
سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
بعد 45 عاماً على آخر استضافة، عادت بغداد لتستضيف الدورة 52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي يومي 17-18 تشرين الأول 2026 بمشاركة 55 دولة و22 وزير خارجية واعتماد “إعلان بغداد”، الحدث بحد ذاته يتجاوز البروتوكول.
العراق الذي ترأس قبل أشهر القمة العربية، يتسلم الآن رئاسة مجلس منظمة التعاون من تركيا، وفي الوقت نفسه يعلن وزير خارجيته فؤاد حسين من نفس المنصة: “نعمل على عقد اجتماع في بغداد بين إيران ودول الخليج” في إطار مبادرة 6+1.
هذه اللحظة تلخص محاولة عراقية واضحة للانتقال من تعريف “ميدان لتنافس القوى” إلى تعريف “وسيط ومنظم للترتيبات الأمنية الإقليمية”. السؤال ليس عن الرغبة، بل عن القدرة والتناقضات البنيوية.
أولاً: لماذا يُقبل دور الوسيط العراقي الآن؟
1. رأس المال الجغرافي السياسي النادر، فالعراق هو الدولة الوحيدة التي تحتفظ بقنوات عمل مفتوحة في آن واحد مع طهران وواشنطن، مع الرياض وأنقرة، ومع دمشق وبيروت. هذا لم يكن متاحاً للسعودية أو قطر أو عُمان بذات الدرجة خلال سنوات القطيعة.
2. درس الحرب الأخيرة: تداعيات الحرب الأخيرة على الملاحة في الخليج ومضيق هرمز جعلت الحاجة لحوار أمني خليجي – إيراني وجودية، وليست ترفاً دبلوماسياً.
بغداد قدمت نفسها كمساحة محايدة أقل تهديداً من مسقط أو الدوحة بالنسبة لجميع الأطراف.
3. شرعية الاستضافة متعددة الأطراف: طرح العراق ورقة مفاهيمية لإنشاء منتدى سنوي للحوار وشبكة خبراء للإنذار المبكر وآليات وساطة داخل المنظمة. هذا تحول من وساطات ثنائية سرية (كما فعل بين السعودية وإيران 2021-2023) إلى محاولة مأسسة الدور تحت غطاء إسلامي وأممي، بحضور نائبة الأمين العام للأمم المتحدة كضيفة شرف.
ثانياً: هل يمتلك العراق مقومات تجاوز الوساطة المؤقتة؟
لينتقل من “ساعي بريد” إلى “مشارك في صياغة الترتيبات”، يحتاج لثلاثة مقومات لا تزال ناقصة:
أ. الاستقلالية الاستراتيجية: صياغة الترتيبات الأمنية تتطلب قدرة على تقديم ضمانات. العراق لا يزال يعتمد على طرف خارجي في أهم مجالين حيويين يفترض أن يكونا أساس تفاوضه: الأمن (الاعتماد على التحالف الدولي والغطاء الجوي الأمريكي، واستمرار وجود فصائل مرتبطة بإيران)، والطاقة (استيراد الغاز والكهرباء من إيران مع استثناءات أمريكية).
ب. وحدة القرار: المبادرة التي طرحها فؤاد حسين (اجتماع 6+1) تعكس رؤية وزارة الخارجية، لكن السياسة الخارجية العراقية لا تزال موزعة بين مراكز قوى: رئاسة الوزراء، الإطار التنسيقي، إقليم كردستان، وفصائل مسلحة تملك حق النقض الميداني.
الوسيط الذي لا يضمن ضبط ساحته الداخلية لا يمكنه ضمان اتفاق إقليمي.
ج. أدوات اقتصادية أمنية: دول الخليج تدخل أي ترتيب أمني بمنطق الاستثمار والردع.
العراق يطرح التعاون في التجارة والطاقة والنقل والأمن الغذائي والمائي، لكنه لا يملك فائض ردع أو فائض استثمار يفرض به مقعداً دائماً، بل يطلب الاستثمار لنفسه.
ثالثاً: ثلاث تناقضات تعترض المسار
1. تناقض الحياد المعلن والانحياز البنيوي: بغداد تريد أن تكون سويسرا المنطقة، لكنها في نظر الخليج قريبة جداً من طهران، وفي نظر طهران قريبة جداً من واشنطن. هذا ما جعلها مقبولة كوسيط، لكنه نفسه ما يجعلها مرفوضة كضامن.
2. تناقض الدعوة للأمن الإقليمي بمرجعية إقليمية، والارتهان للأمن الدولي: يقول حسين “من واجب دول المنطقة أن تطرح المبادرات كونها أصحاب المصلحة”. وهي جملة صحيحة سياسياً، لكنها تصطدم بواقع أن أمن العراق نفسه لا يزال يُدار عبر آليات دولية. لا يمكنك الدعوة لإخراج الأمن الإقليمي من التدويل وأنت تستدعي التدويل لحماية أمنك الداخلي.
3. تناقض الطموح المؤسسي والقدرة المؤسسية: إنشاء منتدى سنوي وشبكة إنذار مبكر يتطلب ذراعاً بحثياً ودبلوماسياً محترفاً ومستقراً. الدبلوماسية العراقية لا تزال تدار بمنطق الأزمات، بلا مركز دراسات استراتيجية تابع للخارجية ينتج أوراق تفاوض قابلة للتنفيذ.
وسيط مُيسِّر وليس مهندساً هذا هو
العراق اليوم فهو قادر على أن يكون الميسِّر الذي لا غنى عنه، لكنه غير قادر بعد على أن يكون المهندس الذي يفرض التصميم.
السيناريو الأكثر واقعية ليس أن تتحول بغداد إلى قوة صياغة منفردة، بل إلى شريك في “هندسة جماعية” مع عُمان والسعودية: بغداد تقدم الأرض والشرعية الجغرافية، ومسقط تقدم خبرة القنوات الخلفية، والرياض تقدم الضمانات المالية والسياسية، وطهران تقدم التنازل الأمني المطلوب في مضيق هرمز.
نجاح الدورة 52 ورسالتها “بغداد آمنة وتحتضن جميع الدول” هي خطوة رمزية مهمة لكسر عزلة العراق، لكن تحويل الرمز إلى نظام أمني مستدام يتطلب من العراق أولاً أن يرتب بيته الداخلي: حصر السلاح،توحيد الخطاب الخارجي، وتحويل الاعتماد على الخارج من نقطة ضعف إلى ورقة تفاوض.





