
د. فاضل حسن شريف
تكملة للحلقات السابقة جاء في تفسير الميسر: قال الله تعالى عن قرية “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ” ﴿الأنعام 123﴾ مجرميها: مجرمي اسم، ها ضمير، أكابِرَ مُجْرِميها: رؤساء و دعاة إلى الكفر، ومثل هذا الذي حصل مِن زعماء الكفار في مكة من الصدِّ عن دين الله تعالى، جعلنا في كل قرية مجرمين يتزعمهم أكابرهم، ليمكروا فيها بالصد عن دين الله. قوله سبحانه “قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ” ﴿النمل 34﴾ اذلة صفة، قالت محذرةً لهم من مواجهة سليمان بالعداوة، ومبيِّنة لهم سوء مغبَّة القتال: إن الملوك إذا دخلوا بجيوشهم قريةً عنوةً وقهرًا خرَّبوها وصيَّروا أعزَّة أهلها أذلة، وقتلوا وأسروا، وهذه عادتهم المستمرة الثابتة لحمل الناس على أن يهابوهم. قوله عز وجل “وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ” ﴿يوسف 82﴾ أقبلنا: أقبل فعل، نا ضمير، واسأل يا أبانا أهل مصر، ومَن كان معنا في القافلة التي كنا فيها، وإننا صادقون فيما أخبرناك به.
القرآن الكريم وفي سورة يس يتحدث عن أصحاب القرية وهم رسل مدينة انطاكية وهي من المدن المهمة لدى المسيحيين. أنطاكية واحد من أقدم مدن الشام التي بنيت حدود ثلاثمائة سنة قبل الميلاد. وكانت تعد من أكبر ثلاث مدن روسية في ذلك الزمان من حيث الثروة والعلم والتجارة. تبعد أنطاكية مائة كيلو متر من مدينة حلب، وستين كيلو متر عن الإسكندرية. أنطاكية تعتبر بالنسبة للنصارى كالمدينة المنورة بالنسبة للمسلمين، المدينة الثانية في الأهمية بعد بيت المقدس، التي ابتدأ المسيح عليه السلام منها دعوته، ثم هاجر من آمن بالمسيح عليه السلام بولس وبرنابا إلى أنطاكيا ودعوا الناس هناك إلي المسيحية، وبدأت تنتشر المسيحية هناك. يقول القرآن الكريم “وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ” (يس 13) وبعد ذلك العرض الإجمالي العام، ينتقل القرآن إلي تفاصيل الأحداث التي جرت فيقول “إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ” (يس 14) إن أسماء الإثنين شمعون ويوحنا والثالث بولس وبعضهم ذكر أسماء أخرى لهم. هناك أخذ ورد أنهم رسل الله تعالى، أم أنهم رسل المسيح عليه السلام ولا منافاة مع قوله تعالى “إِذْ أَرْسَلْنَا” (يس 14) اذ أن رسل المسيح أرسله الله تعالى أيضا، مع أن ظاهر القرآن ينسجم معه التفصيل الأول وإن كان لا فرق بالنسبة إلي النتيجة التي يريد أن يخلص إليها القرآن الكريم.). كان جواب أصحاب القرية عدواني الى المرسلين المبلغين في سورة يس “قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم” (يس 18). وكان رد المرسلين سلميا على أصحاب القرية في سورة يس “قالوا طائركم معكم ائن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون” (يس 19). ونتيجة اصحاب القرية الذين رفضوا اتباع رسل الله الثلاثة وحبيب النجار مؤمن آل يس “إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ” (يس 29). ولحبيب النجار مرقد في انطاكيا بتركيا.
في قصّة عزير أو أرميا “أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ” (البقرة 259). والله تعالى يقصم ظهر الظالم وقومه “وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ” (الانبياء 11). جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي قوله تعالى: قال الله تبارك وتعالى “وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ” ﴿الأنبياء 11﴾ قصمنا بمعنى اهلكنا او هشمنا، اي كم اهلكنا من قرية. القصم كسر الصلب قهرا، قصمه يقصمه قصما، فهو قاصم الجبابرة. جاء في الحديث الشريف (أَرْبَعَةٌ مِنْ قَوَاصِمِ الظَّهْرِ إِمَامٌ يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يُطَاعُ أَمْرُهُ وَ زَوْجَةٌ يَحْفَظُهَا زَوْجُهَا وَ هِيَ تَخُونُهُ وَ فَقْرٌ لَا يَجِدُ صَاحِبُهُ مُدَاوِياً وَ جَارُ سَوْءٍ فِي دَارِ).
