
رياض سعد
لم تكن أزمة الثقة بين الحكومات العراقية المتعاقبة والشعب وليدة اليوم، بل هي حصيلة تراكم طويل من الوعود التي لم تتحقق، والتبريرات التي تتبدل بتبدل الأزمات، والسياسات التي يدفع المواطن ثمن إخفاقاتها من قوته اليومي ومستقبل أبنائه.
ففي الدولة التي تقوم فيها الحكومة على الشفافية والمساءلة والنزاهة والكفاءة ، لا تُقاس شرعية القرار الحكومي بقدرة المسؤول على تسويقه إعلامياً، بل بمدى استناده إلى الحقائق، ووضوح أهدافه، وعدالة توزيع أعبائه، والنتائج التي يلمسها المواطن في حياته… ؛ أما حين تتحول السياسة إلى فنّ لتبرير الإخفاقات، وتصبح المصارحة آخر ما يفكر فيه أصحاب القرار، فإن الهوة بين السلطة والمجتمع تتسع، وتتحول الوعود الحكومية إلى مصدر إضافي للشك والريبة.
ولعلّ ما جرى في العراق على امتداد عقود يختصر جانباً من هذه الأزمة؛ فقد اعتاد العراقيون سماع الوعود بتحسين مستوى المعيشة وخفض الأسعار وتحقيق الرفاه، ثم اصطدموا بواقع يناقض تلك الوعود… ؛ ويُستحضر في هذا السياق تصريح المجرم صدام – في احدى لقاءاته التلفزيونية – ، الذي وعد فيه بجعل سعر السيارة كسعر الطلي، أي الخروف، قبل أن تنقلب المفارقة على أصحابها، فيصبح سعر الخروف قريباً من سعر السيارة أو يتجاوزه في بعض الظروف…!! وبصرف النظر عن هذا المثال وغيره ، فإن المفارقة تعبّر عن تجربة اجتماعية أوسع: المسافة الشاسعة بين الوعود السياسية والواقع المعيشي.
واليوم، يجد العراقيون أنفسهم أمام أزمة جديدة تتعلق بسعر صرف الدولار، وتراجع القدرة الشرائية للدينار، وتراكم الديون، والقلق من مستقبل الاقتصاد الوطني… ؛ فقد قررت الحكومة العراقية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026 تعديل سعر الصرف الرسمي، ليرتفع من 1320 إلى 1520 ديناراً للدولار الواحد، أي بنحو 15%، في خطوة جاءت وسط ضغوط مالية واضطرابات في صادرات النفط وإيرادات الدولة.. , وقد أثار القرار مخاوف واسعة من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، ولا سيما لدى أصحاب الرواتب الثابتة ومحدودي الدخل.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز الأرقام والإجراءات النقدية إلى جوهر العلاقة بين الحكومة والمواطن: هل جرى اتخاذ القرار بعد دراسة شفافة لجميع البدائل، أم أن المواطن وجد نفسه أمام أمر واقع جديد، طُلب منه تحمّل تبعاته من دون أن يمتلك صورة واضحة عن أسبابه الحقيقية، أو ضمانات كافية لحماية معيشته؟
# خفض قيمة الدينار: من يتحمّل كلفة القرار؟
إن خفض قيمة العملة ليس إجراءً محايداً اجتماعياً؛ فقد يحقق للدولة إيرادات إضافية بالدينار عند تحويل عائدات النفط المقوّمة بالدولار، لكنه قد يرفع في المقابل كلفة السلع المستوردة، ويزيد نفقات الإنتاج والتوزيع، ويضغط على القوة الشرائية للأسر.. , وتتفاوت النتائج تبعاً لطبيعة السوق، ومدى انتقال تغير سعر الصرف إلى الأسعار، وحجم الاعتماد على الاستيراد، والإجراءات الحكومية المصاحبة.
وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ولا يمتلك قاعدة إنتاجية محلية قادرة على تلبية احتياجات السكان، تصبح آثار خفض قيمة العملة أكثر حساسية.. , فالمواطن الذي يتقاضى راتبه بالدينار لا يحصل تلقائياً على زيادة تعوّضه عن ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والملابس ومواد البناء وسائر احتياجاته.. , وقد يبقى راتبه ثابتاً من الناحية الاسمية، بينما تتراجع قيمته الفعلية، فيجد نفسه أفقر من دون أن يُقتطع من راتبه دينار واحد.
ومن هنا، فإن القول – تصريح السيد علي الزيدي – إن المتضررين من خفض سعر العملة هم المضاربون وحدهم، أو إن عامة المواطنين بمنأى عن تداعياته، لا يمكن قبوله من دون أدلة وبيانات تبيّن كيفية انتقال آثار القرار إلى السوق.. ؛ فالمضاربون ليسوا الفئة الوحيدة التي تتعامل بالدولار، كما أن ارتفاع كلفة الاستيراد لا يبقى محصوراً لدى التاجر بالضرورة، بل قد ينتقل إلى المستهلك النهائي.
وقد أظهرت التقارير الصحفية التي أعقبت القرار اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، مع تسجيل مستويات تجاوزت 170 ألف دينار لكل مئة دولار في بعض التعاملات ببغداد.. , وهذا التفاوت يكشف أن تعديل السعر الرسمي لا يكفي، بمفرده، لضمان استقرار سوق العملة أو احتواء التداعيات المعيشية.
ولا يعني ذلك أن كل تعديل في سعر الصرف خطأ بالضرورة؛ فقد تفرض الظروف المالية والنقدية خيارات صعبة.. , لكن المشكلة تكمن في اتخاذ القرار من دون تقديم شرح متكامل لأسبابه، أو إعلان تقدير واضح لكلفته الاجتماعية، أو توفير تدابير فعالة تحمي أصحاب الدخول المحدودة.. , فالإصلاح الاقتصادي الذي يكتفي بموازنة الحسابات العامة، ويترك حسابات الأسر العراقية تنزف، قد يخفف ضغطاً مالياً آنياً، لكنه يخلق ضغوطاً اجتماعية واقتصادية جديدة.
# الديون المتراكمة: فاتورة الحاضر التي يدفعها المستقبل
لا يمكن فهم أزمة سعر الصرف بمعزل عن مشكلة الدين العام، وما يرتبط بها من اختلالات في الإنفاق والإيرادات والإنتاج.. , فقد أصبح العراق، على الرغم من موارده النفطية الكبيرة، يواجه تحديات مالية متكررة، نتيجة اعتماده الواسع على الإيرادات النفطية، وضعف مصادر الدخل البديلة، واتساع الالتزامات الحكومية، والحاجة المستمرة إلى تمويل النفقات العامة.
وتتداول تقديرات منسوبة إلى الخبير الاقتصادي محمد عبد الله وغيره : أن إجمالي الديون الداخلية والخارجية بلغ نحو 218 تريليون دينار… ؛ وإذا صح هذا الرقم، وافترضنا تخصيص 15 تريليون دينار سنوياً لسداد أصل الدين، فإن قسمة إجمالي المديونية على المبلغ السنوي تعطي نحو 14.5 عاماً.
غير أن هذه العملية الحسابية تبقى تقديراً افتراضياً، لا جدولاً فعلياً لسداد الدين؛ إذ تتوقف المدة الحقيقية على آجال الاستحقاق، والفوائد، وإعادة التمويل، والديون الجديدة، وحجم المبالغ التي تستطيع الدولة تخصيصها للسداد سنوياً.
ومع ذلك، فإن الدلالة الأهم لا تكمن في عدد السنوات وحده، بل في حجم الالتزامات التي تقيد الخيارات الاقتصادية المتاحة أمام الحكومات المقبلة.. , فالأموال التي تذهب إلى خدمة الدين لا يمكن توجيهها، في الوقت نفسه، إلى بناء المدارس والمستشفيات، وتطوير شبكات الكهرباء والمياه، ودعم الزراعة والصناعة، وإنشاء مشاريع منتجة توفر فرص العمل وتقلل الاعتماد على الاستيراد.
