
إيهاب مقبل
دراسة علمية دولية تبحث في البصمة الوراثية لسكان أهوار العراق، وتعيد فتح الجدل بشأن أصول السومريين، وما إذا كان سكان جنوب بلاد الرافدين امتداداً سكانياً لحضاراتهم القديمة أم أن جذورهم تعود إلى مناطق أخرى، ومنها شبه القارة الهندية.
من هم العراقيون؟ سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في طياته تاريخاً يمتد آلاف السنين، ويقود إلى واحدة من أقدم الحضارات التي عرفتها البشرية. فالعراق ليس مجرد دولة حديثة بحدود سياسية معاصرة، بل أرض شهدت نشوء المدن والكتابة والإدارة والزراعة المنظمة، واحتضنت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور. لكن السؤال الذي ظل يثير الجدل هو ما إذا كان سكان العراق اليوم امتداداً بشرياً لأولئك الذين بنوا هذه الحضارات، أم أن موجات الهجرة والتغيرات السكانية قطعت الصلة بينهم وبين سكان بلاد الرافدين القدماء.
ومن بين أكثر الفرضيات إثارة للجدل فرضية الأصل الهندي للسومريين، التي تفترض أن جماعات بشرية قدمت من شبه القارة الهندية واستقرت في جنوب العراق. فماذا يقول علم الجينات عن هذه الفرضية؟ وهل تحمل جينات سكان أهوار الجنوب أدلة على صلة قديمة بالسومريين؟
الأهوار ومفتاح البحث عن الأصول
تُعد أهوار جنوب العراق من أكثر البيئات التاريخية تميزاً في بلاد الرافدين. فقد احتفظ سكانها بأنماط حياة تقليدية ارتبطت بالقصب والمياه وتربية الجاموس وصيد الأسماك وبناء المساكن المقوسة، وهي مظاهر تستحضر جوانب من الحياة القديمة في جنوب العراق.
وقد دفعت هذه الخصوصية الثقافية والجغرافية الباحثين إلى التساؤل عن مدى احتفاظ سكان الأهوار بإرث وراثي يعود إلى المجتمعات التي عاشت في المنطقة خلال العصور السومرية.
لكن التشابه الثقافي لا يكفي لإثبات وحدة الأصل، ولذلك اتجه الباحثون إلى الحمض النووي بوصفه أداة علمية تساعد على تتبع السلالات البشرية والهجرات القديمة.
دراسة دولية تبحث عن البصمات الوراثية للسومريين
في الرابع من أكتوبر تشرين الأول عام 2011، نشرت مجلة BMC Evolutionary Biology البريطانية دراسة علمية بعنوان «بحثاً عن البصمات الوراثية للسومريين، دراسة التنوع في كروموسوم Y والحمض النووي للميتوكوندريا لدى سكان أهوار العراق».
شارك في الدراسة عشرة باحثين، معظمهم من الباحثين المرتبطين بجامعة بافيا الإيطالية. واعتمد الفريق البحثي على تحليل عينات وراثية من 143 رجلاً عراقياً من سكان أهوار جنوب العراق، ومقارنتها بعينات من 154 عراقياً آخرين، فضلاً عن الاستعانة ببيانات وراثية من مجموعات سكانية متعددة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم.
استخدم الباحثون نوعين من الأدلة الوراثية. الأول كروموسوم Y الذي ينتقل من الأب إلى الابن، ويساعد على تتبع السلالات الأبوية، والثاني الحمض النووي للميتوكوندريا الذي ينتقل عبر الأم، ويتيح تتبع السلالات الأمومية.
وكان السؤال الأساسي هو ما إذا كانت البصمة الوراثية لسكان الأهوار تشير إلى جذور محلية عميقة في بلاد الرافدين، أم إلى أصول وافدة من مناطق بعيدة، وخصوصاً جنوب آسيا.
