أكتوبر 19, 2026
رياض سعد

رياض سعد

في سلسلة «مقولة وتعليق»، تتجدد محاولات الغوص في أعماق النفس البشرية، واستنطاق الأفكار والحِكم التي اختزلت تجارب الإنسان وصراعاته وعلاقاته الاجتماعية؛ ففي كل حلقة، نتوقف عند مقولة تستحق التأمل، ونحلل مضامينها، ونناقش أبعادها النفسية والفكرية والفلسفية، ونعرّج بإيجاز على صاحبها وسياقها، ثم نضعها أمام الواقع لاختبار ما تحمله من حقيقة، وما قد يعتريها من مبالغة أو تعميم، كما عوّدناكم.

وفي هذه الحلقة، نتوقف عند مقولة للكاتب المسرحي والمفكر الساخر جورج برنارد شو، الذي امتلك قدرةً لافتة على تفكيك المسلّمات الاجتماعية، وكشف تناقضات السلوك البشري، ومواجهة الأفكار الجامدة بسخرية نافذة تتجاوز حدود الضحك إلى مساءلة العقل والمجتمع. يقول شو: «الشخص الوحيد الذي أعرفه ويتصرف بعقل هو الخياط؛ فهو يأخذ مقاساتي من جديد في كل مرة يراني فيها، أما الباقون فيستخدمون مقاييسهم القديمة، ويتوقعون مني أن أناسبها!».

إنها مقولة ساخرة في ظاهرها، لكنها تفتح أبواباً واسعة للتأمل في طبيعة الأحكام التي نصدرها على الآخرين، وفي ميلنا إلى تثبيت الناس داخل صور ذهنية قديمة، وكأن الإنسان لا يتغير، ولا ينضج، ولا يتعلم، ولا يعيد اكتشاف نفسه مع مرور الزمن.

فهل نرى الآخرين كما هم في حاضرهم، أم كما اختزنتهم ذاكرتنا عنهم؟ وهل نمنحهم فرصة التغير، أم نطالبهم بالبقاء أسرى ماضيهم؟ تلك هي الأسئلة التي نحاول مقاربة أبعادها في هذا التعليق.

# الخياط الذي يفهم الإنسان

تكمن طرافة المقولة في المقارنة التي أقامها برنارد شو بين الخياط وسائر الناس؛ فالخياط، بحكم مهنته، يدرك أن المقاسات ليست ثابتة، وأن ما كان ملائماً للجسد في مرحلة سابقة قد لا يعود مناسباً له في مرحلة لاحقة، ولذلك يعيد أخذ القياسات كلما اقتضت الحاجة، بدلاً من افتراض أن الجسد سيظل على حاله إلى الأبد.

أما الناس، فكثيراً ما يفعلون العكس في تعاملهم مع بعضهم بعضاً؛ إذ يحتفظون بانطباعاتهم القديمة، ويجعلونها معايير نهائية للحكم، ثم يطالبون الآخرين بأن يظلوا منسجمين معها، حتى لو تغيرت ظروفهم، ونضجت عقولهم، وتبدلت قناعاتهم، واكتسبوا من التجارب ما لم يكن لديهم من قبل.

وهنا تتحول السخرية إلى نقد اجتماعي عميق؛ فالمشكلة ليست في أن نتذكر ماضي الآخرين، بل في أن نجعل ذلك الماضي حكماً مؤبداً عليهم، وكأن الإنسان لا يملك حق مراجعة نفسه، أو تصحيح أخطائه، أو تجاوز عثراته، أو التحرر من نسخة قديمة لم تعد تمثله.

إن الخياط يعيد قياس الجسد لأنه يعرف أن التغير حقيقة ملموسة، بينما يتشبث بعض الناس بمقاساتهم الذهنية لأنهم لا يريدون بذل الجهد اللازم لإعادة النظر في أحكامهم.. ,  فالأول يتعامل مع الواقع المتجدد، أما الآخر فيحاول إخضاع الواقع لقالب جاهز صنعه في الماضي.

# حياة الإنسان ليست صورة فوتوغرافية

يعتقد البعض أن حياة الإنسان أشبه بصورة فوتوغرافية ثابتة، يمكن النظر إليها مرة واحدة، ثم الاحتفاظ بها في الذاكرة بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل التعديل.. ,  غير أن حقيقة الحياة الإنسانية أقرب إلى فيلم سينمائي طويل، تتعاقب مشاهده وتتداخل أحداثه، وتتغير فيه الشخصيات والمواقف والدوافع، بحيث لا يمكن الحكم على القصة كلها من مشهد واحد، ولا فهم نهايتها بمجرد مشاهدة بدايتها.

