نوفمبر 6, 2026
رياض

رياض سعد

من الصحافة الاستقصائية إلى كاميرات التجسس ومختبرات الفبركة الرقمية.. حين تصبح خصوصيات الناس سلعة للمشاهدات

لم تعد بعض المنابر الإعلامية في العراق تكتفي بملاحقة قضايا الفساد وكشف التجاوزات ومساءلة الشخصيات العامة، بل أخذت تنزلق إلى نمط من العمل يقوم على اصطياد الفضائح، واقتحام الخصوصيات، وتتبع العلاقات الشخصية والعائلية، وتحويل الحياة الحميمة للأفراد إلى مادة للتداول والاستثمار الجماهيري.

وفي ظل هذا الانحدار، لم يعد الخبر المهم هو ما يكشف حقيقة أو يعالج قضية عامة، بل ما يستطيع إثارة أكبر قدر من الفضول والضجيج وتحقيق أعلى معدلات المشاهدة، بصرف النظر عن قيمته المعرفية أو مشروعيته الأخلاقية.

ولعل أكثر مظاهر هذه الظاهرة إثارة للقلق ما يُتداول من وقائع وادعاءات بشأن استخدام كاميرات وأجهزة تسجيل مخفية داخل بعض المكاتب وغرف الفنادق والأماكن الخاصة، بهدف اصطياد لحظات حميمة بين هذه الشخصية وتلك، أو بين مسؤول وامرأة تربطه بها علاقة شخصية، ثم تحويل تلك التسجيلات إلى مادة للابتزاز أو التشهير أو تصفية الحسابات السياسية والاجتماعية.

وهنا لا نكون أمام ممارسة صحفية تستهدف كشف الحقيقة، بل أمام انتهاك خطير للخصوصية، قد يتجاوز الشخص المستهدف إلى شريك حياته وأطفاله وأفراد أسرته، الذين يجدون أنفسهم فجأة ضحايا لتسجيلات لم يختاروا الظهور فيها، ولا علاقة لهم بالصراعات التي أنتجتها.

والأكثر انحداراً أن دائرة الاستباحة لم تعد تقف عند حدود الخصومات السياسية أو الشخصيات العامة، بل امتدت أحياناً إلى خصوصيات العائلة الواحدة، وما يدور داخل البيوت من خلافات ومشكلات وعلاقات وأسرار… ؛  فأصبحت بعض المنصات تتعامل مع الحياة الأسرية باعتبارها مخزناً للفضائح، ومع الخلافات الزوجية والعائلية باعتبارها فرصاً للانتشار، دون اكتراث بما يمكن أن تتركه هذه الممارسات من آثار نفسية واجتماعية مدمرة على أفراد الأسرة، ولا سيما النساء والأطفال.

إن الخطورة هنا لا تكمن في مجرد نشر مادة خاصة، بل في تحويل الخصوصية الإنسانية إلى سلعة إعلامية، وفي إرساء مناخ اجتماعي يتعامل مع انتهاك حرمة الآخرين بوصفه نوعاً من التسلية أو السبق الصحفي… ؛  فالصحافة التي تبحث عن فساد المسؤول تؤدي وظيفة رقابية مشروعة، أما التي تبحث عن لحظاته الحميمة لتبتزه أو تشهّر به، فإنها تكون قد غادرت ميدان الصحافة ودخلت ميدان التجسس والابتزاز.

ولم تقف المسألة عند التسجيلات الحقيقية أو المواد المسربة، بل دخلت عليها تقنيات التلاعب الرقمي والذكاء الاصطناعي، التي أتاحت إمكان إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية مفبركة، وإقحام وجوه الشخصيات العامة في مشاهد لم تقع، أو تركيب أصواتها على تصريحات لم تدلِ بها، أو إنشاء مشاهد حميمة وإباحية زائفة بقصد الإساءة والتسقيط والانتقام. وهكذا لم يعد الإنسان مهدداً بما فعله فعلاً فحسب، بل أصبح مهدداً أيضاً بما يمكن للآخرين أن يصنعوه باسمه وملامحه وصوته.

