص متكافئة
ولا يعني الإصلاح إضعاف مؤسسات الدولة أو التشكيك في كل ما تقوم به بل حماية الدولة من تحولها إلى شبكة مصالح مغلقة فالدولة القوية ليست التي تتجنب النقد وإنما التي تمتلك القدرة على اكتشاف الخلل وتصحيحه ومحاسبة المقصرين دون انتقائية
الاقتصاد بوابة الاستقرار الاجتماعي
لن يكون لأي إنجاز سياسي أثر مستدام إذا بقي المواطن عاجزا عن تأمين احتياجاته الأساسية فالكهرباء والمياه والتعليم والصحة وفرص العمل ليست ملفات خدمية هامشية بل عناصر أساسية في الأمن الوطني ويتطلب التعافي تحريك القطاعات الإنتاجية ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتأهيل شبكات النقل والطاقة وتهيئة بيئة قانونية مستقرة للاستثمار مع توجيه الموارد نحو المشاريع التي توفر دخلا وفرص عمل حقيقية بدلا من الاكتفاء بمشاريع استعراضية مرتفعة التكلفة كما ينبغي أن تقوم الشراكات الخارجية على نقل الخبرة وتوطين التكنولوجيا وتوفير فرص العمل لا على استنزاف الموارد أو إنشاء التزامات مالية تتجاوز قدرة الاقتصاد السوري
الدبلوماسية من إدارة الأزمات إلى صناعة المصالح
إقليميا تحتاج سورية إلى سياسة خارجية واقعية توازن بين علاقاتها العربية والإقليمية والدولية وتضع السيادة الوطنية ووحدة الأراضي في مقدمة أولوياتها
إن الانفتاح الدبلوماسي لا يكتمل بمجرد تحسين العلاقات بل بترجمته إلى استثمارات واتفاقيات تجارية ومشاريع طاقة وربط لوجستي تخلق مصالح متبادلة وتمنح سورية قدرة أكبر على استعادة دورها الإقليمي دون الارتهان لمحور واحد
الاستقرار قرار سياسي قبل أن يكون نتيجة أمنية
إن السنوات المقبلة ستحدد ما إذا كانت سورية قادرة على الانتقال من إدارة التحديات اليومية إلى بناء دولة مستقرة وقابلة للحياة وهذا الانتقال يحتاج إلى ثلاثة مسارات متوازية تتمثل في إصلاح مؤسسات الحكم وإنعاش الاقتصاد وترسيخ المصالحة الوطنية على أساس العدالة والمواطنة المتساوية
إن الرهان الحقيقي ليس على سرعة إعادة الإعمار بل على نوع الدولة التي ستنتجها هذه العملية
فإذا تقدمت المؤسسات على المصالح الخاصة وتكامل الأمن مع القانون والاقتصاد مع العدالة امتلكت سورية فرصة واقعية لبناء استقرار طويل الأمد أما إذا سبق البناء المادي الإصلاح السياسي والإداري فإن الأبنية الجديدة قد تقوم فوق الاختلالات القديمة





