
المتحف اليهودي في قلب العاصمة العراقية بغداد
إيهاب مقبل
لم تعد التحركات المرتبطة بإحياء التراث اليهودي في العراق مجرد جهود لترميم مواقع تاريخية أو حماية ذاكرة مكوّن غادر معظم أبنائه البلاد، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة تثير تساؤلات متزايدة، بعد تزامن ترميم المقام المنسوب إلى الحاخام إسحاق غاون في بغداد، وافتتاح متحف للتراث اليهودي، مع زيارات شخصيات إسرائيلية إلى العاصمة ومدن عراقية أخرى، بعضها ارتبط بتوثيق مشاهد سياسية وأمنية حساسة.
المشكلة ليست في التراث اليهودي العراقي، فهو جزء أصيل من تاريخ العراق وتنوعه الاجتماعي والثقافي، وإنما في طبيعة التحركات الإسرائيلية التي رافقت هذا الملف، والجهات التي تقف وراءها، ومدى وضوح أهدافها، فضلًا عن الأسئلة المتعلقة بقدرة المؤسسات العراقية على مراقبة الأنشطة الأجنبية وحماية المعلومات والمواقع الحساسة.
من القبر إلى المتحف
في أبريل نيسان 2025، جرى ترميم المقام المنسوب إلى الحاخام إسحاق غاون في منطقة قنبر علي وسط بغداد، في مشروع قُدّرت كلفته بنحو 150 ألف دولار، وقيل إن تمويله جاء من يهود عراقيين في الخارج.
وفي 22 أكتوبر تشرين الأول 2026، افتُتح متحف التراث اليهودي في مبنى مدرسة شماش التاريخية بشارع الرشيد، التي تأسست عام 1928. ويضم المتحف وثائق وصورًا ومقتنيات وشهادات توثق جانبًا من حياة اليهود العراقيين.
لكن اللافت هو الاهتمام الإسرائيلي الرسمي والإعلامي بالافتتاح، إذ نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية مواد مصورة عن المتحف عبر حسابها، واحتفت بالحدث باعتباره محطة مهمة في إحياء التراث اليهودي العراقي.
وهنا تبرز أسئلة مشروعة عن الجهات التي أدارت المشروع ومولته، وطبيعة الاتصالات الخارجية المرتبطة به، ولماذا لا تتوافر معلومات عراقية رسمية كافية بشأن تفاصيله؟ وهل تقتصر المسألة فعلًا على حماية التراث، أم أن هناك أبعادًا أخرى تستحق التدقيق؟
زيارات إسرائيلية تسبق افتتاح المتحف
لم تبدأ التحركات الإسرائيلية مع افتتاح المتحف. ففي عام 2024، برز اسم الحاخام الإسرائيلي إسرائيل مئير غاباي على خلفية زيارته العراق وتنقله بين مواقع دينية وتاريخية في بغداد ومناطق أخرى، بينها بابل وميسان.
وتفيد المعلومات المتداولة بشأن الزيارة بأنه دخل العراق بهوية غير معلنة، مستخدمًا جواز سفر أمريكيًا مزورًا، وبمساعدة أشخاص عراقيين. وإذا كانت هذه الوقائع معروفة، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا هو لماذا لم تبادر السلطات العراقية، حتى الآن، إلى فتح تحقيق معلن لكشف ملابسات دخوله، والجهات التي سهلت تحركاته، والمسؤوليات المترتبة على ذلك؟
وفي عام 2026، برز اسما الصحفي والباحث الإسرائيلي يتسحاق هوروفيتس والمغامر الإسرائيلي بني فاكسلر ضمن التقارير المتعلقة بزيارات إسرائيلية إلى مواقع يهودية في بغداد ومناطق عراقية أخرى.
أما هوروفيتس، فقد أثارت رحلته تساؤلات أمنية أكبر، إذ تحدثت تقارير عن دخوله العراق بهوية غير معلنة، واستخدامه كاميرا سرية لتوثيق الواقع السياسي والأمني. وشملت تحركاته بغداد والنجف وكربلاء ومدينة الصدر، إضافة إلى مناطق في بابل وميسان، مع تصوير مشاهد تتعلق بانتشار الفصائل المسلحة والنفوذ الإيراني.
وبعد مغادرته العراق ودخوله الكويت، أوقفته السلطات الكويتية أثناء تصوير سفن دوريات أمريكية، وأخضعته للتحقيق بشأن هويته ورحلته إلى العراق وطبيعة نشاطه، بما في ذلك احتمال ارتباطه بالموساد، قبل أن تفرج عنه وتطالبه بمغادرة البلاد فورًا.