فالإنسان ليس كياناً جامداً، بل هو مسيرة معقدة من التحولات النفسية والبدنية والفكرية والثقافية والاجتماعية.. ,  وقد يخرج المرء من تجربة قاسية بعقلية مختلفة عما كان عليه قبلها، أو يتعلم من خطأ ارتكبه ما يجعله أكثر وعياً وحذراً، أو يكتشف في مرحلة من حياته أن كثيراً من أفكاره السابقة لم تكن سوى تصورات ناقصة تشكلت بفعل محدودية التجربة أو ضيق المعرفة.

وقد تتبدل مشاعر الإنسان ومواقفه بتبدل الظروف، وتتغير أولوياته مع تراكم الخبرة، وتتراجع بعض قناعاته حين يكتشف ما ينقضها، ويصبح أكثر تسامحاً بعد أن كان متشدداً، أو أكثر حزماً بعد أن أنهكته المجاملات، أو أكثر هدوءاً بعد أن استنزفته الصراعات.

وليس معنى ذلك أن الإنسان يتغير بالضرورة في كل يوم، أو أن كل تحول يطرأ عليه دليل على النضج والصواب؛ فقد يتراجع أيضاً، وينتكس، ويكرر أخطاءه، ويستبدل قناعة ناضجة بأخرى سطحية.. ,  لكن جوهر المسألة أن التغير احتمال إنساني دائم، وأن الحكم العادل يقتضي أن نراقب المسار، لا أن نتوقف عند لقطة عابرة منه.

فمن عرفناهم في طفولتهم ليسوا بالضرورة كما أصبحوا في شبابهم، ومن عاشرناهم في ظروف الفقر أو الخوف أو الحرمان قد لا نعرف حقيقتهم كاملة حين تتغير ظروفهم، ومن أخطأ في الماضي ليس محكوماً عليه بأن يظل مخطئاً إلى الأبد… ؛  إن الماضي جزء من سيرة الإنسان، لكنه ليس السيرة كلها، والذاكرة تحفظ ما حدث، لكنها لا تملك وحدها حق تقرير ما سيحدث.

# حين يتحول الماضي إلى سجن

المشكلة أن البعض يصر على التعامل معنا وكأننا أصنام من صخر، لا نتغير ولا نتبدل ولا نتحول؛ فيحتفظون بصورة قديمة عنا، ثم يرفضون كل ما يخالفها من شواهد جديدة.. , وإذا كنا قد أخطأنا يوماً، فإنهم يستحضرون أخطاءنا كلما اختلفنا معهم، وإذا كنا قد تبنينا رأياً في مرحلة سابقة، فإنهم يصرون على محاسبتنا عليه حتى بعد أن نراجعه أو نتخلى عنه.

وإذا حاولنا تغيير أسلوبنا في التعامل، أو إعادة ترتيب أولوياتنا، أو وضع حدود جديدة في علاقاتنا، فقد يفسر البعض ذلك على أنه تناقض أو تكبر أو سوء طبع، لا بوصفه احتمالاً طبيعياً من احتمالات التطور الإنساني.. ,  وكأنهم يمنحون أنفسهم حق النمو والتعلم وتبديل المواقف، لكنهم يحرمون الآخرين من الحق نفسه.

إن هذا السلوك يكشف عن مفارقة نفسية واجتماعية؛ فنحن نحب أن يعترف الآخرون بتغيرنا حين يكون هذا التغير في مصلحتنا، لكننا قد نرفض الاعتراف بتغيرهم حين يفرض علينا إعادة النظر في أحكامنا أو تعديل الطريقة التي اعتدنا التعامل معهم بها.

فمن كان ضعيف الشخصية ثم أصبح أكثر ثقة بنفسه، قد يتهمه البعض بالغرور، ومن كان كثير التسامح ثم تعلم الدفاع عن حقوقه، قد يوصف بأنه أصبح سيئ المعشر، ومن كان يوافق الآخرين تجنباً للخلاف ثم بدأ يعبر عن رأيه بصراحة، قد يُتهم بأنه تغير إلى الأسوأ.. ,  والحقيقة أن بعض هذه التحولات قد يكون بالفعل سلبياً، لكن بعضها الآخر لا يعدو أن يكون انتقالاً من العجز إلى القدرة، أو من التبعية إلى الاستقلال، أو من السذاجة إلى الوعي.

