
د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله جل جلاله “أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الشورى 9﴾ الْمَوْتَى: الْ اداة تعريف، مَوْتَى اسم. بل اتخذ هؤلاء المشركون أولياء من دون الله يتولونهم، فالله وحده هو الوليُّ يتولاه عَبْدُه بالعبادة والطاعة، ويتولَّى عباده المؤمنين بإخراجهم من الظلمات إلى النور وإعانتهم في جميع أمورهم، وهو يحيي الموتى عند البعث، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل جلاله “أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ” فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (الشورى 9) “أم اتخذوا من دونه” أي الأصنام “أولياء” أم منقطعة بمعنى: بل التي للانتقال، والهمزة للإنكار أي ليس المتخذون أولياء، “فالله هو الولي” أي الناصر للمؤمنين والفاء لمجرد العطف “وهو يحيي الموتى وهو على كل شيءٍ قدير”.
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل جلاله “أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الشورى 9﴾ “أم اتخذوا من دونه أولياء” أي بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام والأوثان يوالونهم “فالله هو الولي” معناه أن المستحق للولاية في الحقيقة هو الله تعالى دون غيره لأنه المالك للنفع والضر “وهو يحيي الموتى” أي يبعثهم للجزاء “وهو على كل شيء قدير” من الإحياء والإماتة وغير ذلك. وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل جلاله “أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الشورى 9﴾ بعد أن قال سبحانه في الآية 6: “والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ” أعاد هنا هذا القول وزاد عليه بأنه تعالى وحده الناصر والمعين والمحيي والمميت والقادر على كل شيء، أعاد مع هذه الزيادة بقصد الاستنكار على من اتخذ من دونه أولياء مع أن غير اللَّه لا يحيي ولا يميت ولا ينصر ويعين لأنه لا يقدر على شيء.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل جلاله “أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الشورى 9﴾ قوله تعالى: “أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي – إلى قوله – فحكمه إلى الله” “أم” تفيد الإنكار كما ذكره الزمخشري. لما أفاد في الآية السابقة أن الله سبحانه يتولى أمر المؤمنين خاصة فيدخلهم في رحمته وأن الظالمين هم الكافرون المعاندون لا ولي لهم تعرض في هذه الآية لاتخاذهم أولياء يدينون لهم ويعبدونهم من دونه وكان يجب أن يتخذوا الله وليا يدينون له ويعبدونه فأنكر عليهم ذلك واحتج على وجوب اتخاذه وليا بالحجة بعد الحجة وذلك قوله: “فالله هو الولي” إلخ. فقوله: “فالله هو الولي” تعليل للإنكار السابق لاتخاذهم من دونه أولياء فيكون حجة لوجوب اتخاذه وليا، والجملة – فالله هو الولي – تفيد حصر الولاية في الله وقد تبينت الحجة على أصل ولايته وانحصارها فيه من قوله في الآيات السابقة: “العزيز الحكيم له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم” كما أشرنا إليه في تفسير الآيات. والمعنى: أنه تعالى ولي ينحصر فيه الولاية فمن الواجب على من يتخذ وليا أن يتخذه وليا ولا يتعداه إلى غيره إذ لا ولي غيره. وقوله: “وهو يحيي الموتى” حجة ثانية على وجوب اتخاذه تعالى وحده وليا، ومحصله أن عمدة الغرض في اتخاذ الولي والتدين له بعبوديته التخلص من عذاب السعير والفوز بالجنة يوم القيامة والمثيب والمعاقب يوم القيامة هو الله الذي يحيي الموتى فيجمعهم فيجازيهم بأعمالهم فهو الذي يجب أن يتخذ وليا دون أوليائهم الذين هم أموات غير أحياء ولا يشعرون أيان يبعثون. وقوله: “وهو على كل شيء قدير” حجة ثالثة على وجوب اتخاذه تعالى وليا دون غيره، ومحصله أن من الواجب في باب الولاية أن يكون للولي قدرة على ما يتولاه من شئون من يتولاه وأموره، والله سبحانه على كل شيء قدير ولا قدرة لغيره إلا مقدار ما أقدره الله عليه وهو المالك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره فهو الولي لا ولي غيره تعالى وتقدس.
