
د. فاضل حسن شريف
هالوين (Halloween) هو احتفال سنوي يُقام في ليلة 31 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، وتعود جذوره التاريخية إلى مهرجان سلتيك قديم يُعرف باسم “سامهاين” (Samhain) في أيرلندا وبريطانيا القديمة. الجذور التاريخية والتحول: المهرجان السلتي (سامهاين): كان يمثل نهاية موسم الحصاد وبداية فصل الشتاء (الذي يُربط بالظلام والبرودة). وكان يُعتقد أن الحد الفاصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات يقلّ في هذه الليلة، مما يسمح للأرواح بالعودة إلى الأرض. وكان الناس يرتدون أزياء تنكرية ويشعلون النيران لطرد الأرواح الشريرة. التأثير المسيحي: في القرن الثامن، حددت الكنيسة الكاثوليكية يوم 1 نوفمبر كـ “عيد جميع القديسين” (All Saints’ Day / All Hallows’ Day). وأصبحت الليلة التي تسبقه تُعرف بـ “All Hallows’ Eve” (ليلة جميع القديسين)، والتي اختُصرت لاحقاً لتصبح “Halloween”. الطقوس والرموز الحديثة: تحول هالوين في العصر الحديث إلى احتفال اجتماعي وترفي بالدرجة الأولى، تنتشر فيه مظاهر محددة: التنكر (Costumes): ارتداء أزياء تنكرية تتنوع بين الشخصيات المرعبة (كالخفافيش والساحرات) والشخصيات الخيالية أو الكرتونية. خدعة أم حلوى (Trick or Treat): يتنقل الأطفال بين البيوت يقرعون الأبواب ويطلبون الحلوى، مع العبارة الشهيرة “خدعة أم حلوى”. قرع العسل (Jack-o’-lantern): تفريغ ثمار القرع وحفر وجوه مخيفة عليها ثم وضع شمعة داخلها لإضاءتها. أفلام الرعب والزينة: تزيين المنازل بديكورات مخيفة وتنظيم حفلات تنكرية وعرض أفلام الرعب.
تعود جذور ارتداء الأزياء التنكرية في الاحتفال بالهالوين إلى معتقدات تاريخية وثقافية قديمة تتعلق بارتباط هذه الليلة بالعالم الروحي والطبيعة، ويمكن إيجاز الأسباب الرئيسية في النقاط التالية: التمويه وطرد الأرواح: في مهرجان “سامهاين” السلتي القديم الذي يُعد الأصل التاريخي للهالوين، كان يُعتقد أن الحدود بين عالم الأحياء وعالم الأموات تتلاشى في هذه الليلة، وأن الأرواح تتجول بحرية على الأرض. وكان الناس يرتدون أقنعة وملابس مخيفة أو غريبة ليلاً لكي تظن الأرواح الشريرة أنهم أمثالهم أو أشباح مثلهم، فلا تتعرض لهم أو تؤذيهم. إخفاء الهوية وإثارة الخوف: كان ارتداء الأزياء التنكرية وسيلة لإخفاء الهويات الشخصية وبث الخوف والرعب لإبعاد أي قوى خفية أو شريرة يُعتقد أنها تحوم في تلك الليلة المظلمة التي تزامنت مع بداية فصل الشتاء والبرد. التحول إلى الترفيه الاجتماعي: مع مرور الزمن وتأثير الثقافات المختلفة، فقدت هذه الطقوس أبعادها العقائدية القديمة وتحولت تدريجياً عبر القرون إلى مظاهر احتفالية وترفيهية بحتة، حيث أصبح الناس يرتدون الأزياء للتسلية، وتقليد الشخصيات الأسطورية أو المرعبة، والمشاركة في الحفلات الاجتماعية.
ارتبط التطور التاريخي للحفلات التنكرية في الهالوين بـ: التحول السكوتلندي والأيرلندي (Guising): في القرن التاسع عشر، بدأ الأطفال والشباب في أيرلندا وسكوتلندا بممارسة طقس يُعرف بـ “Guising” (من كلمة Disguise أي التنكر). كان هؤلاء يتنكرون بملابس غريبة، ويرددون قصائد أو يُقدمون عروضاً تمثيلية وغنائية قصيرة أمام المنازل مقابل الحصول على الطعام أو الفواكه والمكسرات. الانتقال إلى أمريكا والتصنيع التجاري: نقل المهاجرون الأيرلنديون والسكوتلنديون هذه التقاليد إلى الولايات المتحدة في أواسط القرن التاسع عشر. وبحلول ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، بدأت الشركات بتصنيع ملابس وأقنعة جاهزة بأعداد كبيرة، مما حوّل التنكر من صناعة منزلية بسيطة إلى ثقافة شعبية تجارية واسعة. توسع مفهوم التنكر: لم يعد التنكر مقتصراً على الشخصيات المرعبة (كالأشباح والساحرات والمستنقعات)، بل امتد ليشمل الشخصيات الخيالية، والأبطال الخارقين، والنجوم، والشخصيات السياسية والكرتونية، ليصبح العرض كاملاً يعبر عن الإبداع والسخرية والترفيه.