إن طبيعة النشاط المنسوب إليه تفرض تساؤلات جدية لا يمكن تجاهلها، في مقدمتها كيف تمكن من دخول العراق والتنقل بين مدنه؟ ومن هي الجهات التي سهلت تحركاته؟ وهل كانت الأجهزة الأمنية العراقية على علم بهويته الحقيقية وبطبيعة التصوير الذي كان يجريه؟ والأهم، كيف يمكن لشخص أجنبي أن يتنقل ويجمع مشاهد ومعلومات عن مواقع وملفات أمنية حساسة دون أن تتضح للرأي العام نتائج أي مساءلة أو تحقيق بشأن ذلك؟
سفارة افتراضية ومحاولات لفتح قنوات مع إسرائيل
ولا تقتصر التحركات المرتبطة بالعراق وإسرائيل على الزيارات الميدانية، إذ ظهرت أيضًا مبادرة تحمل اسم «السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل». وهي منصة غير حكومية لا تمثل الدولة العراقية رسميًا، لكنها تسعى إلى فتح قنوات تواصل بين عراقيين وإسرائيليين، وطرح مجالات للتعاون في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والمجتمع المدني.
وتندرج هذه المبادرة ضمن ما يُعرف بـ«دبلوماسية المسار الثاني»، القائمة على بناء اتصالات وعلاقات خارج الأطر الدبلوماسية الرسمية، كما تطرح مشاريع وأسماء في سياق الدفع نحو إقامة علاقات عراقية إسرائيلية، من بينها مشروع «Project Bright Future». وتبرز هنا تساؤلات جوهرية بشأن الجهات التي تدير هذه المنصة، ومصادر تمويلها، وشركائها، وطبيعة المعلومات والبيانات التي تجمعها من الأفراد والمؤسسات في التواصل عبرها.
وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة لأنها تستخدم اسم العراق لفتح قنوات مباشرة مع تل أبيب، في وقت لا تربط البلدين علاقات دبلوماسية، ويجرّم القانون العراقي التطبيع مع إسرائيل بموجب القانون رقم 1 لسنة 2022. فمن يقف وراء هذه المبادرة؟ ومن يمول أنشطتها؟ وهل تخضع للتحقق والمتابعة من الجهات العراقية المختصة؟ وما طبيعة البيانات التي تجمعها، ومن يملك حق الوصول إليها واستخدامها؟
هل التراث واجهة لنشاط أوسع؟
من الضروري عدم الخلط بين اليهود العراقيين وإسرائيل، فليس كل يهودي مرتبطًا بالدولة الصهيونية، ولا يجوز تحويل الهوية الدينية إلى أساس للاشتباه أو الاتهام. لكن في المقابل، لا يجوز استخدام حماية التراث غطاءً لإعفاء أي زائر أجنبي من التدقيق القانوني والأمني.
إن تزامن مشاريع إحياء المواقع اليهودية مع الزيارات الإسرائيلية والاهتمام الرسمي الإسرائيلي يفرض على الحكومة العراقية توضيح طبيعة هذه العلاقات. فهل توجد جهات إسرائيلية تشارك في التمويل أو الإدارة أو التوثيق؟ وما طبيعة الاتصالات التي تجري مع المؤسسات العراقية؟ وهل تخضع تحركات الزوار الأجانب للرقابة القانونية المطلوبة؟
هذه الأسئلة لا تعني أن جميع المشاريع والزيارات جزء من خطة واحدة، لكنها تكشف ضرورة عدم التعامل معها كملفات منفصلة دون فحص الروابط المحتملة بينها.
الموساد والأمن العراقي بعد 2003
الأكثر حساسية في هذا الملف هو مستوى استعداد الأجهزة العراقية للتعامل مع أنشطة الاستخبارات الأجنبية. فالمؤسسات الأمنية التي تشكلت بصيغتها الحالية بعد عام 2003 نشأت في ظروف معقدة، وسط إعادة بناء مؤسسات الدولة والتدخلات الخارجية والصراعات الداخلية.
ومن المشروع التساؤل عن مدى امتلاك هذه المؤسسات الخبرة والمعرفة الكافيتين بأساليب أجهزة مثل الموساد، بما فيها استخدام الهويات البديلة والواجهات الإعلامية والثقافية والدينية والوسطاء المحليين، والتصوير السري وجمع المعلومات تحت غطاء السياحة أو البحث أو النشاط التراثي.
