نوفمبر 1, 2026
راجي-200x200-1

راجي سلطان الزهيري

انشغل العراقيون اليوم بمقطع فيديو للبروفسور العراقي سلمان الرواف الذي تصدّر منصات التواصل الاجتماعي وأصبح حديث الشارع العراقي بعد موقف أثار موجة واسعة من الاستياء والتساؤلات حول طريقة التعامل مع الكفاءات العلمية في بعض الفعاليات الرسمية.
القصة بدأت عندما كان البروفسور الرواف مدعواً إلى مهرجان أو ندوة حضرها وزير التعليم العالي وبعد مغادرة الوزير وعندما ارتقى الرواف إلى المنصة لإلقاء كلمته، فوجئ برفع الميكروفونات من أمامه في مشهد أثار علامات استفهام كبيرة حول دوافع هذا التصرف وطبيعة التعامل مع شخصية أكاديمية بهذا المستوى.
لم يتردد الرواف في الرد بكلمات مقتضبة، لكنها حملت الكثير من المعاني، قائلاً:
«إن لم تستحِ، فافعل ما شئت».
كلمات قليلة اختصرت موقفاً كاملاً وأشعلت نقاشاً واسعاً حول احترام الأكاديميين والعلماء وخصوصاً عندما يكونون بعيدين عن المجاملات السياسية والبروتوكولات الرسمية.
لكن المفارقة أن ما بدا محاولة لتهميش البروفسور سلمان الرواف، تحول إلى دعاية مجانية له إذ بدأ آلاف العراقيين بالبحث عن اسمه وعن سيرته العلمية وعن إنجازاته، ليتعرفوا إلى شخصية أكاديمية ربما لم تكن معروفة لدى كثيرين قبل انتشار المقطع.
وبعيداً عن تفاصيل الحادثة التي تحتاج إلى توضيح من الجهات المنظمة، فإن ما جرى يسلط الضوء على أزمة أعمق في بعض مؤسساتنا، تتمثل في ضعف تقدير الكفاءات العلمية والتعامل مع المنصب الرسمي أحياناً باعتباره أهم من العلم والخبرة والإنجاز.
فالبروفسور سلمان الرواف، بحسب سيرته الأكاديمية المنشورة باحث وأستاذ متخصص في الصحة العامة، حاصل على مؤهلاته العلمية من بريطانيا ويعمل في المجال الأكاديمي المرتبط بالصحة العامة في جامعة إمبريال كوليدج لندن، إحدى المؤسسات العلمية المعروفة عالمياً.
إننا أمام نموذج لعراقي استطاع أن يشق طريقه في المؤسسات العلمية العالمية وأن يحمل اسم بلده في ميادين البحث والمعرفة، بعيداً عن المحاصصة والامتيازات السياسية.
وهنا تبرز المقارنة المؤلمة بين قيمة العلم في المؤسسات الأكاديمية العالمية وبين ما نشهده أحياناً في بعض مؤسساتنا، حيث يتقدم المنصب على الكفاءة، ويُمنح الاعتبار للموقع الرسمي أكثر من القيمة العلمية لصاحبه.
وليس المقصود التقليل من شأن أي مسؤول أو وزير، بل التأكيد أن المسؤولية الحكومية تكليف وليست شهادة تفوق، وأن احترام العلماء لا ينبغي أن يرتبط بحضور وزير أو مغادرته ولا أن يكون مرهوناً بمكانة سياسية أو نفوذ إداري.
إن العراق الذي أنجب العلماء والمفكرين لا يمكن أن ينهض ما دامت بعض منصاته تضيق بأصحاب العلم وما دامت الكفاءات تُعامل أحياناً باعتبارها ضيوفاً يمكن إسكاتهم أو تجاوزهم.
لقد كشف هذا المقطع، سواء كان التصرف مقصوداً أم نتيجة سوء تنظيم، عن خلل في ثقافة احترام الكفاءات، لكنه في الوقت نفسه منح البروفسور سلمان الرواف فرصة للتعريف بنفسه أمام جمهور واسع.
قد تُرفع الميكروفونات من أمام عالم، لكن لا يمكن إسكات علمه، وقد يُهمَّش على منصة، لكنه يستطيع أن يتصدر منصات العالم بإنجازه.

والرسالة الأهم: العراق بحاجة إلى أن يرفع من شأن علمائه، لا أن يرفع الميكروفونات عنهم.