تنتشر مظاهر الاحتفال بالهالوين في العديد من دول العالم، وتتفاوت نسبة الاهتمام به بين دول تعتبره جزءاً أساسياً من ثقافتها الشعبية، وأخرى تقتصر فيها الاحتفالات على المظاهر الترفيهية والتجارية. تتوزع أبرز الدول التي تحتفل به على النحو التالي: 1. الدول ذات الاحتفال التقليدي والرئيسي: تُعد هذه الدول المعقل الأساسي للهالوين، حيث يُمارس فيه طقس “خدعة أم حلوى” وتُزين المنازل بالكامل: الولايات المتحدة الأمريكية: تُعتبر المركز الأكبر للاحتفال به عالمياً، ويُعد من وموسماً تجارياً وضخماً للترفيه والتنكر. كندا: تُشارك الولايات المتحدة نفس الطقوس والاهتمام الواسع بالديكورات والحفلات التنكرية. أيرلندا والمملكة المتحدة (إسكتلندا وإنجلترا وويلز): تُعد الموطن التاريخي الأول للمهرجان، وتُقام فيه مهرجانات ضخمة وألعاب نارية وحفلات تنكرية تقليدية. 2. الدول الأوروپية: تداخلت تقاليد الهالوين في أوروپا مع التقاليد المحلية لتكريم الموتى: المكسيك: تحتفل بـ “يوم الموتى” (Día de los Muertos) في 1 و2 نوفمبر، وهو احتفال تقليدي متصل بالهالوين يركز على تذكر الأقارب الراحلين بأزياء وألوان مبهجة. فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا: لم يكن الهالوين تقليداً أوروپياً حديثاً في هذه الدول، لكنه انتشر بقوة خلال العقود الأخيرة بين الشباب والأطفال كمناسبة تنكرية وترفيهية. 3. دول آسيا وأوقيانوسياك أصبح الهالوين يُحتفل به بشكل ملحوظ في بعض الدول الآسيوية نتيجة التأثير الثقافي والتجاري: اليابان: تشتهر بتنظيم مسيرات تنكرية ضخمة (Cosplay) في أحياء شهيرة مثل “شيبويا” في طوكيو، حيث يركز الاحتفال على إبداع الأزياء أكثر من طقس جمع الحلوى. كوريا الجنوبية: تُقام حفلات تنكرية وشبابية واسعة في المناطق الترفيهية والتجارية مثل حي “إتايوان” في سيول. أستراليا ونيوزيلندا: يزداد انتشار الاحتفال به سنوياً بين الأطفال والشباب، على الرغم من أنه يقع في فصل الربيع في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية وليس الخريف. 4. باقي دول العالم: في معظم الدول الأخرى (بما فيها بعض مدن الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية)، يقتصر الاحتفال بالهالوين على الحفلات التنكرية في المدارس الدولية، أو الفنادق، والمجمعات التجارية كفعالية ترفيهية وتسويقية.
لا تُعلن أي دولة في العالم يوم الهالوين (31 أكتوبر/تشرين الأول) كعطلة رسمية تُغلق فيها الدوائر الحكومية، أو البنوك، أو المدارس. يعود السبب في ذلك إلى أن الهالوين يُصنف كـ مناسبة شعبية وثقافية وترفيهية وليس كعيد وطني أو ديني رسمي. وتعمل المؤسسات الحكومية والخاصة والمدارس بشكل طبيعي جداً خلال ساعات النهار، وتستمر المواعيد الرسمية كالمعتاد، بينما تبدأ الاحتفالات والمظاهر التنكرية وطقوس جمع الحلوى في ساعات المساء بعد انتهاء الدوام الرسمي. استثناءات ومناسبات مرتبطة تقترب منها العطلات: رغم أن يوم الهالوين نفسه ليس عطلة، إلا أن هناك دولاً تمنح عطلات رسمية في الأيام التي تليه مباشرة لأسباب دينية أو تاريخية: عيد جميع القديسين (1 نوفمبر): تُغلق الدوائر الحكومية والمدارس في العديد من الدول ذات الأغلبية الكاثوليكية في أوروپا (مثل فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، بولندا، وبلجيكا)، وكذلك في المكسيك والأرجنتين، لأنه يُعد عطلة رسمية دينية. إيرلندا: تمنح عطلة رسمية في الإثنين الأخير من شهر أكتوبر (أسبوع عطلة المنتصف للمدارس)، وتصادف غالباً الفترة ذاتها التي تُقام فيها مهرجانات الهالوين، لكن العطلة مرتبطة بالتقويم الدراسي وليس بـ 31 أكتوبر بذاته.




