
المحامي عبد المجيد محمد*
لم تعد الأزمة التي تواجهها إيران مجرد أزمة اقتصادية عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات نقدية أو وعود حكومية، بل أصبحت أزمة متعددة الأبعاد تتداخل فيها العقوبات الدولية، وتداعيات الحرب، وتراجع الإيرادات النفطية، والتضخم المتصاعد، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين. وفي ظل هذه الظروف، يجد النظام الإيراني نفسه أمام خيارات محدودة وتحديات تتجاوز قدرته على المعالجة بالوسائل التقليدية.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية الأخيرة عن حجم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني. فقد أفادت تقارير بأن الريال فقد نحو 35% من قيمته مقابل الدولار منذ يوليو/تموز 2026، فيما بلغ معدل التضخم السنوي، وفق بيانات رسمية، 73.6% في سبتمبر/أيلول، ووصل التضخم على أساس سنوي مقارن إلى 89.8%. وهذه الأرقام، على اختلاف دلالاتها الإحصائية، تعكس اتساع موجة الغلاء وتراجع قيمة الدخول والمدخرات .
لكن الأرقام وحدها لا تكشف كامل المأساة. فخلفها تقف أسر تجد صعوبة متزايدة في تأمين الغذاء والدواء والإيجار، ومواطنون يضطرون إلى تقليص مشترياتهم والتخلي عن بعض احتياجاتهم الأساسية. وقد أشارت تقارير صحفية إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، وإلى تراجع قدرة قطاعات من المجتمع على تحمل تكاليف المعيشة. كما تواجه الشركات والمتاجر ضغوطا متزايدة، مع تقلص هوامش الأرباح وتراجع الإنفاق الاستهلاكي، الأمر الذي يهدد فرص العمل ويعمّق حالة عدم اليقين الاقتصادي.
وتزداد الصورة تعقيدا مع الضغوط المفروضة على صادرات النفط الإيرانية. فقد أشارت بيانات نقلتها رويترز عن شركة “فورتكسا” إلى توقف صادرات النفط الخام المنقولة بحرا خلال جزء من سبتمبر/أيلول، في ظل الحصار والقيود المفروضة على إيران. ومع ذلك، لا يعني هذا توقف جميع الصادرات الإيرانية؛ إذ تمكنت البلاد من تصدير كميات محدودة من منتجات أخرى. لكن تقلص الإيرادات النفطية، إذا استمر، يضعف قدرة الدولة على توفير العملة الأجنبية وتمويل احتياجاتها والتخفيف من آثار الأزمة.
ولا تقف التوقعات الاقتصادية عند حدود التضخم وتراجع العملة. فقد توقع صندوق النقد الدولي، في تقديرات نُشرت في يوليو/تموز 2026، انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4% خلال العام نفسه. ويعني الانكماش، إذا تحقق، تقلص النشاط الاقتصادي في وقت يحتاج فيه المجتمع إلى فرص عمل ودخول مستقرة وخدمات عامة أكثر قدرة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
سياسياً، تضع هذه التطورات النظام الإيراني أمام معادلة شديدة الصعوبة. فمعالجة الأزمة تتطلب موارد مالية وثقة عامة وسياسات اقتصادية فعالة، بينما تؤدي الحرب والعقوبات وتراجع الإيرادات إلى تقليص هامش المناورة. كما أن ضخ الأموال لدعم العملة أو اتخاذ إجراءات نقدية مؤقتة قد يخفف بعض الضغوط، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة أسباب الأزمة البنيوية، ولا سيما إذا استمرت العزلة الاقتصادية وتراجعت الاستثمارات والإنتاج.
وتكمن الخطورة في أن الأزمة المعيشية لا تبقى محصورة في الأسواق والمؤشرات المالية؛ فهي تمس علاقة المجتمع بالدولة، وتختبر قدرة المؤسسات على إقناع المواطنين بأن التضحيات ستؤدي إلى تحسن ملموس. وكلما اتسعت الفجوة بين الوعود الرسمية والواقع اليومي، ازدادت احتمالات السخط الاجتماعي وتراجعت الثقة بالسياسات المتبعة. غير أن حجم هذا السخط ومساراته السياسية لا يمكن الجزم بهما مسبقاً، كما لا يجوز اعتبار الضائقة الاقتصادية وحدها دليلاً حتمياً على قرب انهيار النظام.
إن إيران تقف اليوم أمام أزمة مركبة، تتشابك فيها الاختلالات الاقتصادية مع الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية. وقد يتمكن النظام من كسب الوقت عبر إجراءات جزئية أو حلول مؤقتة، لكن استعادة الاستقرار تتطلب معالجة أعمق لأسباب التضخم وتدهور العملة وضعف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب تغيير الظروف التي تعمّق العزلة وتستنزف الموارد.
وفي المحصلة، لا تكمن المشكلة في أن إيران تواجه مرحلة اقتصادية صعبة فحسب، بل في أن قدرة النظام على احتواء تداعياتها أصبحت موضع اختبار متزايد. وكلما طال أمد الأزمة من دون حلول ملموسة، ازدادت كلفة استمرارها على المجتمع والدولة معا، وضاق المجال المتاح أمام السلطات للمناورة. أما المستقبل، فسيظل مرتبطاً بمدى قدرة النظام على تغيير سياساته، وبالتطورات الإقليمية والدولية التي ستحدد ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو الاحتواء أم نحو مزيد من التفاقم.
الكاتب الحقوقي والخبير في الشؤون الإيرانية – ناشط في مجال حقوق الإنسان