إن الدين العام ليس شراً مطلقاً؛ فقد يكون وسيلة مشروعة لتمويل مشاريع استراتيجية تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية تفوق كلفة الاقتراض.. , لكنه يتحول إلى عبء خطير عندما يُستخدم بصورة متكررة لتمويل نفقات جارية، أو سد فجوات مالية متجددة، من دون معالجة أسباب العجز، أو حين تتراكم الالتزامات من غير رؤية واضحة لكيفية سدادها.
وهنا يحق للمواطن أن يسأل: أين ذهبت الأموال التي اقترضتها الدولة؟ وما المشاريع التي أنجزتها؟ وما العوائد التي حققتها؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي لم تحقق أهدافها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي لأي إصلاح مالي جاد.
# المفارقة بين تجنّب الاقتراض واللجوء إليه
من أكثر المسائل إثارة للجدل أن يُقدَّم خفض قيمة الدينار بوصفه خياراً لتجنّب الاقتراض الخارجي، ثم تظهر أنباء عن توجه حكومة السيد علي الزيدي إلى طلب تمويل جديد من صندوق النقد الدولي…؟!
وإذا تأكد رسمياً أن الحكومة اتخذت هذا المسار بعد تقديم خفض العملة باعتباره بديلاً عن الاقتراض، فإن ذلك يستوجب توضيحاً حكومياً صريحاً.
فهل تغيرت الظروف المالية بعد اتخاذ القرار؟ وهل ظهرت احتياجات لم تكن محسوبة؟ أم أن التبرير الأول لم يعرض الصورة كاملة أمام المواطنين؟ لا يمكن حسم هذه الأسئلة بمجرد تداول الأخبار، لكن من حق الرأي العام المطالبة بإجابات موثقة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقرارات تمس قيمة مدخراته ودخله اليومي ومستقبل الاقتصاد الوطني.
كما ينبغي التمييز بين طلب المفاوضات أو الدعم المالي، وبين التوصل إلى اتفاق تمويلي نهائي وصرف القرض فعلياً؛ فهذه مراحل مختلفة، ولا يصح التعامل معها بوصفها حدثاً واحداً.
والاقتراض من صندوق النقد الدولي ليس كارثة حتمية في جميع الأحوال، مثلما أن خفض قيمة العملة ليس حلاً مضموناً للأزمة.. , فالحكم على أي خيار يتطلب معرفة حجمه، وشروطه، وأجل سداده، وكلفته، وأوجه استخدامه، والنتائج التي يُتوقع أن يحققها… ؛ أما تقديم أحد الخيارين على أنه خلاص كامل، ثم العودة إلى الآخر من دون تفسير، فيزيد أزمة الثقة بدلاً من معالجتها.
إن جوهر المشكلة ليس في اختيار «أهون الشرّين» فحسب، بل في معرفة لماذا وصلت الدولة إلى مرحلة تُخيَّر فيها بين إجراءات مالية صعبة، وما إذا كانت قد استنفدت البدائل الأقل كلفة على المجتمع، وراجعت أولويات الإنفاق، واتخذت خطوات جدية لمكافحة الفساد والهدر وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
# القائمة الرمادية والفساد: أزمة ثقة تتجاوز الحدود
تزداد أهمية الشفافية في ظل التحديات التي تواجه سمعة النظام المالي العراقي وقدرته على جذب الاستثمارات… ؛ فقد أدرجت مجموعة العمل المالي (FATF) العراق ضمن قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة، المعروفة بالقائمة الرمادية، في حزيران/يونيو 2026، على خلفية أوجه قصور في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.. , ويعني هذا التصنيف أن العراق ملتزم بمعالجة أوجه القصور المحددة ضمن خطة عمل متفق عليها، ولا يعني تلقائياً أن جميع معاملاته المالية غير مشروعة أو أن الاستثمار فيه مستحيل.
