
نظام مير محمدي*
لم تعد سياسة الإعدامات المنهجية التي تنتهجها السلطة في إيران مجرد شأن داخلي يتعلق بإدارة الملف الأمني، بل تحولت إلى محور رئيسي يعيد صياغة علاقة طهران بالمجتمع الدولي، ولا سيما العواصم الأوروبية. فالتصاعد المستمر في تنفيذ الأحكام القاسية ضد السجناء السياسيين والنشطاء والمعترضين بات يشكل اختباراً حقيقياً لمصداقية الدبلوماسية الأوروبية ومدى جديتها في الدفاع عن حقوق الإنسان، في وقت تسعى فيه طهران لكسر عزلتها عبر مناورات دبلوماسية لا تطال جوهر انتهاكاتها الداخلية.
إستراتيجية الخوف وتصدير الأزمات
تعتمد السلطة في إيران على آلة القمع والإعدامات كأداة مركزية لفرض الهيمنة وإرهاب الشارع بعد كل هززة سياسية أو احتجاج شعبي واسع. فالمشنقة بالنسبة للنظام ليست عقوبة قانونية، بل هي خيار استراتيجي يهدف إلى تجميد الوعي الجمعي ومنع تبلور أي بديل سياسي منظم. غير أن هذه السياسة القائمة على العنف المفرط تفضح في الوقت ذاته هشاشة شرعية النظام وعجزه عن معالجة الأزمات البنيوية المتراكمة، سواء على الصعيد المعيشي أو الاقتصادي. إن محاولة تعويض العجز الكلي في إدارة شؤون الدولة عبر تصعيد عمليات الإعدام إنما تعكس مأزقاً هيكلياً لا يمكن تجاوزه بالحديد والنار.
الموقف الأوروبي: بين المصالح وضغوط القيم
في المقابل، تواجه العواصم الأوروبية امتحاناً أخلاقياً وسياسياً عسيراً حيال هذه الانتهاكات المنهجية. فعلى مدى سنوات، اقتصرت ردود الفعل الغربية في كثير من الأحيان على بيانات الإدانة والشجب الدبلوماسي، وهو ما قرأته طهران ضوءاً خضراً ضمنياً للاستمرار في انتهاكاتها. إن استمرار التعامل الدبلوماسي بمعزل عن ملف حقوق الإنسان والإعدامات يفقد السياسة الأوروبية مصداقيتها ويفرغ شعارات الديمقراطية من مضمونها. إن الفعالية الدبلوماسية الحقيقية تتطلب ربط أي تقدم في مسار العلاقات أو المفاوضات بوقف فوري وشامل لعقوبات الإعدام بحق السجناء السياسيين.
صمود السجناء وانهيار رواية النظام
وفي قلب هذه المعركة، يبرز صمود السجناء السياسيين ورفضهم الخنوع كعلامة فارقة تؤكد أن الإرادة الإنسانية قادرة على مواجهة آلة القمع. إن رسائل السجناء السياسيين المنددة بالإعدامات، وتضامن عائلات الضحايا، والمقاومة المستمرة داخل السجون وخارجها، تسقط الرواية الرسمية التي تستهدف تصوير المجتمع الإيراني خاضعاً ومستسلماً. هذا التحدي المدني والاجتماعي يثبت أن القمع مهما اشتد لن ينجح في اقتلاع جذور الرفض الشعبي للاستبداد.
السجون بوصفها مرآة للأزمة السياسية
تكتسب حملة «ثلاثاءات لا للإعدام» أهميتها من استمراريتها واتساع نطاقها؛ فالإضراب عن الطعام في 66 سجناً لا يقتصر على رفض أحكام الإعدام، بل يعكس أيضاً قدرة السجناء على إيصال صوتهم رغم القيود الأمنية والعقوبات فرضت عليهم. وتتجاوز دلالة هذه الحركة حدود السجون؛ إذ إن استمرارها يضع السلطة أمام معضلة سياسية وأخلاقية؛ فالتشدد في مواجهة السجناء قد يضاعف الانتقادات الدولية، بينما قد يؤدي اتساع التضامن معهم إلى تحويل قضاياهم إلى محور أوسع للاحتجاج على طبيعة النظام وسياساته.