وهكذا قد لا يكون اعتراض الآخرين على تغيرنا اعتراضاً على التغير ذاته، بل على النتائج التي ترتبت عليه؛ لأن الإنسان الذي تغير لم يعد يؤدي الدور الذي اعتادوا منه أداءه، ولم يعد يستجيب بالضرورة لتوقعاتهم القديمة أو يمنحهم الامتيازات نفسها التي كانوا يحصلون عليها من علاقته بهم.

ومن هنا، يصبح الإصرار على إبقاء الآخرين داخل صورهم القديمة نوعاً من الوصاية على هوياتهم؛ إذ لا يُسمح لهم بأن يكونوا سوى ما نعرفه عنهم، ولا يُمنحون فرصة إعادة تعريف أنفسهم خارج حدود أحكامنا المسبقة.

# لماذا نتمسك بصورنا القديمة عن الآخرين؟

لا تنشأ هذه الظاهرة دائماً عن سوء النية؛ فقد يكون وراءها عدد من الآليات النفسية والاجتماعية التي تجعل الإنسان أقل استعداداً لمراجعة تصوراته عن غيره.

أول هذه الآليات هو الانحياز التأكيدي؛ إذ يميل المرء إلى ملاحظة الوقائع التي تؤكد اعتقاده السابق، وتجاهل الوقائع التي تناقضه.. ,  فإذا اقتنع بأن شخصاً ما أناني، فقد يفسر كل تصرف يصدر عنه على أنه دليل على أنانيته، حتى حين يكون التصرف كريماً أو نبيلاً، بينما يبحث عن تبريرات لكل ما يخالف حكمه المسبق.

وثانيها هو الاقتصاد الذهني؛ فإعادة تقييم الناس تحتاج إلى وقت وانتباه واستعداد للاعتراف بأن أحكامنا السابقة قد تكون ناقصة أو خاطئة.. , لذلك يسهل على العقل أن يحتفظ بتصنيف قديم بدلاً من أن يعيد فحصه في ضوء المعلومات الجديدة.

وثالثها هو التعلق بالأدوار المألوفة؛ فبعض العلاقات تستقر على توزيع معين للأدوار: شخص يقدم التنازلات، وآخر يفرض شروطه؛ شخص يعتذر دائماً، وآخر يحتفظ بموقع المتلقي

للاعتذار.. ,  وعندما يتغير أحد الطرفين، يشعر الطرف الآخر بأن التوازن الذي اعتاد عليه قد اختل، فيقاوم التغيير أو يحاول التقليل من شأنه.

أما رابعها فيتمثل في الخلط بين معرفة الإنسان وامتلاكه؛ فبعض الناس يتعاملون مع معرفتهم السابقة بشخص ما كما لو أنها تمنحهم حق تحديد شخصيته ومستقبله.. , إنهم لا يكتفون بالقول إنهم يعرفونه، بل يتصرفون كما لو أنهم يعرفون ما ينبغي أن يكون عليه، وما يجوز له أن يتغير فيه، وما يجب أن يظل ثابتاً من صفاته ومواقفه.

لكن معرفة الإنسان لا تعني الإحاطة به، والعشرة لا تمنح أحداً سلطة نهائية على تعريف الآخر.. , فقد نعرف عن شخص جوانب كثيرة، وتظل جوانب أخرى مجهولة لنا، وقد تكون معرفتنا به صحيحة في مرحلة زمنية معينة، ثم تصبح ناقصة حين تتغير حياته وتتبدل خبراته.

# هل كل تغير يستحق الاحترام؟

مع ذلك، ينبغي ألا نذهب بالمقولة إلى الطرف المقابل، فنفترض أن كل تغير يطرأ على الإنسان دليل على تطوره، أو أن ماضيه لا ينبغي أن يؤخذ في الحسبان، أو أن من حقه أن يطالب الآخرين بنسيان كل ما فعله لمجرد أنه أعلن أنه أصبح شخصاً مختلفاً.