ومع ذلك، فإن استمرار أوجه القصور في الرقابة المالية، وضعف مكافحة غسل الأموال، وتراجع الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل قد تزيد كلفة التعاملات، وتفرض تحديات أمام المصارف والشركات والمستثمرين. فالمستثمر لا يبحث عن الموارد الطبيعية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى قضاء فعّال، وقواعد مستقرة، ومؤسسات رقابية موثوقة، وبيئة تضمن المنافسة العادلة وتحمي الأموال من الفساد والمخاطر القانونية.
ومن ثم، فإن الحديث عن تنشيط القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح القطاع المصرفي، وتحسين الحوكمة، ومحاسبة المتورطين في الفساد، وتطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.. , ولا يجوز، في المقابل، تحويل الوقائع المتعلقة بالقصور الرقابي أو العقوبات المفروضة على جهات بعينها إلى اتهامات جماعية غير مثبتة بحق المصارف أو المؤسسات أو الأشخاص.
أما الربط بين إدراج العراق في القائمة الرمادية وبين فرض ضغوط مالية متعمدة لإجباره على الاقتراض والخضوع لإملاءات خارجية، فهو فرضية سياسية تحتاج إلى أدلة مستقلة ووثائق واضحة، ولا يكفي تزامن الأحداث لإثباتها… ؛ و من حقنا أن يطرح الأسئلة بشأن السيادة الاقتصادية، لكن الحقيقة تقتضي الفصل بين الوقائع المثبتة والتفسيرات المحتملة.
فالسيادة الاقتصادية لا تُصان بالشعارات وحدها، بل ببناء اقتصاد منتج، ونظام مالي شفاف، ومؤسسات قادرة على حماية المال العام، وتقليل الحاجة إلى التمويل الخارجي.. , وكلما ضعفت هذه الأسس، تقلصت قدرة الدولة على المناورة، وأصبحت خياراتها أكثر ارتباطاً بشروط الأسواق والجهات الممولة.
# المشكلة في نموذج الحكم لا في سعر الصرف وحده
إن أزمة العراق المالية أعمق من قرار يتعلق بالدولار، وأوسع من مفاضلة بين الاقتراض وخفض قيمة العملة.. , إنها أزمة نموذج اقتصادي لم ينجح حتى الآن في تحويل الموارد الطبيعية الهائلة إلى قاعدة إنتاجية متنوعة ومستدامة.
فالاقتصاد الذي يعتمد على النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات، ويستورد نسبة كبيرة من احتياجاته، ويعجز عن توفير فرص عمل منتجة تتناسب مع إمكاناته البشرية، يبقى معرضاً للاهتزاز كلما انخفضت الإيرادات أو تعطلت الصادرات أو اضطربت الأسواق الإقليمية والدولية.
ولا يمكن معالجة هذا الخلل من خلال رفع سعر الصرف وحده، أو زيادة الضرائب، أو الاقتراض المتكرر، أو تقليص بعض النفقات بصورة عشوائية.. , بل يتطلب الأمر خطة متكاملة لإصلاح المالية العامة، وتطوير الصناعة والزراعة، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتحديث الإدارة الضريبية والجمركية، ومراجعة الإنفاق الحكومي، ومكافحة الفساد، وربط الإنفاق العام بأهداف إنتاجية قابلة للقياس.
كذلك، ينبغي أن تكون أي مفاوضات مع الجهات الدولية بشأن التمويل قائمة على تقييم دقيق للمصالح الوطنية، وأن تُعلن للرأي العام طبيعة الالتزامات المحتملة وآثارها الاجتماعية.. , وإذا تضمنت البرامج المقترحة إجراءات تتعلق بالأجور أو الدعم أو الضرائب، فيجب تقييمها بنداً بنداً، وعدم تقديمها مسبقاً على أنها شروط مؤكدة قبل نشر الاتفاقات أو الوثائق الرسمية ذات الصلة.
فالإصلاح المالي الحقيقي لا يعني نقل العبء من الموازنة العامة إلى جيوب المواطنين، ولا يعني حماية الأرقام على الورق مع ترك المجتمع يواجه ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.. , بل يعني معالجة أسباب الخلل، وتوزيع الأعباء بعدالة، وضمان أن تتحمل الفئات القادرة والمؤسسات المستفيدة من المال العام مسؤولياتها، بدلاً من تحميل محدودي الدخل كلفة أخطاء لم يشاركوا في صنعها.
