
د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ” (هود 7) هذا إخبار منه سبحانه عن نفسه بأنه أنشأهما في هذا المقدار من الزمان مع قدرته على أن يخلقهما في مقدار لمح البصر والوجه في ذلك أنه سبحانه أراد أن يبين بذلك أن الأمور جارية في التدبير على منهاج الحكمة منشأة على ترتيب لما في ذلك من المصلحة والمراد بقوله “ستة أيام” ما مقداره مقدار ستة أيام لأنه لم يكن هناك أيام بعد فإن اليوم عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ” (هود 7) في هذا دلالة على أن العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السموات والأرض وكان الماء قائما بقدرة الله تعالى على غير موضع قرار بل كان الله يمسكه بكمال قدرته وفي ذلك أعظم الاعتبار لأهل الإنكار وقيل إن المراد بقوله “عرشه” بناؤه يدل عليه قوله ومما يعرشون أي يبنون والمعنى وكان بناؤه على الماء فإن البناء على الماء أبدع وأعجب عن أبي مسلم. “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” معناه:أنه خلق الخلق ودبر الأمور ليظهر إحسان المحسن فإنه الغرض في ذلك أي: ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر لئلا يتوهم أنه سبحانه يجازي العباد على حسب ما في معلومه أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه وفي قوله “أحسن عملا” دلالة على أنه قد يكون فعل حسن أحسن من حسن آخر لأن حقيقة لفظة أفعل يقتضي ذلك “ولئن قلت” يا محمد لهم “إنكم مبعوثون من بعد الموت” للحساب والجزاء “لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ” (هود 7) أي: ليس هذا القول إلا تمويه ظاهر لا حقيقة له ومن قرأ ساحر فالمراد ليس هذا يعنون النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلا ساحر قال الجبائي وفي الآية دلالة على أنه كان قبل خلق السماوات والأرض الملائكة لأن خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه إلا أن يكون فيه لطف لمكلف يمكنه الاستدلال به فلا بد إذا من حي مكلف وقال علي بن عيسى لا يمتنع أن يكون في الأخبار بذلك مصلحة للمكلفين فلا يجب ما قاله الجبائي وهو الذي اختاره المرتضى قدس الله روحه. وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: المراد بعرش اللَّه ملكه واستيلاؤه، والماء معروف، وتدل الآية على أن الماء كان موجودا قبل خلق السماوات والأرض، أما من أين جاء؟ وهل كان قائما على قرار؟ فلا نص على شيء من ذلك في آية، أو رواية متواترة، والعقل وحده لا يملك العلم به، لذا نترك البحث عنه، وكل ما قرأنا في هذا الباب لا يعدو الحدس والتخمين، أما المادة الأولى التي وجد منها الكون فلا تفسير لها عندنا إلا قوله تعالى: كوني فكانت، ومن أنكر هذا علينا تلونا قوله سبحانه: “لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ” (الكافرون 6). “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (هود 7) أي ان اللَّه أودع فينا وفي الأرض ما أودع من الطاقات ليميز بين الذين يعيشون بكدّ اليمين، والذين يعيشون على حساب المستضعفين، فيعاقب هؤلاء على عصيانهم ويثيب أولئك على طاعتهم. هذه الآيات كغيرها من الآيات الكثيرة التي أخبرت عن المكذبين بالبعث، مع فارق واحد، وهو الاخبار عنهم هنا بأنهم شبهوا الحديث عن البعث بالسحر في التمويه على الناس وخداعهم، لينقادوا إلى طاعة النبي، ويضمن لنفسه الرئاسة عليهم.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: وله تعالى “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ” (هود 7) الكلام المستوفى في توصيف خلق السماوات والأرض على ما يظهر من كلامه تعالى ويفسره ما ورد في ذلك عن أهل العصمة عليهم السلام. وإجمال القول الذي يظهر به معنى قوله: “ستة أيام” وقوله: “وكان عرشه على الماء” هو أن الظاهر أن ما يذكره تعالى من السماوات بلفظ الجمع ويقارنها بالأرض ويصف خلقها في ستة أيام طبقات من الخلق الجسماني المشهود تعلو أرضنا فكل ما علاك وأظلك فهو سماء على ما قيل والعلو والسفل من المعاني الإضافية. فهي