
راجي سلطان الزهيري
لم يعد المواطن العراقي يتحدث فقط عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية أو السكن أو النقل بل أصبح التعليم والصحة نفسيهما جزءاً من فاتورة الحياة الثقيلة.
فمن المدرسة إلى الجامعة ومن المركز الصحي إلى المستشفى يجد المواطن نفسه أمام واقع يتغير بسرعة: مؤسسات أهلية تنتشر وتتوسع ومؤسسات حكومية يعاني بعضها من نقص الإمكانات وتراجع مستوى الخدمات.
وهنا يطرح المواطن سؤالًا مشروعاً:
هل أصبح القطاع الحكومي عاجزاً عن أداء دوره، أم أن هناك خللا أعمق في طريقة إدارة التعليم والصحة في العراق؟
المدرسة الحكومية… عندما تصبح القرطاسية هماً آخر
في كثير من المناطق تشتكي عائلات من نقص أو تأخر بعض المستلزمات المدرسية ومن قدم بعض الكتب أو عدم كفايتها، ما يدفع الأهالي إلى شراء ما يحتاجه أبناؤهم من الأسواق والمكتبات.
وفي الوقت نفسه توسعت المدارس الأهلية وأصبحت خياراً تلجأ إليه عائلات عراقية كثيرة بحثاً عن بيئة تعليمية أفضل.
لكن هذا الخيار ليس مجانياً.
فالأسرة التي لديها أكثر من طفل قد تجد نفسها أمام أقساط سنوية متراكمة إضافة إلى تكاليف النقل والملابس والقرطاسية والدورات التعليمية.
والسؤال هنا:
هل أصبحت الأسرة العراقية مطالبة بدفع المال مرتين؟
مرة من خلال الضرائب والرسوم وما تتحمله الدولة من موازنات ومرة أخرى عندما تضطر إلى شراء التعليم أو الخدمات التي يفترض أن توفرها المؤسسات الحكومية؟
طفل في الصف الأول… ودورات لا تنتهي
حتى الدورات التعليمية أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للطفل العراقي.
دورات لغة وحاسوب وتقنية ومواد دراسية، وغيرها.
ولا مشكلة في أن يحصل الطفل على تعليم إضافي لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الدروس الخارجية ضرورة لتعويض ما لا يحصل عليه الطالب داخل المدرسة.
فهل وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها التعليم الموازي ضرورة وليس خياراً؟
شهادة بملايين… ثم كرسي في المنزل
الأكثر إيلاماً أن العائلة قد تنفق سنوات من المال والجهد على تعليم أبنائها ثم يصطدم الخريج بعد ذلك بجدار البطالة.
هنا لا تعود القضية قضية مدرسة أهلية أو جامعة أهلية فقط بل قضية منظومة كاملة:
تعليم مكلف ثم شهادة ثم انتظار طويل لوظيفة.
والنتيجة أن الأسرة تستدين من أجل تعليم ابنها، ثم تستمر في إعالته بعد التخرج لأنه لم يجد فرصة عمل.
فما قيمة الشهادة إذا لم ترتبط بمنظومة اقتصادية قادرة على خلق فرص العمل؟
المستشفيات الأهلية… العلاج لمن يستطيع الدفع
أما القطاع الصحي، فالقصة أكثر حساسية.
انتشار المستشفيات الأهلية وفّر خيارات علاجية جديدة، لكنه في الوقت نفسه جعل القدرة المالية عاملاً مهماً في تحديد الخيارات المتاحة أمام المريض.
وتتحدث عائلات عن تكاليف مرتفعة للمبيت والعمليات والأدوية والفحوصات وقد تصل كلفة بعض الحالات إلى ملايين الدنانير.
وهنا يقف المواطن محدود الدخل أمام سؤال مؤلم:
إذا لم أستطع دفع تكاليف المستشفى الأهلي، فأين أذهب؟
المستشفى الحكومي هو الخيار المتاح لكن بعض المواطنين يشتكون من نقص الأدوية والأجهزة والخدمات والكوادر أو من الاكتظاظ وطول الانتظار.
وبين هذا وذاك، يبقى المريض هو الحلقة الأضعف.
هل هناك إضعاف ممنهج للقطاع الحكومي؟
هذه أخطر نقطة في الملف ولذلك تحتاج إلى تحقيق رسمي بالأرقام والوثائق والقرارات.
ليس من المهني أن نقول إن هناك مخططاً ممنهجاً لتدمير التعليم والصحة الحكوميين من دون أدلة تثبت ذلك.
لكن من المشروع جداً أن نسأل:
لماذا تراجعت بعض الخدمات الحكومية بينما توسع القطاع الأهلي؟
ومن المستفيد من هذا الواقع؟
وهل الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة يحقق النتائج التي يفترض أن يحققها؟
وأين تذهب الأموال المخصصة لتطوير المدارس والمستشفيات؟
وهل توجد رقابة حقيقية على أسعار الخدمات الطبية والتعليمية الأهلية؟
هذه ليست أسئلة سياسية فقط بل أسئلة تمس حياة ملايين العراقيين.
لا نريد إلغاء الأهلي… نريد حكومياً لا يُجبر المواطن على الهروب
المشكلة ليست بالضرورة في وجود القطاع الأهلي.
فالمدارس والجامعات والمستشفيات الأهلية يمكن أن تكون جزءاً من أي نظام خدمي حديث، بشرط وجود رقابة حقيقية ومعايير واضحة وأسعار لا تستغل حاجة المواطن.
لكن المشكلة عندما يصبح الأهلي هو الخيار الوحيد أمام من يريد خدمة جيدة.
الدولة القوية ليست التي تمنع القطاع الخاص، بل التي تجعل مؤسساتها الحكومية قادرة على منافسته في الجودة والخدمة.
العراق لا يحتاج إلى ترقيع
ما يحتاجه العراق اليوم هو مشروع إصلاح حقيقي، لا حملة مؤقتة ولا تصريحات إعلامية.
مشروع يعيد بناء المدرسة الحكومية، ويطور المناهج، ويوفر الكتب والقرطاسية، ويرفع مستوى المعلم ويعيد للمستشفى الحكومي قدرته على العلاج ويوفر الأدوية والأجهزة والكوادر ويضع نظاماً صارماً لمراقبة المؤسسات الأهلية.
أما استمرار الوضع الحالي، فيعني أن الفقير سيبقى يدفع الثمن مرتين:
يدفع عندما يدرس أبناؤه ويدفع عندما يمرض أحد أفراد عائلته.
وفي بلد يمتلك ثروات وإمكانات وكفاءات بشرية هائلة، فإن السؤال لم يعد:
هل يستطيع العراق إصلاح التعليم والصحة؟
بل أصبح:
متى تبدأ الدولة بإصلاحهما فعلياً؟




