
حين تأكل أوروبا نفسها شتاء القارة العجوز بدأ من الداخل
بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
قد لا يكون الخطر الأكبر الذي يهدد أوروبا قادما من حدودها بل من داخلها. فالقارة التي بنت واحدة من أكثر منظومات الرفاه والاستقرار تقدما في العالم بدأت تواجه مفارقة قاسية اقتصاد يتراجع ومجتمعات تتوتر وسكان يشيخون ودول تنفق أكثر لتبقي نموذجها الاجتماعي واقفا. لم تعد أوروبا تواجه عاصفة عابرة بل بدأت تكتشف أن الأساسات التي حملت ازدهارها لعقود لم تعد بالصلابة نفسها والأخطر من ذلك أن الأزمات لم تعد منفصلة عن بعضها. فارتفاع تكاليف المعيشة يضغط على الطبقة الوسطى والشيخوخة تستنزف أنظمة التقاعد والهجرة تضع المجتمعات أمام أسئلة صعبة حول الاندماج والهوية وسوق العمل بينما يتراجع الوزن الصناعي في عالم يزداد تنافسا. وكل أزمة من هذه الأزمات تغذي الأخرى حتى يصبح ما كان يوما استثناء اقتصاديا أو اجتماعيا جزءا من مشهد دائم.
إن أوروبا لا تسقط فجأة ولا تنهار بين ليلة وضحاها. الأخطر هو أن تتآكل ببطء وهي ما تزال تبدو قوية من الخارج. فالدول قد تحتفظ بمؤسساتها وأسواقها وعملاتها وجيوشها بينما تتراجع الثقة في قدرتها على حماية المستقبل وتأمين مستوى الحياة الذي اعتادت عليه أجيالها وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية
المشكلة الأوروبية لم تعد في كيفية عبور أزمة اقتصادية جديدة بل في كيفية إعادة بناء نموذج كامل أصبح أكثر كلفة وأقل قدرة على المناورة في عالم تغيرت قواعده.
اقتصاديا تواجه أوروبا ضغوطا متزايدة على قدرتها التنافسية في مواجهة الولايات المتحدة والصين والأسواق الصاعدة. وتراجعت بعض عناصر القوة التي قامت عليها الصناعة الأوروبية لعقود وفي مقدمتها الطاقة الرخيصة وسلاسل الإمداد المستقرة والقدرة على الجمع بين الإنتاج المرتفع والحماية الاجتماعية الواسعة. ومع ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج أصبحت قطاعات صناعية أمام سؤال صعب يتعلق بجدوى البقاء والاستثمار داخل القارة.
لكن الخطر الأكبر لا يظهر في المصانع وحدها بل في الطبقة الوسطى.
حين تتراجع القدرة الشرائية وترتفع كلفة السكن والطاقة والخدمات يصبح المواطن أقل اهتماما بمؤشرات الاقتصاد الكلي وأكثر انشغالا بسؤال بسيط هل ما زالت الدولة قادرة على ضمان مستوى الحياة الذي اعتاد عليه
وهنا تلتقي الأزمة الاقتصادية مع الأزمة الديموغرافية فأوروبا تتقدم في العمر بينما تتراجع نسبة السكان في سن العمل مقارنة بأعداد المتقاعدين وهذا يضع أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية أمام ضغط متصاعد خصوصا عندما تترافق الشيخوخة مع انخفاض معدلات الولادة وارتفاع كلفة الخدمات الصحية والاجتماعية
أما الهجرة فقد تحولت من ملف إنساني وإداري إلى قضية سياسية واجتماعية شديدة الحساسية فالقارة التي تحتاج إلى اليد العاملة في قطاعات متعددة تواجه في الوقت ذاته تحديات الاندماج وتفاوتا في قدرة الدول على استيعاب التدفقات الجديدة ومن هنا نشأت فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي الأوروبي وبين مخاوف قطاعات من المجتمعات المحلية هذه التناقضات لا تعني أن أوروبا تتجه حتما إلى الانهيار لكنها تعني أن النموذج القديم لم يعد قادرا على العمل بالآليات نفسها
الخطر الحقيقي ليس في أن تسقط أوروبا دفعة واحدة بل في أن تبدأ أزماتها بالتغذي من بعضها بعضا ضعف اقتصادي ينتج غضبا اجتماعيا والغضب يعيد تشكيل الخريطة السياسية والاستقطاب السياسي يعرقل الإصلاح بينما تؤدي الشيخوخة وتراجع الإنتاجية إلى تضييق هامش المناورة أمام الحكومات فالقارة التي بنت جزءا كبيرا من قوتها على مؤسسات مستقرة ورفاه اجتماعي واسع تحتاج اليوم إلى إعادة تعريف معنى القوة نفسها فالقوة لم تعد تقاس فقط بحجم الناتج أو عدد الشركات بل بقدرة الدولة على حماية الطبقة الوسطى وتجديد قاعدتها الإنتاجية وإدارة التحولات السكانية وتحويل الهجرة من مصدر توتر إلى عنصر منظم في الاقتصاد والمجتمع فأوروبا لا تواجه نهاية تاريخها لكنها تواجه نهاية مرحلة
والتحدي الحقيقي ليس منع الشظايا من السقوط بل منعها من التحول إلى مسار تفكك سياسي واجتماعي يصعب إيقافه
فالإمبراطوريات لا تبدأ دائما بالانهيار عند حدودها أحيانا يبدأ الارتداد من الداخل