عن تفسير الميزان للعلامة السيد الطباطبائي: قوله تعالى “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ” ﴿المائدة 55-56﴾ اشتمل قوله تعالى: “إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا” ” إلخ ” من السياق على ما يدل على وحدة ما في معنى الولاية المذكورة فيه حيث تضمن العد في قوله: “اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا” وأسند الجميع إلى قوله: “وَلِيُّكُمُ” وظاهره كون الولاية في الجميع بمعنى واحد. ويؤيد ذلك أيضا قوله في الآية التالية: “فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ” حيث يشعر أو يدل على كون المتولين جميعا حزبا لله لكونهم تحت ولايته، فولاية الرسول والذين آمنوا إنما هو من سنخ ولاية الله. وقد ذكر الله سبحانه لنفسه من الولاية، الولاية التكوينية التي تصحح له التصرف في كل شيء وتدبير أمر الخلق بما شاء، وكيف شاء قال تعالى: “أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيّ” (الشورى 9) وقال: “ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ” (السجدة 4) وقال: “أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ” (يوسف 101) وقال: “فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ” (الشورى 44) وفي معنى هذه الآيات قوله: “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ” (ق 16)، وقوله: “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ” (الانفال 24). وربما لحق بهذا الباب ولاية النصرة التي ذكرها لنفسه في قوله: “ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ” (محمد 11)، وقوله: “فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ” (التحريم 4)، وفي معنى ذلك قوله: “وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” (الروم 47). وذكر تعالى أيضا لنفسه الولاية على المؤمنين فيما يرجع إلى أمر دينهم من تشريع الشريعة والهداية والإرشاد والتوفيق ونحو ذلك كقوله تعالى: “اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّور” (البقرة 257)، وقوله: “وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ” (ال عمران 68) وقوله: “وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ” (الجاثية 19)، وفي هذا المعنى قوله تعالى: “وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً” (الاحزاب 36). فهذا ما ذكره الله تعالى من ولاية نفسه في كلامه، ويرجع محصلها إلى ولاية التكوين وولاية التشريع، وإن شئت سميتهما بالولاية الحقيقية والولاية الاعتبارية. وقد ذكر الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله من الولاية التي تخصه الولاية التشريعية وهي القيام بالتشريع والدعوة وتربية الأمة والحكم فيهم والقضاء في أمرهم، قال تعالى: “النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ” (الاحزاب 6)، وفي معناه قوله تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ” (النساء 105)، وقوله: “وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ” (الشورى 52)، وقوله: “رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ” (الجمعة 2)، وقوله: “لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ” (النحل 44) وقوله: “أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ” (النساء 59)، وقوله: “وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ” (الاحزاب 36)، وقوله: “وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ” (المائدة 49)، وقد تقدم أن الله لم يذكر ولاية النصرة عليه للأمة. ويجمع الجميع أن له صلى الله عليه وآله الولاية على الأمة في سوقهم إلى الله والحكم فيهم والقضاء عليهم في جميع شئونهم فله عليهم الإطاعة المطلقة فترجع ولايته صلى الله عليه وآله إلى ولاية الله سبحانه بالولاية التشريعية، ونعني بذلك أن له صلى الله عليه وآله التقدم عليهم بافتراض الطاعة لأن طاعته طاعة الله، فولايته ولاية الله كما يدل عليه بعض الآيات السابقة كقوله: “أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ” (الآية) وقوله: “وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً” (الآية) وغير ذلك. وهذا المعنى من الولاية لله ورسوله هو الذي تذكره الآية للذين آمنوا بعطفه على الله ورسوله في قوله: “إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا” على ما عرفت من دلالة السياق على كون هذه الولاية ولاية واحدة هي لله سبحانه بالأصالة ولرسوله والذين آمنوا بالتبع وبإذن منه تعالى.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل جلاله “أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الشورى 9﴾ الولي المطلق: أوضحت الآيات السابقة أن لا وليّ ولا نصير سوى الله، والآيات التي بين أيدينا تعطي أدلة على هذه القضية، وتنفي الولاية لما دونه سبحانه وتعالى. تقول الآية بأسلوب التعجب والإنكار: “أم اتخذوا من دونه أولياء”. إلا أنّهُ: “فالله هو الولي”. فلو أراد هؤلاء أن يختاروا ولياً، فعليهم أن يختاروا الله، لأنّ أدلة ولايته واضحة في الآيات السابقة، مع بيان أوصافه الكمالية، فالعزيز والحكيم، والمالك والعلي والعظيم، والغفور والرحيم، هذه الصفات السبع التي مرّت علينا تعتبر ـ لوحدها ـ أفضل دليل على اختصاص الولاية به. ثم تذكر دليلا آخر فتقول: “وهو يحيي الموتى”.ويجب اللجوء إليه لا لغيره، لأنّ المعاد والبعث بيده، وأنّ أكثر ما يخشاه الإنسان هو مصيره بعد الموت. ثم تذكر دليلا ثالثاً فتقول: (وهو على كلّ شيء قدير). وهذه إشارة إلى أنّ الشرط الرئيسي للولي هو امتلاكه للقدرة الحقيقية.
