
رياض سعد
ليست كل كلمة تُقال على الهواء صحافة، ولا كل فضيحة تُنشر كشفاً للحقيقة، ولا كل من يمتلك ميكروفوناً مؤهلاً لممارسة السلطة الرابعة على المجتمع… ؛ فالصحافة، في جوهرها، مسؤولية أخلاقية وفكرية قبل أن تكون مهنة أو وسيلة للانتشار؛ غير أن بعض المنابر الإعلامية في العراق أخذت تنحدر إلى مستويات مقلقة، حين استبدلت التحقيق بالتشهير، والحجة بالشتيمة، والمساءلة بنبش الخصوصيات، وأصبحت الحياة الشخصية للآخرين مادة للاستهلاك الجماهيري وتصفية الحسابات السياسية والشخصية.
إننا أمام ظاهرة لا تقتصر على تجاوزات مهنية عابرة، بل تكشف عن أزمة في فهم الحرية، وفي العلاقة بين الإعلام والأخلاق، وبين النقد البناء وهدر كرامة الإنسان… ؛ فبدلاً من أن تكون الشاشة مساحة لمناقشة الأفكار والبرامج والمواقف، تحولت بعض المنصات والفضائيات إلى ساحات لتصفية الحسابات، تُستحضر فيها العلاقات الجنسية، وتُنبش الأسرار الشخصية والعائلية، وتُتداول الخصوصيات، ويُمارس التنابز بالألقاب والتعيير بالسمات الجسمانية، وكأن إهانة الإنسان أصبحت إحدى أدوات المنافسة الإعلامية والسياسية.
والمفارقة أن بعض هذه الممارسات تُسوَّق باعتبارها جرأة إعلامية، أو كشفاً للمستور، أو دفاعاً عن الحقيقة، فيما لا تتجاوز في كثير من الأحيان استثماراً رخيصاً في فضول الجمهور وغرائزه… ؛ فليس كل مستور فساداً، وليس كل سر فضيحة، وليس كل ما يثير اهتمام الجمهور يستحق النشر… ؛ ثمة فرق جوهري بين كشف قضية فساد تمس المال العام، وبين اقتحام الحياة الخاصة لإنسان لا تتصل خصوصياته بالمصلحة العامة؛ وبين مساءلة مسؤول عن استغلال منصبه، وبين تحويل علاقاته الشخصية وأسرته ومظهره الجسدي إلى مادة للسخرية والإذلال.
وحين يعجز بعض المتصدين للمشهد الإعلامي عن مواجهة أفكار خصومهم أو تفكيك مواقفهم، يلجؤون إلى استهداف أجسادهم وأسرهم وعلاقاتهم الخاصة، وكأنهم يعلنون إفلاسهم الفكري بصورة غير مباشرة… ؛ فبدلاً من الرد على الفكرة، يُهان صاحبها؛ وبدلاً من مواجهة الحجة، يُستدعى اللقب المهين؛ وبدلاً من مناقشة الموقف، تُنبش الحياة الخاصة. وهكذا تتحول الخصومة الفكرية والسياسية إلى معركة لإسقاط السمعة واغتيال الشخصية، لا لإثبات الحقيقة أو تصحيح الخطأ.
أما التعيير بالسمات الجسمانية، والسخرية من المظهر، والتنابز بالألقاب، فليست مجرد تجاوزات لفظية، وإنما تعبير عن ثقافة إقصائية تختزل الإنسان في صفاته الظاهرة، وتستبدل العقل بالغرائز، والوعي بالعدوان الرمزي… ؛ فالذي يسخر من جسد خصمه لا يناقش فكره، والذي يستهدف عائلته لا يواجه موقفه، والذي يفتش في أسراره بحثاً عن مادة للإهانة لا يمارس نقداً، بل يمارس اعتداءً على كرامة الإنسان.
