أكتوبر 26, 2026
منى الجبوري

منى سالم الجبوري

في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية التي تقودها روسيا وباكستان وقطر، واستمرار المراوحة الإيرانية بين احتمالات المواجهة العسكرية ومتطلبات التفاوض، تكتسب التحركات السياسية داخل هرم السلطة في طهران دلالات تتجاوز حدود اللقاءات البروتوكولية. وفي هذا السياق، يثير اللقاء الذي جمع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بمجتبى خامنئي تساؤلات بشأن أولويات النظام الإيراني، وحساباته في مواجهة الضغوط الخارجية والتحديات الداخلية المتفاقمة.

فبينما تحاول وسائل الإعلام المحسوبة على النظام تقديم التحركات الدبلوماسية الإقليمية باعتبارها دليلا على تراجع سياسة العزل الدولي، تبدو هذه القراءة أقرب إلى محاولة صناعة انطباع بالنفوذ والقدرة على المناورة، منها إلى تقديم مؤشرات حاسمة على انفراج سياسي حقيقي. فمجرد تعدد الوساطات لا يعني بالضرورة نجاحها، كما أن انخراط أطراف إقليمية ودولية في جهود التهدئة لا يثبت أن طهران قد تجاوزت أزماتها أو استعادت هامش المبادرة الذي تسعى إلى إظهاره.

لكن الدلالة الأبرز للقاء قاليباف ومجتبى خامنئي تكمن في طبيعة القضايا التي جرى التشديد عليها، ولا سيما الحفاظ على التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، ومواصلة الحضور الميداني، والتعاون الحكومي والبرلماني لمعالجة المشكلات الاقتصادية والمعيشية. فهذه الأولويات، في ظل الظروف الراهنة، لا يمكن فصلها عن مخاوف السلطة من تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ومن احتمال تحول السخط المتراكم إلى موجة احتجاجات يصعب احتواؤها.

ويكتسب الحديث عن “الحضور الواعي والرادع في التجمعات الميدانية” أهمية خاصة؛ إذ إن استخدام مفردة الردع في سياق الحديث عن الحضور الشعبي يثير تساؤلات حول طبيعة الدور المطلوب من هذه التجمعات: هل المقصود التعبير عن التضامن الوطني، أم إظهار القدرة على ضبط الشارع ومواجهة أي تحرك احتجاجي محتمل؟ إن الفارق بين الأمرين جوهري، لأن الوحدة الوطنية التي تنشأ من الثقة والرضا الاجتماعيين تختلف جذريا عن حالة التماسك التي تحاول السلطة فرضها عبر التعبئة السياسية والأمنية.

ولا تبدو الأزمة الاقتصادية أقل خطورة من الضغوط الخارجية. فالتضخم وتراجع القدرة الشرائية وتفاقم الأعباء المعيشية عوامل لا يمكن احتواؤها بمجرد التصريحات أو الوعود الحكومية. كما أن اللجوء إلى حلول مالية قصيرة الأجل، من دون إصلاحات تعالج الاختلالات البنيوية، قد يمنح السلطة متنفسا مؤقتا، لكنه ينطوي على مخاطر تعميق الأزمة إذا أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات.

من هنا، يجد مجتبى خامنئي، في ظل هذه المعادلة المعقدة، نفسه أمام خيارات محفوفة بالمخاطر. فالمضي في مسار التفاوض، إذا استلزم تقديم تنازلات مؤلمة، قد يثير اعتراض أجنحة متشددة داخل النظام، ويطرح تساؤلات بشأن جدوى السياسات التي دافع عنها طوال السنوات الماضية. أما استمرار المواجهة وتصعيد التوتر، فيحملان كلفة اقتصادية وسياسية واجتماعية قد تتجاوز قدرة السلطة على التحكم بنتائجها.

غير أن اختزال المأزق في ثنائية الحرب أو التفاوض لا يكفي لفهم عمق الأزمة؛ فالمشكلة لا تتعلق فقط بالقرار الذي ستتخذه القيادة، بل أيضا بقدرة النظام على معالجة أسباب الاحتقان الداخلي. وحتى إذا نجحت الوساطات في تجنب مواجهة عسكرية واسعة، فإن ذلك لن يضمن تلقائيا استقرارا مستداما ما لم تترافق التهدئة الخارجية مع معالجة جدية للأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، يظل تصاعد القمع واللجوء إلى الإعدامات وتكثيف الإجراءات الأمنية مؤشرات تستحق المتابعة، لما قد تعكسه من اعتماد متزايد على أدوات الردع في مواجهة التحديات الداخلية. فالتجارب السياسية تظهر أن القمع قد يحد من الاحتجاجات في المدى القصير، لكنه لا يزيل بالضرورة أسبابها، بل قد يراكم مشاعر الغضب ويعمق الهوة بين السلطة وقطاعات من المجتمع.

وعليه، فإن لقاء قاليباف ومجتبى خامنئي لا يشكل، في حد ذاته، دليلا قاطعا على قرب اندلاع انتفاضة جديدة، لكنه يتيح قراءة أولويات النظام في مرحلة شديدة الحساسية. فحين تتصدر مفردات التماسك الاجتماعي والحضور الميداني ومعالجة الأعباء المعيشية الخطاب الرسمي، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت القيادة تستعد لاحتواء أزمة قائمة، أم تحاول استباق أزمة تخشى اتساعها.

إن جوهر المأزق الإيراني لا يكمن في تعدد الضغوط الخارجية وحده، بل في تداخلها مع أزمة داخلية لا يمكن تجاوزها بالخطاب التعبوي أو الإجراءات الأمنية المؤقتة. وقد تنجح السلطة في تأجيل بعض الاستحقاقات، لكنها ستظل عاجزة عن ضمان الاستقرار ما دامت الأسباب التي تغذي السخط الشعبي قائمة. فالقوة السياسية لا تقاس بقدرة النظام على حشد أنصاره أو احتواء خصومه فحسب، بل بقدرته على كسب ثقة المجتمع والاستجابة لتطلعاته. ومن دون ذلك، ستبقى كل تسوية خارجية معرضة للاهتزاز، وكل مظاهر التماسك الرسمي محكومة باختبار الواقع الاجتماعي.