وهذه واحدة من أخطر التحولات التي فرضها العصر الرقمي؛ إذ لم تعد الصورة دليلاً كافياً على وقوع الحدث، ولا التسجيل الصوتي ضمانة قاطعة لصحة الكلام المنسوب إلى صاحبه، ولا المقطع المرئي برهاناً نهائياً على حقيقة ما يظهر فيه… ؛  فقد أصبح التزييف العميق قادراً على إنتاج مشاهد شديدة الإقناع، بما يضع الجمهور أمام تحدٍّ جديد يتمثل في التمييز بين الحقيقة والمحاكاة، وبين الوثيقة المصورة والمادة المصطنعة.. ,  والأخطر أن انتشار المادة المفبركة قد يسبق التحقق منها، فيما قد لا تصل الحقيقة التصحيحية إلى الجمهور نفسه الذي شاهد الأكذوبة وتفاعل معها.

وبذلك أصبح الذكاء الاصطناعي، الذي كان من المفترض أن يكون أداة لتوسيع المعرفة وتطوير البحث والإنتاج العلمي، قابلاً للتحول إلى أداة للتضليل والتشهير والاغتيال المعنوي. والمشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في العقلية التي توظفها؛ فالتكنولوجيا لا تنتج الانحطاط الأخلاقي من تلقاء نفسها، وإنما تمنح من يفتقر إلى المسؤولية وسائل أكثر تطوراً لممارسة ما كان يمارسه سابقاً بوسائل بدائية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن اقتصاد المشاهدات الذي بات يحكم جانباً واسعاً من الإعلام الرقمي… ؛  فقد أصبح بعض صناع المحتوى يتعاملون مع الإثارة الجنسية والفضائح والخلافات الشخصية والشتائم بوصفها استثمارات مضمونة العائد، فيما تُهمَّش المحاضرات العلمية والندوات الفكرية والفعاليات الثقافية والحوارات المعرفية، التي قد لا تحظى إلا بنسب مشاهدة محدودة قياساً إلى مقطع جنسي مثير أو فضيحة متداولة.

ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن مقطعاً جنسياً أو مشهداً فاضحاً منسوباً إلى إحدى الشخصيات قد يحصد ملايين المشاهدات والتفاعلات، بينما لا تتجاوز مشاهدات محاضرة علمية رصينة أو ندوة ثقافية جادة أعداداً محدودة، وربما لا تبلغ أصابع اليد في بعض الحالات… ؛  وهذه المقارنة، وإن لم تكن حكماً إحصائياً عاماً على المجتمع العراقي، فإنها تثير سؤالاً ثقافياً بالغ الأهمية: كيف أصبح المحتوى الذي يستثير الغرائز أقدر على استقطاب الجمهور من المحتوى الذي يخاطب العقل وينمي المعرفة؟

إن المسألة لا تتعلق بالمشاهدات وحدها، بل بطبيعة الذائقة العامة التي تسهم المنصات الإعلامية في تشكيلها وإعادة إنتاجها… ؛  فالخوارزميات تميل إلى مكافأة المحتوى الذي يثير الانفعال ويستدعي التعليق والمشاركة، سواء أكان انفعالاً بالإعجاب أم الغضب أم الصدمة، فتمنح المواد المثيرة فرصاً أكبر للانتشار، بينما تحتاج المواد العلمية والثقافية إلى جهد أكبر في التقديم والترويج وبناء الجمهور. وهكذا تنشأ حلقة متبادلة: منصات تبحث عن التفاعل، ومنتجون يبحثون عن الانتشار، وجمهور ينجذب إلى الإثارة، ثم تُستخدم أرقام المشاهدات لتبرير المزيد من الابتذال.

ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن الجمهور العراقي محكوم بالابتذال أو أنه يفتقر إلى الاهتمام بالثقافة والمعرفة، فالمجتمعات لا تُقاس قيمها بمجرد أرقام المشاهدات، كما أن المنصات لا تقدم بالضرورة صورة متوازنة عن اهتمامات الناس.. ,  لكن من المشروع أن نتساءل عن مسؤولية المؤسسات الإعلامية والتربوية والثقافية في مواجهة هذا الاختلال، وعن أسباب تراجع المحتوى المعرفي الجاد في معركة الوصول إلى الجمهور.

