
يصنعون الهلع الإعلامي ويبيعون امان سورية
الباحثة كنانة خلف الكردي
حين يصنع الإعلام الخوف ليبيع السوريين الحل لم يعد الخطر في المشهد السوري دائما هو ما يحدث على الارض بل قد يكون في الطريقة التي يجري بها تقديم ما يحدث للناس
فحين يتحول الخبر الى انذار دائم وحين تتحول الحادثة المحدودة الى كارثة وحين يجري دفع الجمهور الى الاعتقاد بأن الاسوأ قادم لا محالة فإننا لا نكون امام اعلام ينقل الواقع فقط بل امام عملية لصناعة الهلع وتوجيه المزاج العام نحو نتيجة محددة
الهلع الاعلامي لا يحتاج دائما الى كذبة كاملة فقد يبدأ من واقعة حقيقية ثم يعاد تضخيمها وتكرارها ووضعها داخل سردية مخيفة حتى تصبح الواقعة اكبر من حجمها وتتحول المخاوف الطبيعية الى حالة جماعية من التوتر والانتظار وهنا تكمن الخطورة
فالانسان الخائف لا يفكر بالطريقة نفسها التي يفكر بها الانسان الهادئ وعندما يشعر المواطن بأن امنه او رزقه او مستقبل اولاده مهدد فإنه يصبح اكثر استعدادا لقبول قرارات كان سيرفضها في الظروف الطبيعية
وهكذا تتحول صناعة الخوف الى صناعة للحاجة
يخلق الاعلام ازمة في الوعي ثم يظهر الحل باعتباره المخرج الوحيد ويصبح من يطرح الحل في موقع المنقذ بينما يجري اسكات الاسئلة المتعلقة بكلفة هذا الحل وضرورته والبدائل الممكنة
وفي سورية لا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بإعلام مضاد يمارس الخوف نفسه ولكن باتجاه معاكس بل المطلوب اصلاح اعلامي حقيقي يعيد المواطن الى موقع الشريك لا المتلقي الخائف
الموقف السوري الاصلاحي يجب ان يكون واضحا نريد اعلاما سوريا مهنيا مستقلا في معاييره مسؤولا في لغته دقيقا في معلوماته لا يضخم الازمات ولا يخفيها ولا يحول المواطن الى اداة في معارك سياسية واعلامية
ونريد خطابا رسميا يتعامل مع السوريين باعتبارهم مواطنين يستحقون الحقيقة لا جمهورا يجب ادارته بالخوف
كما ان الاصلاح لا يكتمل من دون حق المجتمع في السؤال والنقد والمساءلة فالاستقرار الحقيقي لا يبنى على الصمت ولا على صناعة الرهبة بل على الثقة والشفافية وسيادة القانون والمعلومة الدقيقة
المطلوب دولة قوية بمؤسساتها لا بخوف مواطنيها واعلاما قويا بمصداقيته لا بقدرته على اشعال القلق واثارة قضايا الرأي العام
فكل ازمة حقيقية تحتاج الى معالجة وكل اشاعة تحتاج الى تفنيد وكل خطاب تحريضي يحتاج الى مسؤولية لكن لا يجوز تحويل المجتمع كله الى حالة طوارئ نفسية دائمة مع هلع مرعب
السوري اليوم يحتاج الى اعلام يساعده على فهم الواقع لا اعلاما يقرر له كيف يخاف منه
ولهذا فإن الاصلاح الاعلامي ليس ترفا ولا قضية مهنية هامشية بل هو جزء من اصلاح الدولة والمجتمع وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات
والسؤال الذي يجب ان يرافق كل خطاب مخيف ليس فقط ماذا سيحدث بل من يصنع هذا الخوف ولماذا ولمصلحة من عندما يصبح الخوف وسيلة لتوجيه المجتمع يصبح الخطر اكبر من الازمة نفسها وأخطر ما في الهلع الاعلامي ليس انه يخيف الناس
بل انه قد يجعلهم يطلبون بأنفسهم الحل الذي اعد لهم قبل ان يعرفوا من صنع الخوف ولماذا