عن کتاب من هدى القرآن للسيد محمد تقي المدرسي: قوله تعالى “وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍ” (الشورى 8) يشفع لهم، ويخلصهم من العذاب.. وَلا نَصِيرٍ يعينهم، ولعل في هذا المقطع من الآية إشارة إلى حقيقة مهمة: أن الظالم لا يضر بنفسه فقط عندما يتخذ من دون الله أولياء، ويتبع الجبابرة، بل ويظلم الآخرين أيضا، ذلك لأنه باتباعه الظالم بل محض السكوت عنه يساهم في سيطرته على الآخرين. ولعل الآية تهدي أيضا عندما استخدمت كلمة الظالمين أن لا عدالة في غير ولاية الله، وأن لا نجاة من الظلم إلا بالعودة إليها، فما للظالمين من ولي ولا نصير. فمن رضي بحكومة الظالمين اكتوى بنارهم، ولا يستجاب دعاؤه في الخلاص منها. وبالرغم من أن لفظة الظالم قد يتسع مدلولها ليشمل كل منحرف إلا إن انتخابها متناسب والسياق الذي يحدثنا عن الولاية، وبتعبير معاصر أي القيادة وما تتبعه من فض الصراعات إما بعدالة أو بظلم. بلى، إن الكافرين والمشركين اتخذوا أولياء من دون الله، ولم يدركوا بأنه وحده الولي الحقيقي للإنسان، وصاحب القدرة المطلقة. “أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ” (الشورى 9) لأن إليه مصيرنا، وهو القاهر علينا. وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أما الأولياء والأنصار المزعومون فإنهم لا يقدرون على شيء إلا بقدر ما يريده الله لهم، فهم محدودون، والأولى بالعاقل أن ينتمي إلى صاحب القدرة المطلقة فعنده تتحقق طموحاته، ويصل إلى أهدافه. ويبيِّن ربنا معنى الانتماء الحقيقي لولاية الله، بأنه ليس مجرد الادعاء، والتمني في القلب، وحتى طاعة الله في الأمور الاعتيادية التي لا تكلف الإنسان جهدا ولا مصلحة ولا تنازلا، إنما التسليم لهذه الولاية في كل شأن، وبالذات عند الصراع، حيث يتشبث الواحد بفكرته وموقفه، وتثار فيه ذاتياته وعصبياته. وعجيب أمر البشر. إنهم لا يستفيدون من واسع رحمة الله، بل يتخذون الشركاء من دونه، ويزدادون بعدا عنه كلما توالت نعمه عليهم وربنا يتوعد هؤلاء بأنه يكتب كل ما تعمله أيديهم و جوارحهم ليعاقبهم عليه عاجلا أو آجلا. “وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ” (الشورى 6) يعتقدون أنهم هم الذين يرزقونهم، ويمنعون عنهم الأخطار، ويخطئون لأن الله هو الذي يرعاهم ويحفظهم. “اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ” يحفظهم برحمته الواسعة التي تشمل العاصي والمطيع، ويحفظ عليهم كل ما يصدر منهم، وهم وحدهم يتحملون مسؤولية أعمالهم “وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ” (الشورى 6) فما على الرسول إلا البلاغ.
يقول الشيخ جلال الدين الصغير: نريد أن نتوصل إليه هنا هو هل أن ولاية الله جل وعلا على كل شئ بمعنى تصرفه وتسلطه على كل شئ قابلة لأن تمنح لغيره بالتبع أو لا يمكن ذلك؟ ويتبدى لنا هنا وفي أول وهلة، أن الله سبحانه هو الولي المطلق على كل مخلق، والقرآن يفيض بالآيات التي تتحدث عن ذلك كما في قوله تعالى: “هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا” (الكهف 44) وقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ” (التوبة 116) وقوله تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ” (السجدة 4) وقوله تعالى: “أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۖ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (الشورى 9) وقوله تعالى: “وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِنۢ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُۥ ۚ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ * وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍۢ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌۭ * وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍۢ * وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ” (الشورى 28-31) وغير بذلك من الآيات التي تشير بما هو مفروغ عنه بأن لله الولاية الحق، ومحض أن تكون له الولاية، فلا محذور من أن يلي من أمره ما يشاء فهو صاحب الأمر وما أولاه لغيره، إنما يعبر عن كمال ولايته، وهذا الأمر نجده يتجلى في العديد من الآيات التي تحدثت عن أن الله جل وعلا قد أولى جملة من الخلائق بعضا من شؤون ولايته كما نجد ذلك في الآيات التي تتحدث عن الملائكة، فبعضها خصص لشؤون الوحي كما يشير إليه قوله تعالى: “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ” (الشورى 51).