والأشد خطورة أن بعض هذه الممارسات قد تتجاوز مرحلة النشر إلى صناعة التهديد ذاته؛ إذ يجري التلويح بتسجيلات أو صور أو معلومات خاصة، وإبقاء الشخص المستهدف تحت ضغط احتمال نشرها، بما يضعه أمام ابتزاز معنوي واجتماعي، وقد يدفعه إلى التنازل أو الصمت أو تقديم مصالح معينة تجنباً للفضيحة. وعندئذ تتحول المادة الإعلامية من وسيلة لإبلاغ الجمهور إلى أداة للسيطرة على الأفراد وتوجيه سلوكهم، ويغدو الخوف من النشر وسيلة لفرض الإرادة وتحقيق المكاسب.

وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين الصحافة الاستقصائية، التي تجمع الأدلة وتتحقق منها وتكشف ما يمس المصلحة العامة، وبين شبكات التشهير والابتزاز التي تتصيد الأخطاء والخصوصيات وتستخدمها للضغط على أصحابها. فليس كل تسريب سبقاً صحفياً، وليس كل تسجيل وثيقة مشروعة للنشر، وليس كل مادة محرجة دليلاً على فساد. كما أن المسؤولية العامة لا تلغي الحق في الخصوصية، وإن كانت تتيح مساءلة أشد حين تتصل الوقائع باستغلال المنصب أو الإضرار بالمصلحة العامة.

إننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى المعايير المهنية التي تميز العمل الصحفي عن نشاط المتطفلين وتجار الفضائح: التحقق من المصادر، والتثبت من أصالة التسجيلات، وكشف التلاعب الرقمي، واحترام قرينة البراءة، ومراعاة التناسب بين المصلحة العامة والضرر الذي قد ينجم عن النشر، وعدم تحويل أفراد الأسرة إلى ضحايا جانبيين لصراعات لا علاقة لهم بها. كما أن نشر المواد الحميمة أو المفبركة لا يصبح مشروعاً لمجرد أن الشخص المستهدف سياسي أو مسؤول أو شخصية عامة.

وفي المحصلة، فإن الإعلام لا يُقاس بما يستطيع اقتناصه من أسرار الناس، ولا بعدد الفضائح التي يضعها أمام الجمهور، وإنما بقدرته على إنتاج المعرفة، وكشف الحقيقة، ومساءلة السلطة، والارتقاء بالوعي العام. فالمجتمع الذي تتحول فيه الفضائح إلى سلعة رائجة، والخصوصيات إلى أوراق ضغط، والتزييف إلى وسيلة لتصفية الحسابات، والمحتوى الهابط إلى أكثر المواد انتشاراً، يواجه أزمة تتجاوز الإعلام إلى منظومة القيم والثقافة والتربية والوعي.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله التكنولوجيا بالإنسان ليس أن تكشف أسراره، بل أن تصنع له أسراراً لم تكن موجودة؛ وأخطر ما يمكن أن تفعله الصحافة بالمجتمع ليس أن تنشر فضيحة، بل أن تقنعه بأن الفضائح هي الحقيقة الوحيدة الجديرة بالمشاهدة.

فحين تصبح الكاميرا أداة للتجسس، والذكاء الاصطناعي معملاً لتلفيق الوقائع، والميكروفون وسيلة للابتزاز، والمشاهدات معياراً للقيمة، لا نكون أمام تطور في الإعلام، بل أمام انحراف في وظيفته ورسالة مقلوبة لسلطته.

**فالصحافة التي تفتش عن عيوب الإنسان لتصنع منها سلعة، لا تختلف كثيراً عن التاجر الذي يبيع كرامة الناس في سوق الفضائح؛ والذكاء الذي لا يخدم الحقيقة قد يصبح أكثر الوسائل تطوراً في صناعة الكذب.