أكتوبر 18, 2026
A6922055-CDC7-4968-A7CE-29DDAE0E7262

قلم من خشب سفينة نوح للنجاة
الباحثة كنانة خلف الكردي.
حين تصمت الحناجر يتكلم القلم قبل طوفان عام
هناك لحظة لا يعود فيها الصمت اختيارا بل يتحول إلى غريزة نجاة ويصبح الكلام مغامرة تسبقها المخاوف وتتبعها الحسابات وفي تلك اللحظة لا يموت الصوت بل يختبئ خلف العيون والهمسات والرسائل التي تكتب ولا ترسل والآراء التي تولد كاملة ثم تدفن قبل أن ترى النور وهنا يبدأ القلم لا بوصفه أداة للكتابة بل بوصفه حنجرة ثانية لمن خذلتهم الحناجر وصوتا لمن لم يجدوا أذنا تصغي إليهم
لقد عاش السوريون سنوات طويلة تحت ثقل الخوف من الجدران ذات الآذان ومن تفسير الكلمات وتحويل الرأي إلى تهمة والسؤال إلى شبهة ولم يكن الخوف مجرد شعور عابر بل تحول مع مرور الزمن إلى سلوك يراقب فيه الإنسان نفسه قبل أن يراقبه الآخرون ويحاسب كلماته قبل أن ينطق بها ويختار الصمت حتى حين يرى الخطأ واضحا أمامه والأخطر من الخوف أن يصل الإنسان إلى مرحلة يفقد فيها إيمانه بجدوى الكلام فلا يعود يقول أنا خائف بل يقول لا فائدة
وهنا تكمن خطورة الصمت فالمجتمع الذي يخاف من الكلام لا يفقد الكلمات وحدها بل يفقد قدرته على اكتشاف أخطائه قبل أن تتحول إلى أزمات والدولة التي لا تسمع النقد لا تصبح أقوى بل تصبح أقل قدرة على رؤية نفسها والمؤسسة التي تخشى السؤال لا تحمي هيبتها بل تضعفها حين تدفع المواطن إلى البحث عن إجابة خارجها
إن الدولة القوية ليست التي لا يسمع فيها إلا صوت السلطة بل التي تستطيع استقبال الأصوات المختلفة دون أن تعتبر اختلافها تهديدا لوجودها والأمن الحقيقي ليس أن يصمت الناس بل أن يتكلموا وهم مطمئنون وأن ينتقد المواطن دون خوف من الانتقام وأن يسأل دون أن يتحول سؤاله إلى خصومة وأن يعترض دون أن يصبح اعتراضه خيانة وأن يقول للمسؤول أخطأت دون أن يخشى العواقب فهذه ليست فوضى بل هي ملامح دولة تحترم مواطنيها وتستمد قوتها من الثقة لا من الرهبة
ومن هنا يصبح القلم ضرورة وطنية لا ترفا ثقافيا فالكاتب الذي يكتب عن وجع الناس لا يسعى بالضرورة إلى البطولة بل يحاول منع الحقيقة من الاختناق وحماية الذاكرة من التزييف وتحويل الألم إلى فكرة والخوف إلى سؤال والسؤال إلى مقترح والنقد إلى إصلاح فالقلم المسؤول لا يحرض على الفوضى ولا يستهدف مؤسسات الدولة بل يكشف الخلل كي لا يتحول إلى خطر ويواجه الخطأ كي لا يصبح سياسة وينبه المسؤول كي يمنحه فرصة لتصحيح المسار قبل أن تصبح المعالجة أكثر كلفة
ومن هنا فإن سورية اليوم لا تحتاج إلى مجتمع صامت ولا إلى إعلام يصفق ولا إلى أقلام تخشى قول الحقيقة بل تحتاج إلى إعلام حر ومسؤول يعرف الفرق بين النقد والهدم وبين المعارضة والفوضى وبين كشف الخلل واستهداف الدولة فالوطنية ليست إخفاء المرض عن الطبيب ولا التصفيق للمريض حتى ينهار بل تسمية الأشياء بأسمائها ووضع اليد على الجرح قبل أن يتحول إلى نزيف والتحذير من الخلل قبل أن يصبح أزمة
إن القلم ليس عدوا للدولة بل أحد خطوط الدفاع عنها لأنه ينقل نبض الشارع ويكشف الفجوة بين القرار وتطبيقه ويحذر من الاحتقان ويمنح المؤسسات فرصة لفهم ما قد لا يصل إلى مكاتب المسؤولين ولذلك لا ينبغي أن يتحول الأمن إلى مصدر جديد للخوف فوظيفته حماية الإنسان وصون القانون لا صناعة الحواجز النفسية بين المواطن ومؤسساته فالخوف قد ينتج صمتا مؤقتا لكنه لا يصنع ولاء حقيقيا والصمت ليس دائما رضا فقد يكون تعبيرا عن يأس لا يظهر إلا عندما تتسع الفجوة بين المجتمع والدولة
إن فتح المجال أمام الكلمة ليس تنازلا من السلطة بل استثمار في الاستقرار وكل شكوى تسمعها مؤسسة اليوم قد تمنع أزمة غدا وكل صحفي يكتب بمسؤولية وكل باحث يكشف خللا وكل مواطن يعبر بصدق يمكن أن يشكل جزءا من منظومة الإنذار المبكر التي تحتاج إليها الدولة لتصحيح مسارها ولذلك يجب أن يتغير السؤال من كيف نجعل الناس يصمتون إلى لماذا يشعرون أن الكلام خطر ومن محاولة إسكات الأصوات إلى بناء مؤسسات تجعل التعبير آمنا وتحول الشكوى إلى مسار قانوني واضح والمساءلة إلى ممارسة فعلية لا شعارا معلنا إن سورية التي تسعى إلى بناء مستقبلها لا تستطيع تأسيس دولة جديدة بعقلية الخوف وأدوات الماضي بل تحتاج إلى علاقة بين السلطة والمجتمع تقوم على القانون والثقة والمساءلة والحوار وعلى مؤسسات أقوى من الأشخاص ومصلحة وطنية أعلى من الحسابات الضيقة فالقلم لا يريد أن يبقى حنجرة بديلة إلى الأبد بل يريد أن يكون جسرا يعيد الحنجرة إلى صوتها ويمنح المواطن حقه في الكلام دون ابتزاز أو تهمة جاهزة
ولهذا سأكتب لا لأنني لا أخاف بل لأنني أؤمن أن الخوف إذا انتصر على الكلمة انتصر على المجتمع وأن سورية لا تبنى بالصمت ولا تحمى بالخوف ولا تستقر بالتجاهل بل تبنى حين يصبح المواطن قادرا على الكلام والمسؤول قادرا على الاستماع والقانون أقوى من الخوف وعندها فقط لن يكون القلم حنجرة المقهورين لأن المقهورين أنفسهم سيكون لهم صوت وصوتهم في القلم سيسمع