أكتوبر 15, 2026
10D18A00-3891-44A6-B218-05D453993DDE

سورية 2026 ومعركة الإصلاح

بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي

لم تعد سورية في عام 2026 تواجه أزمة سياسية عابرة بل تقف أمام اختبار وجودي تتداخل فيه مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي مع الانقسامات الداخلية والانهيار الاقتصادي حتى باتت معركة استعادة القرار الوطني مرتبطة بقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها واستعادة ثقة المجتمع

إن جوهر الأزمة السورية لا يكمن فقط في التدخلات الخارجية وتعدد مراكز القوة بل في الحاجة إلى مشروع وطني جامع ينقل البلاد من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة ويحول التنوع السوري من مدخل للصراع إلى ركيزة للاستقرار
سياسيا لم يعد كافيا تغيير الوجوه أو الاكتفاء بالشعارات الوطنية فالدولة الحديثة لا تبنى بالولاءات الشخصية ولا باحتكار القرار بل بمؤسسات دستورية فاعلة وقضاء مستقل ومحاسبة حقيقية تضمن مشاركة المواطنين وتحمي حقوقهم وحرياتهم
ومن هنا فإن نجاح المرحلة الجديدة يتطلب إصلاحا مؤسساتيا شاملا يبدأ من ترسيخ سيادة القانون ومكافحة الفساد وينتهي ببناء دولة المواطنة المتساوية التي لا تميز بين السوريين على أساس المنطقة أو القومية أو الانتماء السياسي
أمنيا لا يمكن استعادة السيادة ما دامت مراكز القوة والسلاح متعددة وخاضعة لحسابات متضاربة ولذلك فإن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن إطار وطني وقانوني وخاضع للمساءلة يمثل ضرورة استراتيجية مع رفض العقاب الجماعي ومعالجة المظالم عبر القضاء لا الانتقام
اقتصاديا لا يمكن مطالبة المواطن بالصبر إلى ما لا نهاية بينما تتآكل قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية فالإصلاح الحقيقي يبدأ بمكافحة الفساد وحماية المال العام وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات وتهيئة بيئة قانونية عادلة للاستثمار بعيدا عن المحسوبيات واحتكار الفرص
أما النفوذ الخارجي وفي مقدمته النفوذ الإيراني الذي تمدد خلال سنوات الحرب عبر أدوات عسكرية واقتصادية واجتماعية فإن مواجهته تتطلب استعادة القرار الوطني وتفكيك شبكات المصالح التي تنتقص من السيادة وفق القانون وبناء علاقات خارجية متوازنة لا تسمح لأي دولة بتحويل سورية إلى ساحة لتصفية الحسابات
وفي الشمال والشرق والجنوب تبقى وحدة الأراضي السورية أولوية لا تتحقق بالقوة وحدها بل بالحوار الوطني والضمانات القانونية والعدالة وتكافؤ الحقوق ضمن دولة واحدة ترفض الانفصال كما ترفض التهميش والإقصاء
إن سورية تقف اليوم أمام خيارين إما استمرار إدارة التوازنات الهشة بما تحمله من مخاطر التفكك أو إطلاق مسار إصلاحي جاد يعيد بناء المؤسسات ويستعيد ثقة المواطنين ويضع حدا لتغول المصالح الخاصة على المصلحة العامة
الإصلاح ليس خصومة مع الدولة بل حماية لها وليس إضعافا للسلطة بل تصحيحا لأدائها وتعزيز لشرعيتها
فسورية التي نريدها ليست دولة خوف ولا ساحة نفوذ بل دولة قانون ومؤسسات وكرامة إنسانية يكون فيها المواطن أساس الشرعية وتكون فيها السيادة فعلا ملموسا لا شعارا سياسيا
المعركة الحقيقية في سورية ليست معركة من يحكم وحده بل معركة كيف نحكم وبأي قانون ولصالح من نبني هذه الدولة