جاء في التفسير الكاشف للشيخ محمد جواد مغنية: قال تعالى “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” (النحل 112). اختلف المفسرون في المراد بالقرية المذكورة في الآية: هل هي قرية معينة وموجودة بالفعل، أو انها فرضت على هذه الصورة لضرب المثل بها؟. ونقل الرازي عن أكثر المفسرين ان المراد بها مكة المكرمة ومهما يكن فإن هذه الأوصاف تنطبق على مكة وأهلها، فان الناس يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم، ولا يخافون الغزو والسلب والنهب، كما كان يخاف سائر العرب، ولا يحتاج أهلها ان ينتجعوا إلى البلدان، لأن الرزق كان يأتيها من كل مكان استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام “فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ” (ابراهيم 37) وقد كفر أهل مكة بأنعم اللَّه حيث كذبوا محمدا صلى الله عليه واله، وهموا بقتله، حتى اضطروه إلى الهجرة من بلده. وأصاب أهل مكة الجوع بدعاء رسول اللَّه صلى الله عليه واله عليهم، حيث قال: (اللهم أشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف). فاستجاب اللَّه دعوته، وأصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة والقراد والوبر معجونا بالدم، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، أما الخوف فقد زلزلت بهم الأرض سرايا رسول اللَّه صلى الله عليه واله. للقرية في اللغة معنيان: المكان الذي يجتمع فيه الناس، أي مكان لا يختص في بر ولا بحر، والمعنى الثاني مسكن النمل، وعلى هذا تكون المدينة من معاني القرية حقيقة، ولكن كثر استعمالها في البلد الصغير، فتغلب هذا المعنى على غيره من المعاني، بحيث إذا أطلق لفظ القرية فلا يفهم منه عرفا الا البلد الصغير. وقيل: ان المراد بالقرية هنا بيت المقدس. ومعنى الحط النزول والهبوط، ومعنى السجود وضع الجبهة على الأرض، والمراد به هنا معناه المجازي، وهو الخضوع والتواضع، لأن دخولهم الباب، وجبهتهم على الأرض، متعذر، فتعين الحمل على الخشوع، والرجز بكسر الراء الشيء القذر، والمراد به هنا العذاب.
يُنقل أنّ عيسى بن مريم عليهما السلام مرّ على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابّها فقال: أما إنّهم لم يموتوا إلّا بسخطة ولو ماتوا متفرّقين لتدافنوا، فقال الحواريّون: يا روح الله وكلمته أدع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها فدعا عيسى عليه السلام ربّه فنودي من الجو أن: نادهم فقام عيسى عليه السلام بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب: لبيك يا روح الله وكلمته. جاء في كتاب من هدي القرآن للسيد محمد تقي المدرسي: قوله تعالى “وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ” (الانبياء 11)، ثم يقول “وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ” (الانبياء 11)، فلماذا لا يقول القرآن وكم قصمنا من قوم وأنشأنا بعدهم قوماً آخرين؟ أو وكم قصمنا من قرية وأنشأنا بعدها قرى أخرى؟. والجواب هو حينما يقصم الله سبحانه وتعالى قرية فإنه لا يهلك أهلها فقط، ويترك العمارات والشوارع والمصانع سالمة، وإنما يدمر كل شيء فيها، مرة واحدة، وحينما ينشىء قوماً آخرين فإنه لا ينشىء معهم قراهم، ومعابدهم ومصانعهم، بل يخلقهم، وبعد ذلك يقول لهم: اسعوا في الأرض أي اصنعوا حضارتكم بأنفسكم، فهم المسؤولون عن بناء البيوت والشوارع وتأسيس المصانع.