فثمة فرق جوهري بين إنسان يراجع أخطاءه ويتحمل مسؤولية أفعاله، وآخر يتخذ من فكرة التغير ذريعة للتهرب من تبعاتها.. ,  وهناك فرق بين شخص نضج فغيّر موقفه بناءً على المعرفة والتجربة، وآخر يبدل مواقفه وفقاً لمصالحه الآنية، وبين من تعلم احترام ذاته وحقوقه، ومن اتخذ من ذلك مبرراً لانتهاك حقوق الآخرين.

إن العدالة لا تقتضي أن نمحو الماضي، وإنما أن نضعه في موضعه الصحيح؛ فلا نحوله إلى سجن أبدي، ولا نلغيه كأنه لم يكن.. ,  فالأخطاء السابقة تظل ذات صلة حين يتعلق الأمر بالثقة والمسؤولية وإصلاح الضرر، لكن وزنها في الحكم على الإنسان ينبغي أن يتأثر بما فعله لاحقاً، وبمدى اعترافه بخطئه، وبما إذا كان قد أصلح ما استطاع إصلاحه.

ومن حقنا أن نكون حذرين في التعامل مع شخص سبق أن أساء إلينا، ومن حقنا أن نطلب منه دليلاً على تغيره، لكن ليس من الإنصاف أن نرفض مسبقاً كل دليل جديد، أو أن نجعل التوبة والإصلاح مستحيلين عملياً… ؛  فالثقة قد تحتاج إلى وقت كي تُستعاد، لكن استعادتها لا يمكن أن تبدأ إذا كان الحكم على الإنسان قد صدر نهائياً قبل أن تتاح له فرصة إثبات ما تغير فيه.

كذلك، ليس كل ما يصفه الإنسان بأنه تغير حقيقياً؛ فالأقوال وحدها لا تكفي، والتغير المستقر تظهر آثاره في السلوك والاختيارات وطريقة التعامل مع الآخرين.. , ومن هنا، فإن الحكمة لا تكمن في تصديق كل ادعاء بالتغير، ولا في إنكار إمكان التغير، بل في منح الواقع الجديد فرصة التقييم الموضوعي.

# نحن أيضاً نحتاج إلى تغيير مقاساتنا

لعل أهم ما تدعونا إليه مقولة برنارد شو ليس مطالبة الآخرين بأن يعيدوا النظر فينا فحسب، بل دعوتنا نحن أيضاً إلى مراجعة الطريقة التي نحكم بها عليهم.. ,  فكما نتألم حين يختزلنا الآخرون في أخطائنا القديمة، قد نمارس الظلم نفسه حين نرفض أن نرى في غيرنا سوى عيوبه السابقة أو مواقفه التي لم تعد تعبر عنه.

كم من إنسان حرمناه من فرصة جديدة لأننا لم نستطع تجاوز صورة قديمة رسمناها له؟ وكم من علاقة أفسدناها لأننا أصررنا على تفسير كل تصرف جديد من خلال خلاف سابق؟ وكم من خلاف استمر سنوات لأن أحد الطرفين لم يسمح للآخر بأن يخرج من الدور الذي وضعه فيه منذ البداية؟

إن النضج لا يتمثل في أن نغير أحكامنا باستمرار من دون أساس، بل في أن نمتلك الشجاعة لمراجعتها حين تظهر معطيات تستدعي ذلك.. , فالعقل المنصف لا يتشبث برأيه لمجرد أنه رأيه، ولا يحول انطباعاً قديماً إلى حقيقة مقدسة، وإنما يوازن بين ما يعرفه وما يستجد أمامه من أدلة.

ولعلنا نحتاج، في علاقاتنا العائلية والاجتماعية والعملية، إلى أن نمنح الآخرين المساحة نفسها التي نطالبهم بمنحها لنا؛ مساحة الخطأ والتعلم والتراجع والنضج، من دون أن يعني ذلك التفريط في الكرامة أو التغاضي عن الأذى أو إلغاء المسؤولية.

فليس مطلوباً منا أن نثق بالجميع ثقة عمياء، ولا أن ننسى كل ما حدث، وإنما أن نميز بين الإنسان الذي يكرر أخطاءه بلا مراجعة، والإنسان الذي يسعى إلى تجاوزها؛ وبين من يتغير نحو الأسوأ، ومن يتغير لأنه أصبح أكثر وعياً بنفسه وبالعالم من حوله.