ماذا كشفت الجينات الأبوية؟
أظهرت الدراسة نتيجة لافتة، إذ بلغت نسبة المجموعة الوراثية J في كروموسوم Y نحو 84.6% لدى سكان الأهوار، مقابل 55.1% لدى المجموعة العراقية المقارنة.
وتنتمي الغالبية الساحقة من هذه المجموعة لدى سكان الأهوار إلى الفرع J1-M267، وخصوصاً السلالة الفرعية J1-Page08.
وتكمن أهمية هذه النتيجة في أن الباحثين ربطوا توسع هذه السلالة بفترة زمنية تقارب أربعة آلاف سنة، وهي فترة تتقاطع مع مرحلة ازدهار المدن السومرية في جنوب بلاد الرافدين.
وهذا التزامن يفتح احتمال وجود استمرارية سكانية محلية في المنطقة منذ العصور القديمة، ويجعل من الصعب تفسير أصول سكان الأهوار باعتبارهم جماعة وافدة حديثاً من شبه القارة الهندية.
ومع ذلك، لا يعني وجود هذه السلالة أن جميع السومريين كانوا يحملونها، ولا يثبت وحده أن أصحابها الحاليين ينحدرون مباشرة من السومريين. فالسلالة الوراثية قد تكون أقدم من الحضارة نفسها، وقد تشترك فيها جماعات بشرية متعددة.
هل العراقيون من أصول هندية؟
ارتبطت فرضية الأصل الهندي للسومريين ببعض أوجه التشابه الثقافي والاقتصادي بين جنوب بلاد الرافدين والمناطق الواقعة شرق الخليج العربي، فضلاً عن العلاقات التجارية القديمة التي ربطت المنطقة بحضارة وادي السند.
ومن المعروف أن التبادل الحضاري بين بلاد الرافدين وشبه القارة الهندية كان نشطاً منذ العصور القديمة، وأن بعض المحاصيل والممارسات الزراعية والحيوانية انتقلت بين هذه المناطق.
ومن الأمثلة التي تناولتها الدراسة زراعة الأرز وتربية الجاموس، وهما من المظاهر التي ترتبط تاريخياً بمناطق جنوب آسيا.
لكن وجود تأثيرات هندية في الحياة الاقتصادية والثقافية لا يعني بالضرورة أن سكان جنوب العراق أنفسهم قدموا من الهند. فالتجارة ونقل التقنيات والمحاصيل والحيوانات يمكن أن تحدث من دون هجرة سكانية واسعة.
والأهم أن نتائج الدراسة لم تُظهر أن الأصل الوراثي الغالب لسكان الأهوار يعود إلى شبه القارة الهندية، بل أظهرت غلبة أنماط وراثية ترتبط بسكان الشرق الأوسط، ولا سيما منطقة بلاد الرافدين والمناطق المجاورة، مع وجود مساهمات وراثية آسيوية محدودة.
وبذلك تضعف الدراسة فرضية الأصل الهندي الواسع لسكان الأهوار، لكنها لا تحسم وحدها جميع الأسئلة المتعلقة بأصول السومريين.
ماذا تقول جينات الأمهات؟
لم تقتصر الدراسة على تتبع السلالات الأبوية، بل حللت أيضاً الحمض النووي للميتوكوندريا، الذي يعكس مسارات الأصول الأمومية.
وأظهرت النتائج أن نحو 77.8% من المكونات الوراثية الأمومية لدى سكان الأهوار تعود إلى غرب أوراسيا، وهو ما يعزز الاستنتاج المتعلق بغلبة الأصول الشرق أوسطية.
كما رصد الباحثون مساهمات وراثية من جنوب آسيا وشرقها وأفريقيا، بما يعكس تاريخ المنطقة الطويل من التواصل والهجرة والاختلاط السكاني.