طبقات من الخلق الجسماني المشهود تعلو أرضنا وتحيط بها فإن الأرض كروية الشكل على ما يفيده قوله تعالى: “يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا” (الاعراف 54). والسماء الأولى هي التي تزينه مصابيح النجوم والكواكب فهي الطبقة التي تتضمنها أو هي فوقها وتتزين بها كالسقف يتزين بالقناديل والمشاكي وأما ما فوق السماء الدنيا فلم يرد في كلامه شيء من صفتها غير ما في قوله تعالى سبع سماوات طباقا” (الملك 3)، وقوله: “أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا” (نوح 15-16) حيث يدل على مطابقة بعضها بعضا. وقد ذكر الله سبحانه في صفة خلقها أنها كانت رتقاء ففتقها ومتفرقة متلاشية فجمعها وركمها وأنها كانت دخانا فصيرها سماوات، قال تعالى: “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” (الانبياء 30) “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا” (فصلت 12) فأفاد أن خلق السماوات إنما تم في يومين، واليوم مقدار معتد به من الزمان وليس من الواجب أن يطابق اليوم في كل ظرف ووعاء يوم أرضنا الحاصل من دورة واحدة من حركتها الوضعية كما أن اليوم الواحد في القمر الذي لهذه الأرض يعدل تسعة وعشرين يوما ونصفا تقريبا من أيام الأرض واستعمال اليوم في البرهة من الزمان شائع في الكلام. فقد خلق الله سبحانه السماوات السبع في برهتين من الزمان كما قال في الأرض:”قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ” (فصلت 10) فأنبأ عن خلقها في يومين وهما عهدان وطوران وجعل الأقوات في أربعة أيام وهي الفصول الأربعة. المراد بخلقها جمع أجزائها وفصلها وفتقها من سائر ما يختلط بها من المادة المتشابهة المركومة، وقد تم أصل الخلق والرتق في السماوات في يومين وفي الأرض أيضا في يومين ويبقى من الستة الأيام يومان لغير ذلك. وأما قوله: “وكان عرشه على الماء” (هود 7) فهو حال والمعنى وكان عرشه يوم خلقهن على الماء وكون العرش على الماء يومئذ كناية عن أن ملكه تعالى كان مستقرا يومئذ على هذا الماء الذي هو مادة الحياة فعرش الملك مظهر ملكه، واستقراره على محل هو استقرار ملكه عليه كما أن استواءه على العرش احتواءه على الملك وأخذه في تدبيره. وقول بعضهم: إن المراد بالعرش البناء أخذا من قوله تعالى:{مما يعرشون” (النحل 68) أي يبنون كلام بعيد عن الفهم. قوله تعالى: “ليبلوكم أيكم أحسن عملا” اللام للغاية والبلاء الامتحان والاختبار، وقوله: “أيكم أحسن عملا” بيان للاختبار والامتحان في صورة الاستفهام والمراد أنه تعالى خلق السماوات والأرض على ما خلق لغاية امتحانكم وتمييز المحسنين منكم من المسيئين.
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ” ﴿هود 7﴾ “وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ”. تقدم مثله مع التفسير في سورة الأعراف الآية 54 ج 3 ص 338. “وكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ” المراد بعرش اللَّه ملكه واستيلاؤه، والماء معروف، وتدل الآية على أن الماء كان موجودا قبل خلق السماوات والأرض، أما من أين جاء؟ وهل كان قائما على قرار؟ فلا نص على شيء من ذلك في آية، أو رواية متواترة، والعقل وحده لا يملك العلم به، لذا نترك البحث عنه، وكل ما قرأنا في هذا الباب لا يعدو الحدس والتخمين، أما المادة الأولى التي وجد منها الكون فلا تفسير لها عندنا إلا قوله تعالى: كوني فكانت، ومن أنكر هذا علينا تلونا قوله سبحانه: “لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ”. “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” أي ان اللَّه أودع فينا وفي الأرض ما أودع من الطاقات ليميز بين الذين يعيشون بكدّ اليمين، والذين يعيشون على حساب المستضعفين، فيعاقب هؤلاء على عصيانهم ويثيب أولئك على طاعتهم. “ولَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ”. هذه الآيات كغيرها من الآيات الكثيرة التي أخبرت عن المكذبين بالبعث، مع فارق واحد، وهو الإخبار عنهم هنا بأنهم شبهوا الحديث عن البعث بالسحر في التمويه على الناس وخداعهم، لينقادوا إلى طاعة النبي، ويضمن لنفسه الرئاسة عليهم.