نوفمبر 1, 2026
IMG_4935

استبدال هيبة القانون بـسلطة الترند واللايكات
الباحثة كنانة خلف الكردي
هل نحن أمام فراغ تشريعي أم استقالة مؤسساتية؟
تحول المشهد العام في عالمنا المعاصر وبشكل خاص في الواقع السوري المثقل بالتحديات والتعقيدات إلى ساحة افتراضية تحكمها الخوارزميات وصارت صناعة القرار التشريعي أو تعديل اللوائح وإصدار التوجيهات المرتبطة بحياة الناس رهينة مقطع فيديو يحقق انتشارا واسعا أو هاشتاج يتصدر المنصات ولم يعد الوصول إلى المسؤول متاحا عبر الأطر المؤسساتية التقليدية بل أصبح محكوما بعدد المتابعين ونسب التفاعل وعتبات الوصول العالي مما يطرح تساؤلات عميقة وحارقة حول طبيعة هذا الانزلاق الخطير وهل نحن نعيش بالفعل فراغا قانونيا ودوليا وسياسيا وتشريعيا أم أننا أمام حالة من استقالة الأدوات الحكومية التقليدية لصالح سلطة الشاشات الرقمية حيث بات كل من يمتلك القدرة على توجيه الرأي العام الافتراضي يفرض إيقاعه على حركة الأجهزة الرسمية التي تتحرك بسرعة فائقة وفورية بمجرد ظهور مشكلة مصورة أو اعتراض مدعوم باللايكات لتتحول الأفضلية وينحرف مسار العدالة والإدارة من الكفاءة والحاجة الحقيقية وصاحب الذاتية والدراسة الرصينة إلى صاحب الترند الأوفر حظا في حصد الإعجابات وإن هذا التحول الرقمي الخطير في السوشال ميديا التشريعية يعكس أزمة بنيوية عميقة في منظومة صنع القرار حيث يتراجع دور المؤسسات والتشريعات الرصينة ليحل محلها المزاج الرقمي المتقلب والعاطفة الجماهيرية المؤقتة التي تستجيب للصوت الأعلى لا للصوت الأصح مما يخلق حالة من انعدام اليقين القانوني وضياع بوصلة التشريع الحقيقي الذي يفترض أن يستند إلى دراسات واقعية وضرورات مجتمعية ومؤسسات تشريعية وتنفيذية راسخة لا تخضع لضغط الشارع الافتراضي ومعطيات الخوارزميات المتغيرة وفي السياق السوري يبدو هذا المشهد أكثر قسوة وحساسية نظرا لتهالك البنى التحتية وغياب الاستقرار الاقتصادي والمعيشي مما جعل المواطن يرى في السوشال ميديا الملاذ الأخير والوحيد لطرق أبواب المسؤولين عبر إثارة الترندات عله يحظى باسترعاء الانتباه والحل العاجل لمشكلته اليومية الملحة وهذا بدوره يكرس ثقافة استثنائية خطيرة تلغي الأطر الدستورية والقانونية المنتظمة وتجعل الدولة تدير شؤونها بمنطق رد الفعل الموسمي والمؤقت تبعا لما يفرضه المشاهير والمؤثرون وصناع المحتوى لا تبعا لخطط استراتيجية مستدامة وحل هذه المعضلة الخطيرة لا يكون بمحاربة التقنية أو تجاهل أصوات الناس بل بإعادة الاعتبار لهيبة المؤسسات وتشغيل القنوات الرسمية بفاعلية وشفافية تجعل الاستجابة لمطالب المواطنين استحقاقا مؤسساتيا ثابتا لا منّة رقمية مرتبطة بالترندات والمشاهدات وبناء جسور حقيقية بين المواطن وصانع القرار محكومة بسيادة القانون لا بسلطة اللايكات وحدها لضمان بناء مجتمع تسوده العدالة والمأسسة لا الفوضى والارتجال الافتراضي
هل تستطيع المؤسسات الرسمية استعادة زمام المبادرة وصياغة قراراتها بعيدا عن ضغط المنصات الرقمية؟