
د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله جلت قدرته “وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” (النساء 157) وبسبب قولهم على سبيل التهكم والاستهزاء: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه، وما قتلوا عيسى وما صلبوه، بل صلبوا رجلا شبيهًا به ظنًّا منهم أنه عيسى. ومن ادَّعى قَتْلَهُ من اليهود، ومن أسلمه إليهم من النصارى، كلهم واقعون في شك وحَيْرَة، لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن، وما قتلوه متيقنين بل شاكين متوهمين.
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جلت قدرته “وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” (النساء 157) قول اليهود: “إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ” حكاه الله تعالى عنهم، أي: رسول الله في زعمه، وقيل: إنه من قول الله سبحانه، لا على وجه الحكاية عنهم، وتقديره: الذي هو رسولي “وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ” واختلفوا في كيفية التشبيه: فروي عن ابن عباس أنه قال: لما مسخ الله تعالى الذين سبوا عيسى وأمه بدعائه، بلغ ذلك يهوذا وهو رأس اليهود، فخاف أن يدعو عليه، فجمع اليهود، فاتفقوا على قتله، فبعث الله تعالى جبرائيل يمنعه منهم، ويعينه عليهم. وذلك معنى قوله “وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ”، فاجتمع اليهود حول عيسى، فجعلوا يسألونه فيقول لهم: يا معشر اليهود إن الله تعالى يبغضكم، فساروا إليه ليقتلوه، فأدخله جبرائيل في خوخة البيت الداخل لها روزنة في سقفها، فرفعه جبرائيل إلى السماء، فبعث يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه اسمه طيطانوس، ليدخل عليه الخوخة فيقتله، فدخل فلم يره، فأبطأ عليهم، فظنوا أنه يقاتله في الخوخة، فألقى الله عليه شبه عيسى. فلما خرج على أصحابه، قتلوه وصلبوه. وقيل: ألقى عليه شبه وجه عيسى، ولم يلق عليه شبه جسده، فقال بعض القوم: إن الوجه وجه عيسى، والجسد جسد طيطانوس. وقال بعضهم: إن كان هذا طيطانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى، فأين طيطانوس؟ فاشتبه الأمر عليهم. وقال وهب بن منبه: أتى عيسى ومعه سبعة من الحواريين في بيت، فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم، صيرهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا، ليبرزن لنا عيسى، أو لنقتلنكم جميعا فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم اسمه سرجس: أنا. فخرج إليهم، فقال: أنا عيسى. فأخذوه، وقتلوه، وصلبوه، ورفع الله عيسى من يومه ذلك، وبه قال قتادة، ومجاهد، وابن إسحاق. وإن اختلفوا في عدد الحواريين، ولم يذكر أحد غير وهب، أن شبهه ألقي على جميعهم، بل قالوا: ألقي شبهه على واحد، ورفع عيسى من بينهم. قال الطبري: وقول وهب أقوى، لأنه لو ألقي الشبه على واحد منهم، مع قول عيسى: ” أيكم يلقى شبهي فله الجنة ” ثم رأوا عيسى رفع من بينهم. قال الطبري: لما اشتبه عليهم، ولما اختلفوا فيه، وإن جاز أن يشتبه على أعدائهم من اليهود الذين ما عرفوه، لكن ألقي الشبه على جميعهم، وكانوا يرون كل واحد منهم بصورة عيسى، فلما قتل أحدهم، اشتبه الحال عليهم. وقال أبو علي الجبائي: إن رؤساء اليهود أخذوا إنسانا، فقتلوه وصلبوه، على موضع عال، ولم يمكنوا أحدا من الدنو إليه، فتغيرت حليته، وقالوا: قد قتلنا عيسى، ليوهموا بذلك على عوامهم، لأنهم كانوا أحاطوا بالبيت الذي فيه عيسى، فلما دخلوه، كان عيسى قد رفع من بينهم، فخافوا أن يكون ذلك سببا لإيمان اليهود به، ففعلوا ذلك. والذين اختلفوا فيه هم غير الذين صلبوه، وإنما باقي اليهود. وقيل: إن الذي دلهم عليه، وقال: هذا عيسى، أحد الحواريين، أخذ على ذلك ثلاثين درهما، وكان منافقا، ثم إنه ندم على ذلك، واختنق حتى قتل نفسه، وكان اسمه بودس زكريا بوطا، وهو ملعون في النصارى. وبعض النصارى يقول: إن