
شيخ جليل الحاج مطنش الساعدي
حين يبدأ العقل في البحث عن الحقيقة
لم يكن أخطر ما يهدد الانسان عبر التاريخ هو أن يجهل الأشياء، بل أن يعيش في وهم أنه يعرفها كلها. فالعقل الذي أغلق أبوابه أمام السؤال، يتحول من أداة للبحث عن الحقيقة الى سجن يحرس أوهامه بنفسه.
في أثينا القديمة، حيث كان الناس يتحدثون عن الفضيلة والعدالة والخير بثقة كبيرة، ظهر رجل لم يقدّم نفسه كحكيم، ولم يدع امتلاك الحقيقة، بل كان يحمل سلاحا بسيطا لكنه عميق الأثر
السؤال. كان ذلك الرجل هو سقراط.
لم يكن سقراط يسأل ليحرج التخرين أو ينتصر عليهم في النقاش، بل كان يسأل ليوقظ فيهم وعيا نائما. كان يريد أن يكشف لهم أن كثيرا مما يسمونه معرفة ليس الا اراء ورثوها، وعادات اعتادوا عليها، وأفكارا لم يجرؤوا يوما على اختبارها.
كانت حكمته العظيمة تبدأ من اعترافه: أعرف أنني لا أعرف
ولم يكن هذا الاعتراف ضعفا أو نقصا، بل كان قمة التواضع العقلي؛ لأن الانسان الذي يدرك حدود معرفته يفتح الطريق أمام التعلم، أما من يظن أنه يمتلك الحقيقة كاملة فانه يغلق عقله عن كل احتمال جديد.
فالجهل الحقيقي ليس أن تفتقد جوابا، بل أن ترفض السؤال. وليس أن تقول لا أعلم، بل أن تتظاهر بالمعرفة خوفا من مواجهة نقصك.
كان سقراط يرى أن أول خطوة نحو الحكمة هي معرفة النفس. فالانسان الذي لا يفهم دوافعه يصبح عبدا لرغباته، والذي لا يفحص أفكاره يعيش تابعا لأفكار لم يخترها بنفسه. ومن لا يملك شجاعة مراجعة قناعاته، قد يقضي حياته يدافع عن أوهامه بدل أن يبحث عن الحقيقة.
لهذا لم تكن فلسفة سقراط مجموعة من النظريات المجردة، بل كانت دعوة الى حياة مختلفة؛ حياة يقوم فيها الانسان بمحاسبة نفسه قبل محاسبة الاخرين، ويسأل قبل أن يحكم، ويبحث قبل أن يؤمن.
لم يكن السؤال عند سقراط علامة على الشك العقيم، بل طريقا نحو النضج. فالحقيقة لا تمنح لمن يطلب الراحة، بل لمن يملك الشجاعة ليواجه نفسه، حتى عندما تكون الاجابة مؤلمة أو تهدم الصورة التي بناها عن ذاته.
لقد رحل سقراط منذ قرون، لكنه ترك وراءه شيئا أعظم من الكتب والتماثيل؛ ترك لنا طريقة في النظر الى أنفسنا. جعل الانسان يقف أمام مراة عقله ويسأل:
هل أبحث عن الحقيقة فعلا، أم أبحث فقط عما يؤكد ما أريد تصديقه؟
وهل أعيش وفق ما أؤمن به، أم أنني أختبئ خلف أفكاري؟
فربما تبدأ الحكمة الحقيقية في اللحظة التي نملك فيها شجاعة قول كلمة واحدة.