ولاحظت الدراسة أن التنوع الوراثي الأبوي أقل من التنوع الأمومي، وهي ظاهرة ربطها الباحثون بعوامل اجتماعية وتاريخية، منها أنماط الزواج والإقامة والهجرة، فضلاً عن تأثيرات الانجراف الوراثي.
هل أثبت العلم أن العراقيين أحفاد السومريين؟
لم تثبت الدراسة أن جميع العراقيين أحفاد مباشرون للسومريين، ولم تدّع أن سكان الأهوار يمثلون السلالة السومرية الخالصة.
لكنها قدمت مؤشرات مهمة على أن سكان جنوب العراق يحملون جذوراً وراثية شرق أوسطية محلية عميقة، وأن بعض سلالاتهم الأبوية شهد توسعاً في فترة تتزامن تقريباً مع ازدهار الحضارة السومرية.
ولإثبات الصلة بصورة أكثر حسماً، يحتاج الباحثون إلى مقارنة الحمض النووي القديم المستخرج من رفات بشرية عُثر عليها في مواقع سومرية موثقة أثرياً، بالحمض النووي لسكان العراق المعاصرين. وهذه المقارنة يمكن أن تقدم أدلة أكثر مباشرة على الاستمرارية السكانية عبر آلاف السنين.
العراق بين الاستمرارية والاختلاط
من الخطأ تصور أن الشعوب تبقى ثابتة وراثياً عبر آلاف السنين، أو أن سقوط الحضارات يعني اختفاء سكانها. فالمجتمعات تتغير لغاتها ومعتقداتها وثقافاتها، وتتداخل مع جماعات أخرى، لكنها قد تحتفظ بجزء كبير من موروثها السكاني.
والعراق، بحكم موقعه الجغرافي، كان على الدوام ملتقى للهجرات والتجارة والصراعات والتفاعلات الحضارية. لذلك فإن سكانه المعاصرين يحملون إرثاً تراكمياً تشكل عبر مراحل تاريخية طويلة، ولا يمكن اختزال أصولهم في سلالة واحدة أو حضارة واحدة.
ومع ذلك، فإن نتائج دراسة سكان الأهوار تقدم سبباً علمياً مهماً للاعتقاد بأن جذوراً سكانية محلية عميقة بقيت حاضرة في جنوب العراق، رغم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.
الخلاصة
هل العراقيون أحفاد السومريين أم الهنود؟ لا تقدم الدراسة إجابة نهائية تثبت النسب المباشر إلى السومريين، لكنها لا تدعم أيضاً فرضية أن سكان أهوار جنوب العراق ينحدرون أساساً من أصول هندية.
ما تقوله النتائج بوضوح هو أن المكوّن الوراثي الشرق أوسطي المحلي هو الغالب لدى السكان الذين شملتهم الدراسة، وأن بعض سلالاتهم الأبوية تحمل تاريخاً من التوسع يتقاطع مع مرحلة ازدهار الحضارة السومرية.
وربما تكون الإجابة الأعمق أن سكان العراق المعاصرين هم نتاج تاريخ طويل من الاستمرارية والاختلاط على أرض شهدت ولادة حضارات كبرى. أما تحديد مدى انحدارهم المباشر من السومريين، فيبقى سؤالاً يحتاج إلى مزيد من دراسات الحمض النووي القديم.
فالسومريون لم يتركوا لنا الألواح الطينية والمدن والمعابد وحدها، بل تركوا أيضاً سؤالاً مفتوحاً عن مصير سكانهم وامتدادهم البشري. وربما تكون جينات سكان جنوب العراق إحدى أهم الوسائل العلمية للاقتراب من الإجابة.
المرجع العلمي
Al-Zahery, N. et al. (2011). In search of the genetic footprints of Sumerians: A survey of Y-chromosome and mtDNA variation in the Marsh Arabs of Iraq. مجلة BMC Evolutionary Biology، المجلد 11، المقال رقم 288، نُشر في 4 أكتوبر تشرين الأول 2011.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3215667/
انتهى