وفي هذا السياق، يكتسب إعلان “ليوبولدو مالدونادو”، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، مشاركته التضامنية عبر إضراب عن الطعام لمدة 24 ساعة أهمية خاصة؛ فهو يسلط الضوء على انتقال قضية السجناء الإيرانيين من نطاق الاحتجاج الداخلي إلى دائرة الاهتمام الدولي، ويعزز الدعوات إلى وقف الإعدامات وإعادة النظر في الأحكام التي لا تستوفي معايير المحاكمة العادلة. كما أن التحذيرات المتعلقة بالمعتقلين السياسيين، واستحضار إعدامات السجناء السياسيين عام 1988، يعيدان طرح سؤال المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة وضرورة منع تكرارها. ولا يمكن معالجة هذا الملف بصورة مستدامة من دون ضمانات قضائية مستقلة، وشفافية في الإجراءات، وتحقيق جدي في ادعاءات التعذيب.
دبلوماسية التنديد ومحك الإجراءات العملية
إن مواجهة آلة الإعدامات في إيران لا تستقيم بالخطابات الدبلوماسية المعتادة وحدها. المطلوب اليوم هو تحرك دولي منسق وقوي يضع حداً لهذا النزيف المستمر. يجب على الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي تفعيل آليات الضغط الحقيقي، وفرض عقوبات مستهدفة على المسؤولين عن إصدار وتنفيذ هذه الأحكام الجائرة، وتحويل ملف الإعدامات إلى شرط أساسي في أي تفاوض مستقبلي.
اختبار المستقبل ومعركة البديل
لا تعني الإضرابات في 66 سجناً أو التوترات الدبلوماسية مع أوروبا أن انهيار النظام أصبح أمراً محسوماً؛ فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى مؤشرات أوسع تتعلق بتوازنات السلطة، واتساع الاحتجاجات الاجتماعية، ومواقف المؤسسات الأمنية، وقدرة المعارضة على بناء قاعدة سياسية واجتماعية مستدامة. لكن هذه التطورات تشير إلى أن القمع لا ينهي بالضرورة أسباب الاحتجاج، وأن كلفة الإعدامات قد تتجاوز آثارها المباشرة لتنعكس على صورة النظام وعلاقاته الدولية.
إن المخرج من هذه الأزمة لا يكمن في التصعيد الدبلوماسي أو تشديد العقوبات القضائية وحدهما، بل في وقف الإعدامات، وضمان المحاكمات العادلة، واحترام حرية التعبير والتنظيم، وإتاحة المجال أمام الإيرانيين لتقرير مستقبلهم السياسي بحرية. وفي هذا الإطار، تظل المعارضة المنظمة مطالبة بتحويل حالة الرفض إلى مشروع قابل للمساءلة، لا يكتفي بمواجهة السلطة القائمة، بل يوضح أيضاً طبيعة الدولة التي يسعى إلى بنائها.
خاتمة
إن المشنقة قد تنتزع حياة إنسان، لكنها لن تستطيع حسم الصراع لصالح النظام ولا إيقاف مسار التغيير. وإذا كانت السلطة تراهن على أن الخوف سيمنحها استقراراً أبدياً، فإن التاريخ يؤكد أن الأنظمة التي تبني بقاءها على جماجم مواطنيها هي الأقرب إلى السقوط. وحده الضغط الدولي الجاد، وتضافر الجهود الحقوقية والسياسية، يمكن أن يجعل من وقف الإعدامات واقعاً يحمي أرواح الأبرار ويعبد الطريق نحو مستقبل حر وديمقراطي لإيران.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني






