
منى الجبوري
ليس من السخرية السياسية في إيران اليوم أن يحاول نظام الملالي إقناع الإيرانيين بأنه حامي البلاد من عودة الاستبداد الملكي، بل إن السخرية الأكبر أن يظهر نجل الشاه المخلوع، رضا بهلوي، في صورة المنقذ المنتظر، وكأن الإيرانيين الذين أسقطوا نظام والده قبل عقود لم يفعلوا ذلك إلا لكي يعيدوه، أو يعيدوا أحد أفراد أسرته، إلى السلطة من نافذة جديدة.
إن المشكلة مع رضا بهلوي ليست أنه ابن الشاه فحسب، ولا أن اسمه يرتبط بمرحلة تاريخية مثقلة بالقمع وانتهاكات حقوق الإنسان، بل إنه يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه أحد أبرز بدائل النظام الإيراني، من دون أن ينجح في تبديد المخاوف من أن يتحول مشروعه إلى إعادة تدوير للحكم الفردي تحت غطاء شعارات ديمقراطية فضفاضة. فإيران ليست تركة عائلية، والشعب الإيراني ليس قطيعا سياسيا ينتظر عودة وريث العرش كي يحدد له مستقبله.
من حقك أن تعارض الملالي، لكن ليس من حقك أن تطلب من الإيرانيين تنصيبك شاها جديدا.
ديكتاتورية بالأمس.. وديمقراطية على المقاس اليوم
إن أخطر ما في حملة تسويق رضا بهلوي ليس مجرد استدعاء الحنين إلى الماضي، بل محاولة تحويل اسمه إلى بديل سياسي جاهز، وكأن امتلاك لقب الوريث يمنحه أفضلية على ملايين الإيرانيين الذين قاوموا الاستبداد، ودفعوا أثمانا باهظة من أجل الحرية، ولم يرثوا عروشا ولا ثروات ولا امتيازات سياسية.
فبأي حق يطلب من الإيرانيين منح الثقة لرجل لم ينتخبوه، ولم يفوضوه، ولم يخضع بعد لاختبار الحكم؟ وبأي منطق يفترض أن يكون انتماؤه إلى أسرة ملكية ميزة سياسية، في بلد عانى طويلا من تركيز السلطة في يد فرد واحد؟
إن رضا بهلوي مطالب، قبل أن يطالب الإيرانيين بالالتفاف حوله، بأن يجيب بوضوح عن أسئلة لا يمكن التهرب منها: هل يقبل أن يختار الإيرانيون نظاما جمهوريا ديمقراطيا لا يكون له فيه أي امتياز موروث؟ وهل يقبل أن يختار الشعب قيادة أخرى، حتى لو كانت معارضة لمشروعه؟ وهل يلتزم صراحة بأن تكون السلطة، في أي مرحلة انتقالية، خاضعة لإرادة الشعب ومؤسسات منتخبة، لا لطموحات شخصية أو أسرية؟
إن لم يكن قادرا على تقديم إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، فإن حديثه عن الديمقراطية يظل خطابا سياسيا يحتاج إلى اختبار، لا صك براءة يمنحه أنصاره سلفا.
حين تكمم الأفواه باسم الحرية
تزداد خطورة هذا المشروع عندما تترافق حملات الترويج له مع اتهامات بممارسة الرقابة والإقصاء بحق منتقديه.
فبحسب الشهادات الواردة في التقرير المتعلق بقناة “كلمة”، تحدث مؤسسها سيد عقيل هاشمي عن ضغوط لمنع بث برنامج حقوقي يتناول الإعدامات في إيران، وعن اعتراضات مرتبطة بمواقف الضيوف من رضا بهلوي. كما أشار إلى استخدام الضغوط المالية لمحاولة فرض توجه سياسي معين على المؤسسة.
إذا صحت هذه الوقائع، فإنها تكشف تناقضا فاضحا بين الدعوة إلى إسقاط الاستبداد وممارسة الإقصاء بحق من يرفضون تأييد وريث الشاه.
وهنا ينبغي توجيه السؤال إلى رضا بهلوي مباشرة: ما موقفك من هذه الممارسات؟ هل ترفضها علنا، وتؤكد أن انتقادك حق لا يجوز مصادرته، أم تكتفي بالاستفادة من حملات الترويج لك، حتى عندما تكون الأصوات المخالفة مستبعدة؟
إن الصمت عن ممارسات الإقصاء، إذا ثبتت الصلة بها أو الاستفادة منها، لا ينسجم مع ادعاء قيادة مشروع ديمقراطي. فالديمقراطية ليست أن تسمح للآخرين بمدحك، بل أن تحمي حقهم في مهاجمتك وانتقاد تاريخ أسرتك ورفض مشروعك السياسي.
والأخطر أن هذه الاتهامات تتعلق بمؤسسة دينية وإعلامية قيل إنها تأسست لخدمة مجتمع أهل السنة في إيران. فإذا تحولت أموال المتبرعين وثقتهم إلى أدوات ضغط لتسويق شخصية سياسية، فإن الأمر يتجاوز الخلاف على مستقبل الملكية إلى سؤال أخلاقي بشأن استغلال المؤسسات وحقوق المجتمعات التي تمثلها.
لا تغسلوا تاريخ الشاه بجرائم الملالي
إن جرائم الجمهورية الإسلامية لا تمنح نظام الشاه صك براءة، كما أن رفض ولاية الفقيه لا يفرض على الإيرانيين العودة إلى الملكية.
لقد دفع الإيرانيون ثمنا باهظا في مواجهة الاستبداد الديني، لكنهم ليسوا ملزمين بتجميل الاستبداد السابق كي يثبتوا عداءهم للاستبداد الحالي. ومن يريد أن يقود إيران نحو المستقبل عليه أن يواجه تاريخ أسرته بشجاعة، لا أن يستثمر كراهية النظام القائم لإعادة الاعتبار إلى الماضي.
وليس من الإنصاف تحميل رضا بهلوي شخصيا مسؤولية كل جريمة ارتكبها نظام والده، لكنه يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن توضيح موقفه من ذلك الإرث، وعن تبديد المخاوف من تكرار الحكم الفردي. فالتاريخ العائلي ليس جريمة موروثة، لكنه أيضا ليس امتيازا سياسيا يحق لصاحبه المطالبة به.
إن الإيرانيين لا يحتاجون إلى محاضرات عن الحرية من وريث عرش سابق، بل يحتاجون إلى ضمانات دستورية واضحة، ومؤسسات مستقلة، وانتخابات حرة، وتداول سلمي للسلطة، ومساواة كاملة بين القوميات والأديان والمكونات السياسية.
أما الشعارات التي تتحدث عن مرحلة انتقالية، بينما يرفع بعض أنصار الملكية شعارات تمجد بقاء الشاه إلى الأبد، فتستدعي سؤالا جوهريا عن طبيعة المشروع الذي يراد بناؤه. ولا يجوز اختزال هذا التناقض في كل أنصار رضا بهلوي، لكن من واجبه أن يوضح أين يقف من الحكم الوراثي، وألا يترك مستقبل البلاد رهينة التأويلات المتضاربة لأنصاره.
أهل السنة ليسوا حاشية لوريث العرش
إن محاولة استقطاب علماء أهل السنة وناشطيهم أو توظيف منابرهم في الترويج لرضا بهلوي، إذا صحت الاتهامات الواردة في التقرير، تمثل إساءة إلى استقلال هذا المجتمع وحقه في اتخاذ قراراته السياسية بحرية.
لقد عانى أهل السنة في إيران من التمييز والقيود، وهم أدرى من غيرهم بكلفة العيش تحت سلطة لا تمنح المواطنين حقوقا متساوية. لكن معاناتهم لا تجعلهم ملزمين بالانضمام إلى مشروع ملكي، ولا تمنح أي جهة الحق في التحدث باسمهم من دون تفويض.
إن من يطالب بحرية الإيرانيين لا يجوز له أن يتعامل مع أهل السنة أو الأكراد أو البلوش أو غيرهم باعتبارهم أرقاما في معادلة الوصول إلى السلطة. فهذه المكونات ليست أدوات في حملة سياسية، بل شركاء أصيلون في تقرير مستقبل البلاد.
إيران ليست ملكا لرضا بهلوي ولا لخامنئي
لقد أخفق نظام الملالي في بناء دولة تحترم الحريات وتضمن المساواة، ولا يمكن الدفاع عن استبداده أو تبرير جرائمه. لكن سقوط هذا النظام، إن تحقق، لن يكون انتصارا حقيقيا إذا انتهى إلى تسليم السلطة لشخص آخر على أساس النسب أو الرمزية التاريخية أو قدرة الحملات الإعلامية على صناعة الزعامة.
إن الإيرانيين لا يحتاجون إلى شاه جديد، بل إلى نظام لا يستطيع فيه أي شاه أو فقيه أو زعيم أن يحتكر السلطة أو يصادر حق المجتمع في اختيار حكامه.
ولذلك، فإن على رضا بهلوي أن يكف عن التعامل مع موقعه بوصفه بديلا طبيعيا أو مستحقاً للنظام القائم، وأن يقدم مشروعا واضحا يقبل فيه مسبقا بنتائج الإرادة الشعبية، حتى لو جاءت على خلاف طموحاته. أما أنصاره، فعليهم أن يدركوا أن مهاجمة الملالي لا تمنحهم حق تخوين كل من يرفض الملكية، وأن المعارضة الحقيقية للاستبداد تبدأ برفض تقديس الأشخاص وصناعة الزعماء فوق المساءلة.
إن إيران ليست ملكا لآل بهلوي، كما أنها ليست ملكا لآل الخميني أو لأي سلالة سياسية أو دينية. ومن يعتقد أن الإيرانيين أسقطوا استبدادا لكي يمنحوه فرصة إعادة إنتاج نفسه باسم الحرية، فهو لا يسيء إلى تاريخهم فحسب، بل يستخف بذكائهم وتضحياتهم أيضا.
لن تتحرر إيران باستبدال عمامة بتاج، ولا باستبدال حاكم موروث بحاكم موروث آخر. ستتحرر حين يسقط مبدأ الوصاية نفسه، وحين يصبح الشعب الإيراني صاحب الكلمة الأخيرة، لا رعايا ينتظرون أوامر الحاكم القادم.