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ” ﴿هود 7﴾ الهدف من خلق الكون، والقسم الأساس من ذلك الهدف يعود للإِنسان نفسه الذي يمثل ذورة الخلائق. هذا الإِنسان الذي كتب عليه أن يسير في طريق التعليم والتربية ويشقّ طريق التكامل نحو الله تعالى. يقول الله سبحانه:”لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” أي ليختبركم ويمتحنكم أيّكم الأفضل والأحسن عملا بهذه الدار الدنيا. (ليبلوكم) كلمة مشتقّة من مادة (البلاء) و(الإِبتلاء) ومعناها كما أشرنا إِليه آنفاً الإِختبار والإِمتحان. والإِمتحانات الإِلهية ليست من قبيل معرفة النفس وكشف الحالة التي عليها الإِنسان في محتواه الداخلي وفي فكره وروحه، بل بمعنى التربية (تقدم شرح هذا الموضوع في ذيل الآية 155 من سورة البقرة) والطريف في هذه الآية أنّها تجعل قيمة كل إِنسان بحسن عمله لا بكثرة عمله، وهذا يعني أن الإِسلام يستند دائماً إِلى الكيفية في العمل لا إِلى الكثرة والكمية فيه. وفي هذا المجال ينقل عن الإِمام الصادق عليه السلام أنّه قال (ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصُوَبكم عملا، وإِنّما الإِصابة خشية الله والنيّة الصادقة. ثمّ قال: الإِبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إِلاّ الله عزَّوجلّ). والمطلب الثّالث: الذي تشير إِليه الآية آنفة الذكر ـ هو مسألة المعاد الذي لا ينفصل ولا يتجزأ عن مسألة خلق العالم، وفيها بيان الهدف من الخلق وهو تكامل الإِنسان وتكامل الإِنسان يعني التهّيؤ إِلى الحياة في عالم أوسع وأكمل، ولذلك يقول سبحانه: “وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ”. وكلمة (هذا) التي وردت في الآية آنفة الذكر على لسان الكفار، إِشارة إِلى كلام النّبي صلى الله عليه وآله وسلم في شأن المعاد. أي إِنّ ما تدّعيه أيّها النّبي في شأن المعاد سحر مكشوف وواضح، فعلى هذا تكون كلمة السحر هنا بمعنى الكلام العاري عن الحقيقة، والقول الذي لا أساس له، وبتعبير بسيط: الخدعة والسخرية لأنّ السَحَرة يُظهرون للناظرين بأعمالهم أُموراً لا واقع لها، ولهذا قد تطلق كلمة السحر على كل أمر عار عن الحقيقة. أمّا من يرى بأنّ (هذا) إِشارة إِلى القرآن المجيد، لأنّ القرآن أخّاذ وفيه جاذبية السحر فإنّه يجانب الصواب، لأنّ الآية تتكلم عن المعاد ولا تتكلم عن القرآن، وإِن كنّا لا ننكر أنّ القرآن فيه جاذبية وأنّه أخّاذ للغاية. استيعاب المؤمنين وعدم استيعاب غيرهم: في هذه الآيات وبمناسبة البحث السابق عن غير المؤمنين بيان لزوايا الحالات النفسية ونقاط الضعف في أخلاق هؤلاء الأفراد والتي تجبر الإِنسان إِلى هاوية الظلام والفساد.
وردت كلمة عرش ومشتقاتها في القرآن الكريم: عُرُوشِهَا، مَعْرُوشَاتٍ، الْعَرْشِ، يَعْرِشُونَ، عَرْشُهُ، عَرْشٌ، بِعَرْشِهَا، عَرْشَهَا، عَرْشُكِ. جاء في تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: (عرش) “معروشات” (الانعام 141) أي مرفوعات على ما يحملها، يقال: عرشت الكرم وعرشته: إذا جعلت تحته قصبا وأشباهه ليمتد عليه، و “غير معروشات” (الانعام 141) من سائر الشجر الذي يعرش، و “العرش” سرير الملك، وقال تعالى: “ورفع أبويه على العرش” (يوسف 100) وقال: “أهكذا عرشك” (النمل 42) و “كان عرشه على الماء” (هود 7) أي ما كان تحته خلق إلا الماء قبل خلق السماوات والأرض وارتفاعه فوقها، والعروش: السقوف، قال تعالى: “وهي خاوية على عروشها” (البقرة 259) (الكهف 43) (الحج 45) أي تسقط السقوف ثم تسقط الحيطان عليها، تعلق بخاوية، فالمعنى انها ساقطة بأن سقطت سقوفها على الأرض، ثم سقطت حيطانها عليها، وإن كان خبرا بعد خبر، فالمعنى هي خاوية وهي مظلة على عروشها، على معنى ان العروش سقطت على الأرض وبقيت الحيطان مشرفة عليها، وقدم البحث عن ذلك في خوى و “يعرشون” (الاعراف 126) (النحل 68) أي يبنون. قوله تعالى “تعرج الملائكة والروح إليه” (المعارج 4) أي إلى عرشه ومهبط أوامره.