ولا يصح الجزم بأن الأجهزة العراقية تجهل هذه الأساليب كليًا، لكن الوقائع المنسوبة إلى بعض الزيارات تضع كفاءة هذه الأجهزة على المحك. فإذا صحت الروايات بشأن دخول أشخاص بهويات غير معلنة، وتنقلهم بين المدن، وتصويرهم مواقع ومشاهد حساسة، فإن ذلك يكشف خللًا واضحًا في إجراءات المتابعة والرقابة الأمنية، ويطرح تساؤلات جدية عن قدرة الأجهزة العراقية على مراقبة تحركات الزوار الأجانب، حتى في مواقع حساسة كالمتحف والقبر المزعوم، ومنع استغلال هذه الزيارات لجمع معلومات قد تمس أمن البلاد.
كما أن أي نشاط استخباري أجنبي داخل العراق، إذا ثبت، قد تتجاوز آثاره الحدود العراقية، ولا سيما في ظل التداخل الأمني والعسكري والسياسي مع إيران ودول المنطقة. ولذلك فإن حماية المعلومات والمواقع الحساسة مسؤولية لا تحتمل التهاون.
من يحمي ذاكرة العراق وسيادته؟
إن ترميم المقام وافتتاح المتحف ليسا مشكلة بحد ذاتهما، بل إن حماية التراث اليهودي واجب وطني. لكن هذا التراث عراقي، ولا يجوز أن يتحول إلى ملكية سياسية أو إعلامية إسرائيلية، أو إلى مدخل لأنشطة لا يعرف العراقيون طبيعتها وأهدافها.
المطلوب إعلان مصادر تمويل المتحف، والجهات المشرفة عليه، وتوضيح تفاصيل ترميم المقام وأهدافه، والتحقيق في ملابسات الزيارات الإسرائيلية والادعاءات المتعلقة بالدخول بهويات غير معلنة والتصوير السري. كما ينبغي إخضاع جميع الأنشطة الأجنبية للقوانين العراقية دون استثناء.
إن ما يجري يستحق أكثر من احتفال بافتتاح متحف أو تغطية إعلامية لترميم مقام. فالعراق ليس مجرد مساحة مفتوحة لاستعادة الذكريات، بل دولة لها سيادة ومصالح أمنية ومعلومات يجب حمايتها. ومن حق العراقيين أن يعرفوا من يقف وراء هذه المشاريع، ومن يزور بلادهم، وما طبيعة أنشطته. فالتراث اليهودي جزء من تاريخ العراق، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى واجهة لنشاط سياسي أو استخباري غامض، والتسامح الديني لا يعني الغفلة الأمنية، والانفتاح الثقافي لا يعني التفريط بسيادة البلاد.
المراجع
وزارة الخارجية الإسرائيلية، «اهتمام وزارة الخارجية الإسرائيلية بافتتاح متحف التراث اليهودي في قلب بغداد – نسخة موجهة للجمهور العبري»، منشور عبر حسابها الرسمي على إنستغرام (@israelmfaheb)، أكتوبر تشرين الأول 2026.
https://www.instagram.com/reel/De9KSYsIdPl/
عد عقود من الزمن.. افتتاح متحف لتراث يهود العراق في بغداد، صحيفة بحدري حرديم، 24 أكتوبر تشرين الأول 2026
https://www.bhol.co.il/news/1742626
الصحفي الحريدي الذي زار العراق: “النفوذ الإيراني حاضر تقريبًا في كل زاوية”، صحيفة بحدري حريديم، 13 مايو أيار 2026
https://www.bhol.co.il/news/1727411
بين ظلال الميليشيات: الصحفي الحريدي في رحلة سرّية إلى قلب العراق، موقع إيمِس الإسرائيلي، 6 مايو أيار 2026
https://www.emess.co.il/radio/1866611
صحفي حريدي يُعتقل في الكويت ويُشتبه بأنه عميل للموساد – والتفلين أثارت الشكوك، صحيفة بحدري حريديم، 26 مارس آذار 2026
https://www.bhol.co.il/news/1723001
الموقع الرسمي لـ«السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل» – The Virtual Embassy of Iraq in Israel.
https://iraqdiplomaticdoor.com/ar/
مجلس النواب العراقي – قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل رقم (1) لسنة 2022.
https://archive5.parliament.iq/law/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%B3%D8%A9/entry/176/
انتهى




