
رياض سعد
ليست هناك مفارقة أكثر عبثية من أن تكون الدولة غنية بالأراضي الزراعية والمياه والمحاصيل الغذائية، ثم يعجز مواطنوها عن الحصول على منتجات بلادهم بأسعار مناسبة، في الوقت الذي تُصدَّر فيه أجود تلك المنتجات إلى الخارج، ويُترك السوق المحلي معتمداً على الاستيراد…!!
إنها واحدة من صور اختلال الأولويات وانقلاب المعايير في إدارة الدولة العراقية، حيث تتقدم مصالح الآخرين أحياناً على احتياجات المواطنين، وتُعامل خيرات البلاد وكأنها فائض تجاري لا علاقة له بالأمن الغذائي أو المصلحة الوطنية.
أولاً: حكومات تخالف أبجديات المصلحة الوطنية
اعتادت الحكومات العراقية المتعاقبة أن تخالف أبجديات السياسة ومبادئ المصلحة الوطنية، حتى بات من النادر أن نجد حكومة تضع احتياجات مواطنيها في مقدمة حساباتها وقراراتها الاقتصادية… ؛ فتارةً تتبرع بثروات العراق وخيراته للدول والمنظمات والشخصيات الخارجية، وتارةً أخرى تنخرط في حروب وصراعات بالنيابة عن هذا النظام أو ذاك، وتارةً ثالثة تفتح أبواب تصدير المنتجات والمحاصيل الغذائية التي يحتاج إليها العراقيون، وكأن واجب الحكومة هو إرضاء الآخرين، لا تأمين متطلبات الحياة الكريمة لأبناء البلد.
إن السياسة الاقتصادية الرشيدة لا تقوم على تصدير كل ما يمكن بيعه، ولا على تحقيق المكاسب التجارية بمعزل عن الواقع الاجتماعي والمعيشي، وإنما تقوم على ترتيب الأولويات، وتأمين احتياجات السوق المحلية، وحماية المستهلك، ثم تصدير الفائض الحقيقي بعد ضمان الاكتفاء المحلي.
ثانياً: من تهريب قوت العراقيين إلى تصديره
هذه المفارقة ليست وليدة اليوم، بل لها جذور ممتدة في تاريخ الإدارة الاقتصادية العراقية… ؛ ففي سنوات الحصار والعقوبات الدولية خلال تسعينيات القرن الماضي، حين كان العراقيون يعانون الجوع والفقر وشح المواد الغذائية، كانت بعض أجود المنتجات العراقية، وفي مقدمتها الرز العنبر والتمور الفاخرة، تُهرَّب إلى إيران، فيما كان بعضها الآخر يجد طريقه إلى الأسواق الخارجية، بينما كان المواطن العراقي يكافح لتأمين أبسط مستلزمات المعيشة.
والمؤلم أن تلك المعادلة المختلة لم تنتهِ بانتهاء الحصار، ولم تتغير جذرياً بتغير الأنظمة والحكومات، بل استمرت بصور مختلفة حتى يومنا هذا؛ إذ نُصدّر أجود ما تنتجه أرضنا، ثم نستورد بدائل أقل جودة، وربما أكثر كلفة، لتلبية احتياجات السوق المحلية.
ثالثاً: نصدر الجيد ونستورد الرديء!
تأملوا هذه المفارقة التي تختصر جانباً كبيراً من عبث السياسة الزراعية والتجارية في العراق: نصدر الرز العنبر العراقي المعروف بجودته ونكهته، ثم نستورد أنواعاً من الرز لا تضاهيه جودةً ولا مذاقاً… ؛ ونصدّر التمور العراقية الفاخرة، ثم نستورد تموراً أدنى منها جودةً… , ونصدّر الليمون العراقي المتميز، ثم نستورد بدائل أجنبية لا تضاهي المنتج المحلي في الطعم والنوعية.
ولا تقتصر المسألة على هذه المحاصيل، بل تمتد إلى سلع ومنتجات زراعية وغذائية أخرى، في مشهد يطرح تساؤلات مشروعة عن طبيعة السياسات الزراعية والتجارية، والجهات المستفيدة من هذه المعادلة، ومدى مراعاتها لمصالح المنتج والمستهلك العراقيين.
والأكثر إثارة للقلق أن جزءاً من الأغذية المستوردة يثير مخاوف تتعلق بطرق الإنتاج والمعالجة والتخزين، ومدى الالتزام بالمواصفات الصحية والرقابية… , ولا يعني ذلك أن كل منتج مستورد رديء أو غير صحي، لكن من غير المقبول أن يخضع المنتج المحلي لشروط وقيود تعرقل تسويقه، بينما تدخل بعض المنتجات المستوردة من دون رقابة كافية أو ضمانات واضحة لجودتها وسلامتها.
وهكذا نجد أنفسنا أمام معادلة غريبة: نستبدل الجيد بالرديء، والمنتج الوطني ببدائل مستوردة، ثم نتحدث عن دعم الزراعة وتنمية الاقتصاد الوطني!