ولا يعني الدفاع عن حرمة الحياة الخاصة منح الشخصيات العامة حصانة من المساءلة، أو تحويل الخصوصيات إلى ستار يحتمي خلفه الفاسدون… ؛ فحين تتصل واقعة شخصية باستغلال المنصب، أو الفساد، أو تضارب المصالح، أو خداع الجمهور، يصبح كشفها جزءاً من المسؤولية الإعلامية.. , لكن المصلحة العامة ليست مرادفاً لفضول الجمهور، وما يثير الاهتمام ليس بالضرورة ما يخدم المجتمع، كما أن كشف الحقيقة لا يستلزم بالضرورة نشر كل تفاصيل الحياة الخاصة.
إن أخطر ما تنتجه هذه الظاهرة هو تطبيع التشهير في الوعي الاجتماعي، بحيث تصبح الإهانة مادة للتسلية، والفضيحة وسيلة للانتصار، والكرامة الإنسانية تفصيلاً هامشياً في معركة الانتشار.. , وعندها لا يعود الضرر مقتصراً على المستهدفين، بل يمتد إلى أسرهم وأطفالهم ومحيطهم الاجتماعي، وإلى مجتمع يتعلم تدريجياً أن الخصومة تُحسم بالتشهير، وأن الاختلاف يُدار بالإذلال، وأن الإنسان لا يُناقش بقدر ما يُفضح.
إن الإعلام الذي يفترض أن يراقب السلطة، ويكشف الفساد، ويحمي المجتمع من التجاوزات، لا يجوز أن يتحول هو نفسه إلى سلطة تمارس الإذلال بلا مساءلة، وتوزع الاتهامات بلا أدلة، وتستبيح الأعراض تحت شعارات الحرية والجرأة… ؛ فالسلطة الرابعة ليست سلطة فوق المجتمع، ولا امتيازاً يمنح صاحبه حق الاعتداء على الآخرين، بل مسؤولية تستوجب الرقابة المهنية والأخلاقية والقانونية.
إن الصحافة التي تقتل الإنسان معنوياً على الهواء، ثم تزعم أنها تمارس حرية التعبير، إنما تخلط بين الحرية والعدوان، وبين النقد والتشهير، وبين كشف الحقيقة واستباحة الكرامة.
فحين تصبح الفضائح رأسمالاً إعلامياً، والأعراض مادة للانتشار، والشتائم لغة للمنافسة، فإننا لا نكون أمام أزمة إعلام فحسب، بل أمام انهيار أخلاقي يهدد معنى الكلمة وقيمة الحرية وحق الإنسان في الكرامة.
فالصحافة التي لا تحترم كرامة الإنسان لا تستطيع أن تدافع عن كرامة المجتمع؛ والإعلام الذي يتاجر بخصوصيات الناس لا يمكنه أن يدّعي الدفاع عن الحقيقة. وحين يتحول الميكروفون إلى أداة للتشهير، والشاشة إلى منصة للإذلال، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من يحمي المجتمع من إعلامٍ نسي أن الإنسان ليس فضيحة، وأن الكرامة ليست مادة للنشر، وأن الحرية لا تعني أن يصبح الجميع مباحين للجميع .
إن المأساة ليست أن يُشهَّر بالإنسان فحسب، بل أن يصبح التشهير به مهنة، والإذلال به وسيلة للانتشار، وانتهاك خصوصياته دليلاً مزعوماً على الجرأة الإعلامية.. , فحين تفقد الكلمة ضميرها، لا تعود أداة للمعرفة، بل تتحول إلى سلاح؛ وحين يفقد الإعلام أخلاقه، لا يعود حارساً للحقيقة، بل يصبح أحد حراس الابتذال.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الصحافة بالإنسان ليس أن تكشف خطأه، بل أن تسلبه كرامته؛ وليس أن تحاسبه على فعلٍ يمس المجتمع، بل أن تحوّل حياته إلى فضيحة، وخصوصياته إلى فرجة، وآلام أسرته إلى مادة للتداول.
وعند هذه النقطة تحديداً، لا يعود السؤال عن حرية الإعلام، بل عن حرية الإنسان من إعلامٍ يتوهم أن امتلاك الكلمة يمنحه حق امتلاك الآخرين.