بودس زكريا بوطا، هو الذي شبه لهم، فصلبوه، وهو يقول: لست بصاحبكم أنا الذي دللتكم عليه وقيل: إنهم حبسوا المسيح، مع عشرة من أصحابه، في بيت، فدخل عليهم رجل من اليهود، فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، فقتلوا الرجل، عن السدي. “وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ” قيل: يعني بذلك عامتهم، لأن علماءهم علموا أنه غير مقتول، عن الجبائي. وقيل: أراد بذلك جماعة اختلفوا، فقال بعضهم: قتلناه، وقال بعضهم: لم نقتله. “مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ” أي: لم يكن لهم بمن قتلوه علم، لكنهم اتبعوا ظنهم، فقتلوه ظنا منهم، أنه عيسى، ولم يكن به، وإنما شكوا في ذلك، لأنهم عرفوا عدة من في البيت، فلما دخلوا عليهم، وفقدوا واحدا منهم، التبس عليهم أمر عيسى، وقتلوا من قتلوه على شك منهم في أمر عيسى، هذا على قول من قال: لم يتفرق أصحابه، حتى دخل عليهم اليهود. وأما من قال: تفرق أصحابه عنه، فإنه يقول: كان اختلافهم في أن عيسى هل كان فيمن بقي، أو كان فيمن خرج، اشتبه الأمر عليهم. وقال الحسن: معناه فاختلفوا في عيسى، فقالوا مرة هو عبد الله، ومرة هو ابن الله، ومرة هو الله. وقال الزجاج: معنى اختلاف النصارى فيه أن منهم من ادعى أنه إله لم يقتل، ومنهم من قال قتل. “وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” اختلف في الهاء في “قَتَلُوهُ” فقيل: إنه يعود إلى الظن، أي: ما قتلوا ظنهم يقينا، كما يقال: ما قتله علما، عن ابن عباس، وجويبر. ومعناه: ما قتلوا ظنهم الذي اتبعوه في المقتول الذي قتلوه، وهم يحسبونه عيسى، يقينا أنه عيسى، ولا أنه غيره، لكنهم كانوا منه على شبهة. وقيل: إن الهاء عائد إلى عيسى، يعني: ما قتلوه يقينا، أي: حقا، فهو من باب تأكيد الخبر، عن الحسن أراد أن الله تعالى نفى عن عيسى القتل، على وجه التحقيق واليقين.
ترتبط هذه المفاهيم المعرفية في القرآن الكريم بعلاقة متدرجة تبدأ بالشك وتمر بالظن وصولاً إلى العلم واليقين، حيث ينتقل الإنسان من الحيرة والتخمين إلى الإدراك القائم على الدليل ثم طمأنينة القلب الثابتة. 1. الشك: يمثل الشك حالة التردد بين الاحتمالات دون ترجيح، ويرى القرآن الشك في الحقائق البينة أمراً مذموماً يصدر عن الهوى أو العناد ويمنع الاستقرار المعرفي. قال تعالى: “بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ” (الدخان 9). 2. الظن هو ترجيح أحد الاحتمالين دون الوصول إلى القطع. وقد فرق القرآن بين نوعين من الظن: الظن المذموم: وهو القائم على التخمين واتباع الهوى في العقائد والحقائق. قال تعالى: “وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّات إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً” (يونس 36). الظن المحمود: وهو بمعنى قوة الرجاء وحسن الظن بالله وبسط اليقين في القلب. قال تعالى: “الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (البقرة 46). 3. العلم هو الإدراك الجازم المطابق للواقع القائم على الدليل والبرهان، وهو الأساس الذي يبني عليه القرآن التكليف والتفكر والحجة. قال تعالى: “فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ” (محمد 19). وقال تعالى: “وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ” (الإسراء 36). 4. اليقين هو أعلى درجات العلم، حيث يزول الشك بالكامل وتصل المعرفة إلى مرحلة الثبات والاطمئنان القلبي التام. قال تعالى: “وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ” (الأنعام 75). وقال تعالى: “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” (الحجر 99). تتجلى العلاقة الجامعة في أن القرآن يدعو الإنسان للترفع عن الشك الجاحد والظن الباطل، والاستناد إلى العلم للوصول إلى مرتبة اليقين الصادق.