قال اللّه عزّ و جلّ: “وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (هود 7). قال عليّ عليه السلام: نعم كان عرشه على الماء حين لا أرض مدحية و لا سماء مبنية و لا صوت يسمع و لا عين تنبع و لا ملك مقرب و لا نبيّ مرسل، و لا نجم يسري و لا قمر يجري، و لا شمس تضيء، و عرشه على الماء غير مستوحش إلى أحد من خلقه يمجّد نفسه و يقدّسه كما شاء ان يكون كان، ثم بدا أن يخلق الخلق فضرب بزارخ البحور فثار منها مثل الدخان كأعظم ما يكون من خلق اللّه فبنى بها سماء رتقا ثم انشقّ الأرض من موضع الكعبة و هي وسط الأرض فطبقت الى البحار. ثمّ فتقها بالبنيان و جعلها سبعا بعد إذ كانت واحدة ثم استوى إلى السماء و هي دخان من ذلك الماء الذي أنشأه من تلك البحور فخلقها سبعا طباقا بكلمته التي لا يعلمها غيره و جعل في كلّ سماء ساكنا من الملائكة، خلقهم مصمتين معصومين، من نور بحور عذبة و هو بحر الرجة و جعل طعامهم التسبيح و التهليل و التقديس فلمّا قضى أمره و خلقه استوى على ملكه فمدح كما ينبغي له أن يحمد. ثم قدّر ملكه فجعل في كلّ سماء شهبا معلقة كواكب كتعليق القناديل من المساجد ما لا يحصيها غيره تبارك و تعالى من النجوم لسماء كأكبر مدينة في الأرض ثم خلق الشمس و القمر فجعلهما شمسين فلو تركهما تبارك و تعالى كما كان ابتدائهما في أوّل مرّة لم يعرف خلقه اللّيل من النهار و لا عرف الشهر و لا السنة و لا علم العامل متى ينصرف في معيشته و متى يسكن لراحة بدنه، فكان اللّه تبارك و تعالى أرأف بعباده و أنظر لهم فبعث جبرئيل عليه السلام إلى إحدى الشمسين. فمسح بها جناحه فاذهب منها الشعاع و النور و ترك فيها الضوء و ذلك قوله”وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا” (الاسراء 12) و جعلهما يجريان في الفلك و الفلك يجري فيما بين السماء و الأرض مستطيل في السماء استطالة ثلاثة فراسخ يجري في غمرة الشمس و القمر كلّ واحد منها يقوده ثلاثمائة ملك بيد كلّ ملك منها عروة يجرونها في غمرة ذلك البحر لهم زجل بالتسبيح و التهليل و التقديس لو يدن واحد منها من غمير ذلك البحر لاحترق كل شيء على وجه الأرض حتى الجبال و الصخور و ما خلق اللّه من شيء. فلمّا خلق اللّه السموات و الأرض و الليل و النهار و النجوم و الفلك و جعل الأرضين على ظهر الحوت أثقلها فاضطربت فأثبتها بالجبال فلمّا استكمل خلق ما في السموات و الأرض يومئذ خالية ليس فيها أحد، قال للملائكة أني جاعل في الارض خليفة الآية، فبعث اللّه جبرئيل فأخذ من أديم الارض قبضة فعجنه بالماء العذب و الماء المالح و ركب فيه الطبائع قبل أن ينفخ فيه الروح فخلقه من أديم الأرض. فلذلك سمي آدم لأنه لما عجن استادم فطرحه في الجبل كالجبل العظيم و كان إبليس يومئذ خازنا على السماء الخامسة يدخل في منخر آدم و يخرج من دبره، ثم يضرب بيده على بطنه فيقول لأي أمر خلقت لأن جعلت فوقي لأطعتك، و لئن جعلت أسفل مني لا أبقيتك، فمكث في الجنة ألف سنة ما بين خلقه الى أن ينفخ فيه الروح فخلقه من ماء و طين و نور و ظلمة و ريح و النور من نور اللّه فأما النور فيورثه الايمان و أما الظلمة فتورثه الضلال و الكفر و أما الطين فيورثه الرعدة و الضعف و القشعريرة عند إصابة الماء. فيبعث به على أربع الطبائع على الدّم و البلغم و المرار و الريح، فذلك قوله تعالى: “أو لم ير الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً” (مريم 67)، قال فقال كعب يا عمر باللّه أتعلم كعلم عليّ عليه السلام من الأوصياء و من الأنبياء محمد صلى اللّه عليه و آله خاتم الأنبياء و عليّ خاتم الأوصياء و ليس على الأرض اليوم منفوسة إلّا و عليّ عليه السلام أعلم منه و اللّه ما ذكر من خلق الانس و الجنّ و السماء و الأرض و الملائكة شيئا الا و قد قرأته في التوراة كما قرأت قال فما رؤي عمر غضب قطّ مثل غضبه ذلك اليوم.
جاء في صحيفة القران المجيد عن سورة الفاتحة للشيخ حسن جليل حردان الانباري: والاختبار الإلهي مستمر في الوجود لجميع الناس حتى المؤمنين أنظر قوله تعالى: ” أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ” (العنكبوت 2). وعلى هذا يستمر الاختبار حتى في المؤمنين حتى يخلص منهم أحسنهم وأكملهم وأشرفهم وأتقاهم وأخلصهم لله، فيختاره الله بأفضل نعمه ليهدي الناس للصراط المستقيم من تعاليمه ومعارفه الحقة وهو مقام الإمامة أو النبوة، قال تعالى:”وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ” (هود 7)، فإذ تأكد لك المعنى الشريف وعرفت أن أحسن الناس الناجح في الابتلاء الإلهي والاختبار ويفوز ويخلص لله من جميع أنواع الابتلاء والفتن والمصائب التي تصيبه بنجاح تام، هو الذي يختص بنعم الله ويتشرف بإمامة الناس للسير بهم على الصراط المستقيم وهو المنعم عليه بالفوز وآلهداية فيكون هادي ومهدي بفضل الله تعالى فأنظر قوله تعالى: “وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ” (البقرة 124) فهذا أبو الأنبياء والأئمة الذي جعل الإمامة والولاية وآلهداية في صلبه، لم يحصل أبو الأنبياء والأئمة نبي الله إبراهيم على هذا المقام من الإمامة إلا بعد نجاحه في الابتلاء، وكان أحسن الناس عمل وذات ووجود واعتقاد وصفة إذ أتم ما عليه من الاختبار والامتحان الإلهي بأكمل وأتم وأنجح ما يمكن في زمانه، جعله الله تعالى بعد النجاح في الابتلاء إمام للناس ومبين لتعاليمه ومعارفه سبحانه تعالى ومن اللطف في البيان والجمال في المعنى لبيان رفعة مقام الإمامة وعلو شأنه أن أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام لما نال مقام الإمامة بعد مقام النبوة والرسالة والخلة حب هذا المقام واستلطفه وطلب من الله تعالى أن يجعله لذريته ويجعل الإمامة وهداية الناس للصراط المستقيم في أبنائه عليه السلام، وهي نعمة من أحسن نعم الله تعالى، والله سبحانه قد أجاب نبيه وخليله والمصطفى على الناس والنبي المرسل والخليل الإمام وقبل دعائه ولكن لا على الإطلاق ولم يجعل الإمامة لكل ولده، بل خصص بعضهم بها وشرف المختار المصطفى من ذريته والذي ينجح في كل الاختبارات والفتن مثل ما اختبره الله. نعم طلب النبي إبراهيم الإمام لذريته للمؤمن منهم طول عمرهم ولم يعصوا الله طرفة عين ولمن عصى في أوائل عمره ثم تاب وهذان قسمان، وغير معقول أن يطلب الإمامة للعاصي من أبناءه، ولا حتى للمؤمن في أول عمره ثم يعصي في أخره. والله تعالى حتى هذا خصصه وقال وخصص الإمامة لقسم واحد من ذرية إبراهيم عليه السلام فقط دون غيرهم، واختصت الإمامة بمن كان من ذريته ولم يعصي الله طرفة عين والمؤمن طول عمره، وأما العاصي أول عمره التائب آخر عمره كذلك لا يستحق الإمامة لأنه ظالم ولا ينال عهد الله، وهذا يدل على أن المطهرون من ذرية إبراهيم عليهم السلام المنفي عنهم الكذب والظلم هم المنعم عليهم وهم الأئمة. وهذا يدل على أن نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين هم المنعم عليهم والأئمة وأصحاب الصراط المستقيم الذي نفى عنهم الكذب وأمر بودهم وهم الأئمة والذي نطلب من الله تعالى أن يهدينا إليه وإليهم في اليوم عشر مرات في الصلاة عند قراءة الفاتحة فيها.