# برنارد شو: السخرية بوصفها أداةً للنقد

لمحة موجزة عن صاحب المقولة

جورج برنارد شو (1856–1950)

كاتب مسرحي وناقد ومفكر أيرلندي، يُعد من أبرز الشخصيات الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.. ,  عُرف بمسرحياته ذات الطابع الاجتماعي والفكري، وبأسلوبه الساخر الذي استخدمه لكشف تناقضات المجتمع، وانتقاد النفاق والأفكار الموروثة والمسلمات التي يتعامل معها الناس من دون تمحيص.

حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1925، تقديراً لأعماله التي اتسمت بالمثالية والإنسانية، ولما جمعته من سخرية محفزة على التفكير وجمال أدبي مميز.

لم تكن أهمية برنارد شو في قدرته على إضحاك جمهوره فحسب، بل في قدرته على جعل الضحك مدخلاً إلى التفكير؛ إذ كان يضع الأفكار الشائعة أمام مفارقات تكشف ما تنطوي عليه من تناقضات.. ,  وقد تناول في أعماله قضايا المجتمع والطبقة والأخلاق والسياسة والعلاقات الإنسانية، ولم يكن يتردد في تحدي التصورات السائدة حين يراها قائمة على النفاق أو الجمود أو غياب التفكير النقدي.

وتنسجم المقولة التي نتناولها هنا مع هذا المنهج الساخر؛ فالخياط، الذي قد يبدو أقل شأناً من الناحية الفكرية مقارنة بمن يتحدثون عن المعرفة والحكمة، يظهر في المقولة أكثر عقلانية منهم، لأنه يتعامل مع الواقع المتغير بدلاً من فرض تصوراته القديمة عليه.

ومن المهم، عند تناول الأقوال المنسوبة إلى الشخصيات المشهورة، التمييز بين شرح الفكرة وقوة معناها من جهة، والتحقق من صحة نسبتها الحرفية إلى صاحبها من جهة أخرى. فالمقولة المتداولة هنا تعبّر عن فكرة تتناسب مع الروح الساخرة المعروفة عن شو .

# خاتمة: لا تحاكموا الفيلم من مشهد واحد

إن الإنسان ليس نسخة مكتملة منذ لحظة ولادته، ولا شخصية مغلقة انتهت ملامحها بمجرد أن تعرفنا إليها… ؛  إنه مشروع مفتوح على التجربة والتعلم والتراجع والتقدم، تصنعه ظروف الحياة بقدر ما يصنع نفسه بقراراته واختياراته.. ,  وقد لا نستطيع التحكم في كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع، بدرجات متفاوتة، أن نعيد النظر في أفكارنا، ونصحح أخطاءنا، ونغير طرائق تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين.

ولذلك، فإن الإصرار على قياس الناس بمقاساتهم القديمة قد يجعلنا أسرى معرفتنا السابقة بهم، ويحرمنا من رؤية ما استجد في شخصياتهم وتجاربهم.. , وليس من الحكمة أن نلغي الماضي، لكن ليس من الحكمة أيضاً أن نسمح له باحتكار الحاضر ومصادرة المستقبل.

فلنتذكر أن الإنسان الذي نعرفه اليوم ليس بالضرورة الإنسان نفسه الذي عرفناه قبل سنوات، وأن من حقنا أن نعيد تقييم الآخرين حين تتغير أفعالهم، كما أن من واجبنا أن نراجع أحكامنا حين تتغير المعطيات.. ,  ولعل أجمل ما في تشبيه برنارد شو أن الخياط لا يطالب الجسد بأن يعود إلى مقاسه القديم، بل يغير القياس ليتناسب مع الواقع الجديد.

فلماذا نصر نحن على العكس؟ ولماذا نطالب الآخرين بأن يعودوا إلى نسخهم القديمة، لمجرد أننا اعتدناها، أو لأننا لا نريد الاعتراف بأنهم تجاوزوها؟

ربما كان علينا أن نتعلم من الخياط درساً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في دلالته: لا تجعلوا أحكام الأمس مقاييس أبدية لناس يعيشون اليوم، ولا تحاكموا فيلماً كاملاً من خلال مشهد واحد، ولا تختزلوا الإنسان في لحظة من حياته، مهما كانت مؤثرة أو مؤلمة؛ فالعبرة ليست فقط بما كان عليه، بل بما أصبح عليه، وبما يفعله الآن، وبالمسار الذي اختار أن يسلكه.

فالحكمة ليست أن ننسى ما رأيناه، بل أن نمتلك الشجاعة لرؤية ما لم نكن نراه من قبل.