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جلت قدرته “وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” (النساء 157) “وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه”. وصفوه برسول اللَّه تهكما به وبدعوته. “وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهً لَهُمْ”. لما صمم اليهود على قتل السيد المسيح ألقى اللَّه شبهه على أحد المجرمين المستحقين للقتل، وقيل: ان هذا المجرم هو يهوذا الذي قاد الحملة ضد عيسى، فأخذه اليهود، وعذبوه وصلبوه معتقدين انه السيد المسيح، وبعد الصلب فقدوا صاحبهم، فارتبكوا وتحيروا، وقالوا: ان كان المصلوب عيسى فأين صاحبنا؟ وان كان المصلوب صاحبنا فأين عيسى؟. “وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ”. اختلف اليهود والنصارى في السيد المسيح عليه السلام، ووقفوا منه موقفين متناقضين، فقال اليهود: هو ابن زنا. وقال النصارى هو ابن اللَّه. وأيضا قال اليهود: صلبناه، ودفن تحت الأرض إلى غير رجعة. وقال النصارى: انه صلب ودفن، ولكنه قام من تحت التراب، ورجع إلى الدنيا بعد ثلاثة أيام. فرد اللَّه سبحانه على الجميع بقوله: “ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ”. والظن لا يغني عن الحق شيئا، والحق اليقين الذي لا ريب فيه هو ما أنبأنا اللَّه به في قوله: “وما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ”. هذه هي الحقيقة رفع إلى اللَّه تعالى، لا قتل ولا صلب.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جلت قدرته “وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” (النساء 157) قد تقدم في قصص عيسى عليه السلام في سورة آل عمران أنهم اختلفوا في كيفية قتله صلبا وغير صلب فلعل حكايته تعالى عنهم دعوى قتله أولا ثم ذكر القتل والصلب معا في مقام الرد والنفي لبيان النفي التام بحيث لا يشوبه ريب فإن الصلب لكونه نوعا خاصا في تعذيب المجرمين لا يلازم القتل دائما، ولا يتبادر إلى الذهن عند إطلاق القتل، وقد اختلف في كيفية قتله فمجرد نفي القتل ربما أمكن أن يتأول فيه بأنهم ما قتلوه قتلا عاديا، ولا ينافي ذلك أن يكونوا قتلوه صلبا فلذلك ذكر تعالى بعد قوله “وَما قَتَلُوهُ” قوله “وَما صَلَبُوهُ” ليؤدي الكلام حقه من الصراحة، وينص على أنه عليه السلام لم يتوف بأيديهم لا صلبا ولا غير مصلوب، بل شبه لهم أمره فأخذوا غير المسيح عليه السلام مكان المسيح فقتلوه أو صلبوه، وليس من البعيد عادة، فإن القتل في أمثال تلك الاجتماعات الهمجية والهجمة والغوغاء ربما أخطأ المجرم الحقيقي إلى غيره وقد قتله الجنديون من الروميين، وليس لهم معرفة بحاله على نحو الكمال فمن الممكن أن يأخذوا مكانه غيره، ومع ذلك فقد وردت روايات أن الله تعالى ألقى شبهه على غيره فأخذ وقتل مكانه. وربما ذكر بعض محققي التاريخ أن القصص التاريخية المضبوطة فيه عليه السلام والحوادث المربوطة بدعوته وقصص معاصريه من الحكام والدعاة تنطبق على رجلين اثنين مسميين بالمسيح ـ وبينهما ما يزيد على خمسمائة سنة ـ: المتقدم منهما محق غير مقتول، والمتأخر منهما مبطل مصلوب، وعلى هذا فما يذكره القرآن من التشبيه هو تشبيه المسيح عيسى بن مريم رسول الله بالمسيح المصلوب. والله أعلم. وقوله “وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ” أي اختلفوا في عيسى أو في قتله “لَفِي شَكٍّ مِنْهُ” أي في جهل بالنسبة إلى أمره “ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ” وهو التخمين أو رجحان ما بحسب ما أخذه بعضهم من أفواه بعض. وقوله “وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً” أي ما قتلوه قتل يقين أو ما قتلوه أخبرك خبر يقين، وربما قيل: إن الضمير في قوله ” وَما قَتَلُوهُ ” راجع إلى العلم أي ما قتلوا العلم يقينا. وقتل العلم لغة تمحيضه وتخليصه من الشك والريب، وربما قيل: إن الضمير يعود إلى الظن أي ما محضوا ظنهم وما تثبتوا فيه، وهذا المعنى على تقدير ثبوته معنى غريب لا يحمل عليه لفظ القرآن.