رابعاً: الشلب العراقي نموذجاً لانقلاب الأولويات
ومن أبرز الأمثلة التي تستحق الوقوف عندها قضية محصول الشلب العراقي، الذي يمثل مورداً غذائياً مهماً لشرائح واسعة من المواطنين، ومصدراً للرز المحلي المعروف بجودته، وفي مقدمته رز العنبر والياسمين.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه السوق العراقية إلى هذا المحصول، ويعتمد فيه المواطن على استيراد أنواع مختلفة من الرز… ؛ تثار مسألة تصدير الشلب العراقي إلى أسواق خارجية، ومنها الكويت والسعودية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن تبرير تصدير محصول غذائي يحتاج إليه المواطن العراقي، في الوقت الذي تستورد فيه الدولة كميات من الرز من الخارج لتغطية احتياجات السوق والبطاقة التموينية؟
إن الشلب العراقي ليس مجرد سلعة تجارية يمكن التعامل معها بمعزل عن احتياجات المجتمع، بل هو جزء من منظومة الأمن الغذائي الوطني، ومن حق أبناء البلد أن تكون لهم الأولوية في الحصول على محصول أرضهم قبل التفكير في تصديره.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة برفض تصدير الشلب ما دامت احتياجات السوق المحلية غير مؤمّنة، وتوجيه المحصول إلى دعم البطاقة التموينية وتعزيز المخزون الاستراتيجي، تمثل موقفاً منطقياً ينسجم مع أبجديات حماية الأمن الغذائي والمصلحة الوطنية.
خامساً: الأمن الغذائي ليس مسألة تجارية فقط
إن الأمن الغذائي لا يعني مجرد وجود مواد غذائية في الأسواق، ولا الاكتفاء باستيراد كميات كبيرة من الخارج، بل يعني امتلاك الدولة القدرة على إنتاج غذائها، وتأمين احتياجات مواطنيها، وحماية سلاسل الإمداد، وتقليل الارتهان للأسواق الخارجية وتقلباتها وأزماتها السياسية والاقتصادية.
فالدولة التي تعتمد على استيراد غذائها، رغم امتلاكها أراضي زراعية خصبة ومنتجات محلية جيدة، تضع نفسها ومواطنيها أمام مخاطر اقتصادية واستراتيجية لا يمكن الاستهانة بها.
كما أن تصدير المحاصيل المحلية قبل تأمين الاحتياجات الداخلية قد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها في السوق المحلية، وإضعاف قدرة المواطن على شرائها، فضلاً عن الإضرار بالمنتج الزراعي الوطني إذا لم تتوافر له سياسة مستقرة تضمن تسويق محصوله بأسعار عادلة.
ومن هنا، لا بد من التمييز بين التصدير بوصفه نشاطاً اقتصادياً مشروعاً ومطلوباً، وبين التصدير العشوائي الذي يتجاهل حاجة السوق المحلية ويقدم مصالح التاجر أو المستورد الخارجي على مصلحة المواطن.
سادساً: ما المطلوب من الحكومة؟
إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات والبيانات، وإنما بوضع سياسة زراعية وتجارية واضحة تقوم على مجموعة من الإجراءات:
- منع تصدير المحاصيل الغذائية الأساسية عندما لا تكون احتياجات السوق المحلية والمخزونات الاستراتيجية مؤمّنة.
- إعطاء الأولوية للمنتجات الزراعية العراقية في البطاقة التموينية والأسواق المحلية، ولا سيما الشلب والرز والتمور والمحاصيل الموسمية.
- دعم المزارعين وتشجيعهم على زيادة الإنتاج من خلال توفير المستلزمات الزراعية والأسمدة والمياه والطاقة، وضمان شراء محاصيلهم بأسعار مجزية.
- تشديد الرقابة الصحية والبيئية على الأغذية المستوردة، وإخضاعها لمعايير صارمة تضمن سلامتها وجودتها.
- تنظيم التصدير وفق بيانات دقيقة عن حجم الإنتاج والاستهلاك المحلي والمخزون الاستراتيجي، وليس وفق رغبات التجار ومصالحهم وحدها.
- وضع سياسة متوازنة تحمي المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق المستهلك في الحصول على الغذاء الجيد بأسعار مناسبة.
الخاتمة: خيرات أرضنا لأبناء أرضنا أولاً
إن المشكلة العراقية لا تكمن في نقص الخيرات والموارد بقدر ما تكمن في سوء إدارتها، وغياب الأولويات الوطنية، واستمرار التعامل مع مقدرات البلاد بعقلية تجارية وسياسية قصيرة النظر.
فليس من المعقول أن يكون العراق بلداً زراعياً يمتلك محاصيل متميزة، ثم يستورد غذاءه من الخارج، وليس من المقبول أن يُحرم المواطن من الرز العنبر والتمور والمنتجات المحلية الجيدة، بينما تُصدّر هذه الخيرات إلى الأسواق الأجنبية، ثم يُطلب منه شراء بدائل مستوردة أقل جودة أو أعلى كلفة.
إننا لا نعترض على تصدير المنتجات العراقية، ولا نرفض الانفتاح التجاري أو بناء العلاقات الاقتصادية مع الدول الأخرى، ولكننا نرفض أن يتحول التصدير إلى فعل يسبق تأمين احتياجات المواطنين، وأن تصبح الأسواق الخارجية أولى بخيرات العراق من أبنائه.
خير أرض العراق يجب أن يصل إلى أهل العراق أولاً، ومن حق المواطن العراقي أن يأكل من خيرات بلاده قبل أن تُحمَّل الشاحنات بها إلى الخارج.
فالأوطان لا تُقاس بما تصدّره من ثروات فحسب، بل بما توفره لأبنائها من كرامة وأمن غذائي وحياة كريمة. ومن لا يجعل قوت شعبه أولوية في سياساته، لا يمكنه الادعاء بأنه يضع المصلحة الوطنية في مقدمة اهتماماته.