# ماذا تريد الأمة العراقية من حكومتها؟
إن أول ما يحتاج إليه العراق اليوم هو استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.. , وهذه الثقة لا تُستعاد بخطاب متلفز، أو وعد جديد، أو تبرير يختزل الأزمة في خيارين أحلاهما مرّ؛ بل بإعلان الحقائق المالية كاملة، وتقديم بيانات دقيقة عن حجم الدين الداخلي والخارجي، وآجال استحقاقه، والفوائد المترتبة عليه، ومقدار ما يُنفق سنوياً على خدمته، وحجم العجز الفعلي، والتوقعات المتعلقة بالإيرادات النفطية وغير النفطية.
كما ينبغي توضيح الأسس التي استند إليها قرار تعديل سعر الصرف، والنتائج التي تتوقعها الحكومة، والإجراءات التي ستتخذها للحد من ارتفاع الأسعار، وحماية الرواتب الحقيقية، ومراقبة الأسواق، ومنع استغلال القرار لرفع الأسعار بصورة غير مبررة.
وفي الوقت نفسه، لا بد من مراجعة أولويات الإنفاق العام، وتقليص الهدر، ومكافحة الفساد، وإخضاع العقود والمشاريع لرقابة مستقلة، وتوجيه الموارد نحو القطاعات التي تخلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.. , فليس من المقبول أن تبقى الدولة أسيرة الإيرادات النفطية، فيما تتعطل إمكانات الزراعة والصناعة والسياحة وسائر الأنشطة القادرة على تنويع مصادر الدخل.
ولا بد أيضاً من التعامل مع المواطن بوصفه شريكاً في الدولة، لا مجرد جهة تتحمل تبعات القرارات.. , فالمصارحة ليست ضعفاً، والاعتراف بصعوبة الأوضاع ليس فشلاً، وإنما الفشل الحقيقي هو إخفاء المعلومات، وتبديل التبريرات، وطلب التضحيات من الناس من دون أن يروا إصلاحاً موازياً في أداء المؤسسات وإدارة المال العام.
إن المناصب السياسية مؤقتة، أما آثار الديون والقرارات الاقتصادية الخاطئة فقد تمتد سنوات بل عقود طويلة، وتنتقل أعباؤها إلى أجيال لم تشارك في صنعها.. , ولهذا، فإن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على تدبير أزمة اليوم، بل تشمل حماية قدرة العراق على الإنتاج والنمو، وصون حقوق مواطنيه، وترك اقتصاد أكثر استقراراً لمن سيأتون بعدنا.
فهل يكون خفض قيمة الدينار بداية إصلاح حقيقي يعالج جذور الأزمة، أم مجرد إجراء يؤجل الانفجار وينقل كلفته إلى المواطن؟ وهل يكون الاقتراض، إن حدث، وسيلة لبناء اقتصاد منتج، أم حلقة جديدة في سلسلة الالتزامات المتراكمة؟
إن الإجابة لا يحددها الخطاب الحكومي، بل تحددها الأرقام المعلنة، والقرارات المدروسة، والنتائج الملموسة، ومدى استعداد السلطة لتحمل مسؤوليتها ومحاسبة المقصرين.
فالعراق لا تنقصه الموارد بقدر ما يحتاج إلى إدارة رشيدة لها، ولا تنقصه الوعود بقدر ما يحتاج إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ولا يحتاج إلى نقل الأزمة من باب إلى آخر بقدر حاجته إلى معالجة أسبابها من الجذور.
إن الوطن ليس منصباً يتشبث به صاحبه، ولا موازنة تُضبط أرقامها على حساب الفقراء، ولا ديناً يُرحَّل من حكومة إلى أخرى؛ الوطن مسؤولية، والمال العام أمانة، ومستقبل الأجيال ليس ثمناً يجوز دفعه لتأجيل استحقاقات الإصلاح.