جاء في التفسير الوسيط للدكتور محمد سيد طنطاوي: قوله تعالى “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ” (الاعراف 54) أى: إن سيدكم ومالككم الذي يجب عليكم أن تفردوه بالعبادة هو الله الذي أنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق في مقدار ستة أيام. قال الشهاب: اليوم في اللغة مطلق الوقت، فإن أريد هذا فالمعنى في ستة أوقات. وإن أريد المتعارف وهو زمان طلوع الشمس إلى غروبها فالمعنى في مقدار ستة أيام، لأن اليوم إنما كان بعد خلق الشمس والسموات فيقدر فيه مضاف. وقال صاحب فتح البيان: (قيل هذه الأيام من أيام الدنيا، وقيل من أيام الآخرة، قال ابن عباس: يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وقال سعيد ابن جبير، «كان الله قادرا على أن يخلق السموات والأرض وما بينهما في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأنى في الأمور). وقوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال الشيخ القاسمى: ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها، فجاء بمعنى الاستقرار، ومنه اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وبمعنى القصد ومنه ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه. قال الفراء: تقول العرب استوى إلى يخاصمني أى: قصد لي وأقبل على. ويأتى بمعنى الاستيلاء. قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق، ويأتى بمعنى العلو ومنه هذه الآية. قال البخاري في آخر صحيحه في كتاب الرد على الجهمية في باب قوله تعالى: “وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ” (هود 7). قال مجاهد: استوى وعلا على العرش. وقال ابن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: “الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى” (طه 5) أى: علا وارتفع. وعرش الله كما قال الراغب مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له تعالى الله عن ذلك لا محمولا. وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية. وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات. أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة الله تعالى بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه سبحانه بصفات المحدثين، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير” (الشورى 11) وأنه يجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى. فعن أم سلمة رضى الله عنها في تفسير قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أنها قالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان، والجحود به كفر. وقال الإمام مالك: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
الشيخ الصغير في كتابه الولاية التكوينية الحق الطبيعي للمعصوم: في الواقع تظهر لنا آية الولاية “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا” (المائدة 55) وكذا الآيات التي تحدثت عن تعلق الوجود بوجود المعصوم عليه السلام، وكذا جملة كثيرة من الروايات أن الرسول صلى الله عليه واله وسلم الذي بلغ في عمله أعلى درجة الحسن في العمل وبالتالي تعلقت غاية الخلق بوجوده وفق مفاد الآية الكريمة “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (هود 7) أنه يستحق أن تكون ولايته مطلقة، فمن علق كل الكون بوجوده ما أسهل تصور أن ينقاد له هذا الكون كله، سيما وأنه بلغ من المنزلة عند الله ما لم يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل كما تظهر آيات سورة النجم الأولى، ولهذا يمكن القول أن ولاية الرسول صلى الله عليه واله وسلم على هذا الكون هي ولاية مطلقة، ومن ولايته نستنج تماثل ولاية أهل البيت عليه السلام مع ولايته صلى الله عليه واله وسلم بناء على دلالات الآية الكريمة: “أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ” (ال عمران 61). كنا قد ذكرنا فيما سبق شيئا عن إمامة الوجود ونعود الآن لنتحدث بشيء من التفصيل عن جانب من مفردات ذلك تاركين التفصيل لكتابنا (الإمامة: بحث في الضرورة والمهام). الناظر للآيات التي تحدثت عن الوجود الكوني يمكنه أن يقسمها إلى أقسام ثلاثة حيث سنجد القسم الأول وهو يتحدث عن بدايات النشأة وعلة الوجود كما في قوله تعالى: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (هود 7). فيما سنلحظ القسم الثاني وهو يتحدث عن الدور الذي سيضطلع به هذا الوجود كما في الآية الكريمة: “أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ” (لقمان 20). أو قوله تعالى: “وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (الجاثية 13). فيما سنلحظ أن القسم الثالث تحدث عن كيفية الترابط ما بين دور الوجود، وما بين الهدف المتوخى منه كما نرى في قوله تعالى: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” (الاحزاب 72).أو قوله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (الذاريات 56). ويقدم القرآن الكريم لنا في هذا الصدر آيتين للتعرف على ذلك أما الأولى فهي: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (هود 7) ففي هذه الآية نجد تعليل عملية الخلق مقترنة بوجود جهة أحسن العاملين، فقوله: “لِيَبْلُوَكُمْ” (هود 7) جعل بمقام الشرط للخلق، وذلك لوجود لام التعليل السابقة للفعل يبلوكم، وحيث تم الخلق، فمن البديهي أن نلمس أن جهة أحسن العاملين.
