أكتوبر 17, 2026
IMG_4403

يصنعون الهلع الإعلامي ويبيعون امان سورية

الباحثة كنانة خلف الكردي

حين يصنع الإعلام الخوف ليبيع السوريين الحل لم يعد الخطر في المشهد السوري دائما هو ما يحدث على الارض بل قد يكون في الطريقة التي يجري بها تقديم ما يحدث للناس
فحين يتحول الخبر الى انذار دائم وحين تتحول الحادثة المحدودة الى كارثة وحين يجري دفع الجمهور الى الاعتقاد بأن الاسوأ قادم لا محالة فإننا لا نكون امام اعلام ينقل الواقع فقط بل امام عملية لصناعة الهلع وتوجيه المزاج العام نحو نتيجة محددة
الهلع الاعلامي لا يحتاج دائما الى كذبة كاملة فقد يبدأ من واقعة حقيقية ثم يعاد تضخيمها وتكرارها ووضعها داخل سردية مخيفة حتى تصبح الواقعة اكبر من حجمها وتتحول المخاوف الطبيعية الى حالة جماعية من التوتر والانتظار وهنا تكمن الخطورة
فالانسان الخائف لا يفكر بالطريقة نفسها التي يفكر بها الانسان الهادئ وعندما يشعر المواطن بأن امنه او رزقه او مستقبل اولاده مهدد فإنه يصبح اكثر استعدادا لقبول قرارات كان سيرفضها في الظروف الطبيعية
وهكذا تتحول صناعة الخوف الى صناعة للحاجة
يخلق الاعلام ازمة في الوعي ثم يظهر الحل باعتباره المخرج الوحيد ويصبح من يطرح الحل في موقع المنقذ بينما يجري اسكات الاسئلة المتعلقة بكلفة هذا الحل وضرورته والبدائل الممكنة
وفي سورية لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بإعلام مضاد يمارس الخوف نفسه ولكن باتجاه معاكس بل المطلوب اصلاح اعلامي حقيقي يعيد المواطن الى موقع الشريك لا المتلقي الخائف
الموقف السوري الاصلاحي يجب ان يكون واضحا نريد اعلاما سوريا مهنيا مستقلا في معاييره مسؤولا في لغته دقيقا في معلوماته لا يضخم الازمات ولا يخفيها ولا يحول المواطن الى اداة في معارك سياسية واعلامية
ونريد خطابا رسميا يتعامل مع السوريين باعتبارهم مواطنين يستحقون الحقيقة لا جمهورا يجب ادارته بالخوف
كما ان الاصلاح لا يكتمل من دون حق المجتمع في السؤال والنقد والمساءلة فالاستقرار الحقيقي لا يبنى على الصمت ولا على صناعة الرهبة بل على الثقة والشفافية وسيادة القانون والمعلومة الدقيقة
المطلوب دولة قوية بمؤسساتها لا بخوف مواطنيها واعلاما قويا بمصداقيته لا بقدرته على اشعال القلق واثارة قضايا الرأي العام
فكل ازمة حقيقية تحتاج الى معالجة وكل اشاعة تحتاج الى تفنيد وكل خطاب تحريضي يحتاج الى مسؤولية لكن لا يجوز تحويل المجتمع كله الى حالة طوارئ نفسية دائمة مع هلع مرعب
السوري اليوم يحتاج الى اعلام يساعده على فهم الواقع لا اعلاما يقرر له كيف يخاف منه
ولهذا فإن الاصلاح الاعلامي ليس ترفا ولا قضية مهنية هامشية بل هو جزء من اصلاح الدولة والمجتمع وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات
والسؤال الذي يجب ان يرافق كل خطاب مخيف ليس فقط ماذا سيحدث بل من يصنع هذا الخوف ولماذا ولمصلحة من عندما يصبح الخوف وسيلة لتوجيه المجتمع يصبح الخطر اكبر من الازمة نفسها وأخطر ما في الهلع الاعلامي ليس انه يخيف الناس
بل انه قد يجعلهم يطلبون بأنفسهم الحل الذي اعد لهم قبل ان يعرفوا من صنع الخوف ولماذا