أكتوبر 30, 2026
اقتصاد-النظام-الإيراني-المنهار

عبد المجيد محمد*

تقرير صادم لصحيفة إيرانية يكشف عمق الأزمة الاقتصادية وفشل سياسات النظام
وصل الاقتصاد الإيراني في ظل حكم نظام ولاية الفقيه إلى مرحلة خطيرة من التدهور، باتت حتى وسائل الإعلام الصادرة داخل البلاد عاجزة عن إخفاء أبعادها. فقد كشفت صحيفة «جهان صنعت» الإيرانية، في تقرير نشرته بتاريخ 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استناداً إلى بيانات اقتصادية، عن واقع مأساوي تتزايد فيه الكتلة النقدية بوتيرة هائلة، بينما يتراجع الإنتاج، وتتقلص الاستثمارات، وتتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
إنها صورة لاقتصاد يطبع المزيد من النقود، لكنه يعجز عن إنتاج المزيد من الثروة الحقيقية.

انفجار السيولة النقدية وسط انكماش الاقتصاد
وفقاً لتقرير الصحيفة، ارتفعت السيولة النقدية في نهاية عام 2025 بنسبة 53.3 بالمئة، لتبلغ نحو 15.581 تريليون تومان، بينما قفزت القاعدة النقدية بنسبة 61.5 بالمئة إلى نحو 2.196 تريليون تومان، مقارنة بمعدل نمو بلغ 24.5 بالمئة في العام السابق.
وتكشف هذه الأرقام عن تفاقم الاختلالات الهيكلية وفشل السياسات النقدية للنظام. ففي الاقتصاد السليم، يُفترض أن يسهم التوسع المالي في تعزيز الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل. أما في إيران، فقد ترافق التوسع الهائل في الكتلة النقدية مع تراجع الاقتصاد الحقيقي.
وخلال عام 2025، انخفض الاستثمار الحقيقي في الآلات والمعدات بنسبة 5.7 بالمئة، ثم تفاقم التراجع ليبلغ 9.7 بالمئة في ربيع عام 2026. وهذا يعني أن المصانع تواجه صعوبات متزايدة في تحديث معداتها، وأن الطاقات الإنتاجية تتآكل تدريجياً، فيما يصبح مستقبل القطاع الصناعي أكثر غموضاً.

انكماش اقتصادي يتجاوز 10 بالمئة؛ إنذار بأزمة عميقة
من أخطر المؤشرات التي أوردها التقرير انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10.1 بالمئة خلال ربيع عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وحتى عند استبعاد القطاع النفطي، سجل الاقتصاد انكماشاً بنسبة 4.6 بالمئة، ما يؤكد أن الأزمة لا تقتصر على عائدات النفط، بل تمتد إلى الصناعة والتعدين والبناء والخدمات. وفي الوقت نفسه، تراجعت الصادرات الحقيقية للسلع والخدمات بنسبة 35.7 بالمئة، وانخفضت الواردات بنسبة 14.8 بالمئة، في مؤشر واضح على تدهور التجارة الخارجية وتزايد الضغوط على النشاط الاقتصادي.
وتعكس هذه التطورات تراكم الأزمات الناجمة عن سوء الإدارة الاقتصادية والعقوبات وعدم الاستقرار والقيود المفروضة على الإنتاج والتجارة؛ وهي تحديات عجز النظام عن إيجاد حلول مستدامة لها.
تضخم أسعار الغذاء بنسبة 90.7 بالمئة؛ ضربة قاسية لمعيشة الإيرانيين
تتجلى الكارثة الاقتصادية بصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى الأوضاع المعيشية للمواطنين.
فبحسب تقرير «جهان صنعت»، ارتفع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلك من 32.5 بالمئة في عام 2024 إلى 50.6 بالمئة في عام 2025، قبل أن يصل إلى نحو 62 بالمئة في ربيع 2026. لكن الأرقام المتعلقة بالغذاء أكثر خطورة؛ فقد بلغ معدل التضخم السنوي للمواد الغذائية 90.7 بالمئة، وهو مستوى كارثي يهدد الأمن المعيشي لملايين الإيرانيين.
ويعني ذلك أن أسعار المواد الأساسية ترتفع بوتيرة تفوق بقية السلع والخدمات، ما يفرض أعباءً أشد على الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل. وفي الفترة نفسها، انخفض الاستهلاك الحقيقي للأسر بنسبة 4 بالمئة، ما يكشف أن الإيرانيين لا يواجهون الغلاء فحسب، بل باتوا مضطرين إلى تقليص استهلاكهم الفعلي واحتياجاتهم اليومية.

بطالة متصاعدة واستثمارات متراجعة ومستقبل غامض
لم يسلم سوق العمل من تداعيات الأزمة؛ فقد ارتفع معدل البطالة من 7.3 بالمئة في ربيع 2025 إلى 9.1 بالمئة في ربيع 2026، بالتزامن مع انخفاض معدل المشاركة الاقتصادية.
ويعكس هذا التزامن ضعف قدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل، إلى جانب ابتعاد جزء من القوى العاملة عن سوق التوظيف. كما أن تراجع الاستثمار في الآلات والمباني يهدد فرص النمو والتشغيل خلال السنوات المقبلة، ويعمّق الحلقة المفرغة بين الركود والفقر والبطالة.

النظام الإيراني أمام مأزق اقتصادي بنيوي
تكمن الأهمية الخاصة لتقرير «جهان صنعت» في أن هذه الصورة القاتمة لم تصدر عن جهة معارضة في الخارج، بل نشرتها صحيفة تعمل داخل إيران. وتكشف الأرقام حقيقة يصعب إنكارها: السيولة النقدية تتضخم، والأسعار ترتفع، والإنتاج يتراجع، والقدرة الشرائية للمواطنين تتآكل.
ورغم أن هذه المؤشرات لا تعني وحدها انهيار الاقتصاد بالكامل، فإنها تكشف عن تدهور خطير في أسسه الإنتاجية والمعيشية. إن جوهر الأزمة الإيرانية لم يعد مجرد ارتفاع الأسعار أو نقص الموارد، بل أصبح أزمة بنيوية في نظام الحكم والإدارة الاقتصادية، الذي فشل في تحويل التوسع النقدي الهائل إلى نمو مستدام وتحسين مستوى معيشة الشعب.
وما دامت الاختلالات الهيكلية والسياسات الاقتصادية الفاشلة وعدم الاستقرار مستمرة، فإن الشعب الإيراني سيظل يدفع ثمن هذا الإخفاق من خلال المزيد من الفقر، وتراجع القدرة الشرائية، وضياع فرص العمل والحياة الكريمة.
المصدر: صحيفة «جهان صنعت» الإيرانية، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقرير إحسان كشاورز. الأرقام الواردة مستمدة من التقرير الأصلي ولم تخضع لتحقق مستقل.

*الخبير في الشؤون الإيرانية – ناشط في مجال حقوق الإنسان