جاء في معاني القرآن الكريم: عرش العرش في الأصل: شيء مسقف، وجمعه عروش. قال تعالى: “وهي خاوية على عروشها” (البقرة 259)، ومنه قيل: عرشت الكرم وعرشته: إذا جعلت له كهيئة سقف، وقد يقال لذلك المعرش. يعرشون: يبنون الأبنية. وقيل يرفعون دوالي الأعناب على الخشب. وكان عنبهم غير معروش. وقيل: العروش هنا السقوف. قال تعالى: “معروشات وغير معروشات” (الانعام 141)، “ومن الشجر ومما يعرشون” (النحل 68)، “وما كانوا يعرشون” (الاعراف 137). قال أبو عبيدة (راجع: مجاز القرآن 1/227): يبنون، واعترش العنب: ركب عرشه، والعرش: شبه هودج للمرأة شبيها في الهيئة بعرش الكرم، وعرشت البئر: جعلت له عريشا. وسمي مجلس السلطان عرشا اعتبارا بعلوه. قال: “ورفع أبويه على العرش” (يوسف 100)، “أيكم يأتيني بعرشها” (النمل 38)، “نكروا لها عرشها” (النمل 41)، “أهكذا عرشك” (النمل 42)، وكني به عن العز والسلطان والمملكة، قيل: فلان ثل عرشه. وعرش الله: ما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة؛ فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له، تعالى عن ذلك، لا محمولا، والله تعالى يقول: “إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده” (فاطر 41)، وقال قوم: هو الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب، واستدل بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما السموات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة والكرسي عند العرش كذلك) (الحديث عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: (آية الكرسي)، ثم قال: (يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة). أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص 511؛ وابن أبي شيبة في كتاب العرش ص 77. وهو ضعيف) وقوله تعالى: “وكان عرشه على الماء” (هود 7)، تنبيه أن العرش لم يزل منذ أوجد.
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُورَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ” (النمل 26) العرش سرير الملك الذي عظمه الله ورفعه فوق السماوات السبع وجعل الملائكة تحف به وترفع أعمال العباد إليه وتنشأ البركات من جهته فهو عظيم الشأن كما وصفه الله تعالى وهو أعظم خلق الله تعالى. قوله سبحانه “سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ” (الزخرف 82) أي تنزيها لمالك السماوات والأرض وخالقهن وخالق العرش ومدبره عما يصفونه به من اتخاذ الولد لأن من قدر على ذلك استغنى عن اتخاذ الولد.
وجاء ذكر “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” بحرفيتها في ايات عديدة تشترك فيها الديانتين المسيحية والاسلام (البقرة 164) (ال عمران 190) (ال عمران 191) (الانعام 1) (الانعام 73) (الاعراف 54) (التوبة 36) (يونس 3) (هود 7) (ابراهيم 19) (ابراهيم 32) (النحل 3) (الاسراء 99) (الكهف 51) (الفرقان 59) (النمل 60) (العنكبوت 61) (الروم 22) (لقمان 25) (السجدة 4) (يس 81) (الزمر 5) (الزمر 38) (غافر 57) (الشورى 29) (الزخرف 9) (الاحقاف 33) (الحديد 4) (التغابن 3).