تتجلى الخطوات المنطقية التي يقيمها القرآن الكريم لنقل العقل من الشك والظن إلى العلم واليقين عبر آيات صريحة تُجسّد هذا المنهج: 1. إبطال التقليد والتخمين القائم على الظن: يبدأ القرآن بتفكيك ظنون الإنسان وتنبيهه إلى خطورة بناء العقيدة على التخمين والتبعية بلا علم. قال تعالى: “وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّات إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً” (يونس 36). وقال تعالى: “وَإِن تُطِعْ أَكْثَرُ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” (الأنعام 116). 2. المطالبة بالدليل العلمي والبرهان: يرفض القرآن الاستسلام للشبهات، ويقرر قاعدة منطقية تصدم الدعاوى الخالية من المستند، بالحث على تقديم البينة. قال تعالى: “قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” (البقرة 111). وقال تعالى: “قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ” (الأنعام 148). 3. توجيه النظر إلى الاستقراء والتفكر الكوني: ينقل القرآن العقل من الحيرة إلى المعرفة الجازمة بتحفيز التفكر الاستقرائي في قوانين الوجود والنفس. قال تعالى: “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ” (فصلت 53). وقال تعالى: “أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ” (الأعراف 185). 4. الوصول إلى مراتب اليقين وطمأنينة القلب: حين يستند العقل إلى البراهين المشهودة، يرتفع من مجرد المعرفة النظرية إلى أقصى درجات الثبات واليقين. قال تعالى: “وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ” (الأنعام 75). وقال تعالى: “كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ” (التكاثر 5). وقال تعالى: “وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ” (الحاقة 51). تثبت هذه الآيات أن الانتقال من التردد إلى اليقين في العقيدة القرآنية لا يتم بالإكراه أو التخمين، بل عبر إعمال العقل، والمطالبة بالبرهان، واستقراء الآيات المشهودة.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جلت قدرته “وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” (النساء 157): قد تجاوز هؤلاء المجرمون الحدّ، فالصقوا بمريم العذراء الطاهرة تهمة شنيعة و بهتانا عظيما، هي أمّ لأحد أنبياء اللّه الكبار، و ذلك لأنّها حملت به بإذن اللّه دون أن يمسها رجل، تقول الآية في هذا المجال: “وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً” (النساء 156). و قد تباهي هؤلاء الجناة و افتخروا بقتلهم الأنبياء، و زعموا أنّهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه، تقول الآية: “وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ” (النساء 157) و لعل هؤلاء كانوا يأتون بعبارة رسول اللّه استهزاء و نكاية، و قد كذبوا بدعواهم هذه في قتل المسيح، فهم لم يقتلوه و لم يصلبوه، بل صلبوا شخصا شبيها بعيسى المسيح عليه السّلام، و إلى هذه الواقعة تشير الآية بقولها: “وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ” (النساء 157) و أكّدت الآية أنّ الذين اختلفوا في أمر المسيح عليه السّلام كانوا هم أنفسهم في شك من أمرهم، فلم يكن أحدهم يؤمن و يعتقد بما يقول، بل كانوا يتبعون الأوهام و الظن، تقول الآية: “وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ” (النساء 157) و قد بحث المفسّرون حول موضوع الخلاف الوارد في هذه الآية، فاحتمل بعضهم أن يكون الخلاف حول منزلة و مقام المسيح عليه السّلام حيث اعتبره جمع من المسيحيين ابنا للّه، و رفض البعض الآخر كاليهود كونه نبيّا، و إن كل هؤلاء كانوا على خطأ من أمرهم. و قد يكون المقصود بالخلاف هو موضوع كيفية قتل المسيح عليه السّلام حيث قال البعض بأنّه قتل، و قال آخرون بأنّه لم يقتل، و لم يكن أي من هاتين الطائفتين ليثق بقول نفسه. أو لعل الذين ادعوا قتل المسيح وقعوا في شك من هذا الأمر لعدم معرفتهم بالمسيح عليه السّلام، فاختلفوا في الذي قتلوه هل كان هو المسيح، أو هو شخص غيره؟ و يأتي القرآن ليؤكّد هنا بأن هؤلاء لم يقتلوا المسيح أبدا، بل رفعه اللّه إليه، و اللّه هو القادر على كل شيء، و هو الحكيم لدى فعل أي شيء، تقول الآية: “وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً” (النساء 157).
ويستطرد الشيخ الشيرازي في تفسيره الآية النساء 157 قائلا: لعل هؤلاء كانوا يأتون بعبارة (رسول الله) استهزاء ونكاية، وقد كذبوا بدعواهم هذه في قتل المسيح، فهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، بل صلبوا شخصا شبيها بعيسى المسيح عليه السلام، وإلى هذه الواقعة تشير الآية بقولها: “وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ”. وأكّدت الآية أنّ الذين اختلفوا في أمر المسيح عليه السلام كانوا ـ هم أنفسهم ـ في شك من أمرهم، فلم يكن أحدهم يؤمن ويعتقد بما يقول، بل كانوا يتبعون الأوهام والظن، تقول الآية: “وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ”. وقد بحث المفسّرون حول موضوع الخلاف الوارد في هذه الآية، فاحتمل بعضهم أن يكون الخلاف حول منزلة ومقام المسيح عليه السلام حيث اعتبره جمع من المسيحيين ابنا لله، ورفض البعض الآخر ـ كاليهود ـ كونه نبيّا، وإن كل هؤلاء كانوا على خطأ من أمرهم. وقد يكون المقصود بالخلاف هو موضوع كيفية قتل المسيح عليه السلام حيث قال البعض بأنّه قتل، وقال آخرون بأنّه لم يقتل، ولم يكن أي من هاتين الطائفتين ليثق بقول نفسه.