جاء في كتاب التخييل الحسّي و التجسيم في التصوير القرآني لسيد قطب: ومن (التجسيم) وصف المعنوي بمحسوس: كوصف العذاب بأنه غليظ “وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ” (إبراهيم 17). واليوم بأنه ثقيل. ” وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا” (الإنسان 27) فينتقل العذاب من معنى مجرد إلى شيء ذي غلظ وسمك، وينتقل اليوم من زمن لا يمسك إلى شيء ذي كثافة ووزن. وضرب الأمثلة على المعنوي بمحسوس، كقوله: “مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ” (الأحزاب 4) لبيان أن القلب الإنساني لا يتّسع لاتجاهين. ومثل: “وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا” (النحل 92) ) لبيان العبث في نقض العهد بعد المعاهدة. ومثل: “وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ” (الحجرات 12) لتفظيع الغيبة، حتى لكأنما يأكل الأخ لحم أخيه الميت. ومن ذلك: “بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ” (البقرة 81) و “أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا” (التوبة 49). فبعد أن تصبح الخطيئة شيئا ماديّا، تتحرك حركة الإحاطة، وبعد أن تصبح الفتنة لجة، يتحركون هم بالسقوط فيها. ومنه: ” وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ” (البقرة 42). ” فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ” (الحجر 94) ففي المثال الأول يصبح الحق والباطل مادتين تستر إحداهما بالأخرى. وفي المثال الثاني يصبح ما أمر به مادة يشق بها ويصدع، دلالة على القوة والنفاذ. ومنه: “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ” (البقرة 257) ” فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى” (البقرة 256) ففي المثال الأول يستحيل الهدى والضلال نورا وظلمة، ثم تبدأ عملية الإخراج المتخيلة. وفي المثال الثاني يصبح الإيمان عروة، ثم تبدأ الحركة المتخيلة في الاستمساك بها. فتؤدي هذه الصور المجسّمة المتحركة إلى تمثل أوضح وأرسخ للمعنى الخيالي المجرد. بهذه الطريقة المفضلة في التعبير عن المعاني المجردة، سار الأسلوب القرآني في أخص شأن يوجب فيه التجريد المطلق، والتنزيه الكامل: فقال: “يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ” (الفتح 10). “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ” (هود 7). ” وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” (البقرة 255). “ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ” (يونس 3). ” ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ” (فصلت 11). “وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ” (الزمر 67). “وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى” (الأنفال 17). “وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ” (البقرة 245)ُ. “وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا” (الفجر 22). و” وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ” (المائدة 64). “إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ ” (آل عمران 55) إلخ. وثار ما ثار من الجدل حول هذه الكلمات، حينما أصبح الجدل صناعة، والكلام زينة. وإن هي إلا جارية على نسق متبع في التعبير، يرمي إلى توضيح المعاني المجردة وتثبيتها، ويجري على سنن مطرد، لا تخلف فيه ولا عوج. سنن التخييل الحسي والتجسيم في كل عمل من أعمال التصوير. ولكن اتباع هذا السنن في هذا الموضع بالذات، قاطع في الدلالة- كما قلنا- على أن هذه الطريقة في القرآن أساسية في التصوير، كما أن (التصوير هو القاعدة الأولى في التعبير).
جاء في ملتقى أهل التفسير عن المياه في القرآن الكريم للكاتب محمد كالو: الماء أصل الحياة، ومادة كل خلق، وهو أول المخلوقات بدليل قوله تعالى: “وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين” (هود 7). قال الإمام القرطبي في تفسيره: “وكان عرشه على الماء” (هود 7): بين أن خلق العرش والماء قبل خلق الأرض والسماء. فلا عجب إذن، أن يضع الله تعالى في هذا المخلوق المبارك أسراراً تميزه عن باقي المخلوقات، فقد جعله الله تعالى أساس تكوين الخلية، وقد أثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء لازم لحدوث جميع التفاعلات و التحولات التي تتم داخل أجسام الكائنات الحية وبضمنها الإنسان، فإن أكثر من 70 % من وزنه ماء، وقد يوجد بين الأحياء كائنات تحيا دون هواء، ولكن ليس بين الكائنات الحية (حيوانية ونباتية، و أحياء مجهرية دقيقة) كائن واحد يستطيع العيش دون ماء، والماء ضروري لقيام كل عضو من الأعضاء بوظائفه التي بدونها لا تتوفر له مظاهر الحياة ومقوماتها، قال الله تعالى: “والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير” (النور 45). والماء أصل الإنسان ومنه خلق، قال الله تعالى: “فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب” (الطارق 5). والماء أصل النبات أيضاً، قال الله تعالى: “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون” (النحل 10). والماء هو المادة الرئيسة في أصل كل شيء، وفي صنع كل شيء، قال الله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون” (الانبياء 30).


