
نظام مير محمدي*
لم تعد التناقضات في الخطاب السياسي الإيراني مجرد اختلافات في وجهات النظر بين مؤسسات النظام أو أجنحته المتنافسة، بل باتت تعكس مأزقا استراتيجياعميقا في قمة هرم السلطة، حيث يبدو أن القيادة الإيرانية عاجزة عن تحديد المسار الذي ينبغي أن تسلكه للخروج من حالة “لا حرب ولا سلام” التي تحولت إلى معادلة تستنزف الدولة والمجتمع معا.
وتكشف المواقف المتباينة التي أعقبت لقاء مجتبى خامنئي بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ثم تصريحات مسعود بزشكيان في اجتماع مجلس الوزراء، عن فجوة واضحة في تفسير التوجهات العليا للنظام. ففي الوقت الذي جرى فيه التأكيد على التمسك بشروط طهران لإنهاء حالة الجمود، قدم بزشكيان قراءة توحي بضرورة كسر هذه الحالة، مع التشديد في الوقت ذاته على الاستعداد للحرب.
إن الجمع بين هذين الموقفين قد يبدو، للوهلة الأولى، محاولة للحفاظ على هامش المناورة السياسية، لكنه في الحقيقة يعكس غياب تصور واضح لنهاية الأزمة. فكيف يمكن للنظام أن يطالب بإنهاء حالة اللااستقرار، بينما يتمسك في الوقت نفسه بالأدوات والخطابات التي تجعل استمرارها أمرا مرجحا؟ وكيف يمكن الحديث عن تسوية سياسية، في حين تطرح شروط عسكرية وأمنية تجعل الوصول إليها أكثر تعقيدًا؟
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فلقاءات مجتبى خامنئي مع محمد باقر قاليباف، وما رافقها من تأكيد على تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة وتشديد السيطرة على مضيق هرمز، تشير إلى أن المؤسسة الحاكمة لا تزال تنظر إلى القوة العسكرية باعتبارها الضمانة الأساسية لموقعها الإقليمي وقدرتها على التأثير في حسابات خصومها.
غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة كبيرة؛ فالأدوات التي يعتقد النظام أنها تمنحه قوة تفاوضية قد تتحول إلى عوامل إضافية لعزله وتعريضه لمواجهة لا يمتلك بالضرورة القدرة على تحمل تكاليفها. كما أن التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه لا يمثل مجرد ورقة ضغط على الخصوم، بل ينطوي على تداعيات اقتصادية ودولية قد تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
وفي المقابل، لا تبدو الدبلوماسية الإيرانية قادرة على تقديم بديل مقنع. فالمفاوضات، إن وجدت، تصطدم بتباين الحسابات داخل النظام نفسه، وبصعوبة التوفيق بين متطلبات تخفيف العقوبات والضغوط الاقتصادية من جهة، والإصرار على الاحتفاظ بمقومات النفوذ العسكري والإقليمي من جهة أخرى.
لكن المعضلة الأكثر جدية بالنسبة لطهران لا تكمن في حسابات واشنطن أو أي دولة أخرى، بل هي كامنة في الداخل الإيراني وقوى المقاومة، وهو أمر يدركه ولي فقیه النظام وأركان حكمه أفضل من أي شخص آخر. فالاقتصاد المنهك، والتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر والبطالة، تجعل أي مغامرة عسكرية جديدة عبئا إضافيا على مجتمع يعاني أصلا من تداعيات سياسات طويلة من سوء الإدارة وتبديد الموارد.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التردد القيادي؛ فالتراجع أمام الضغوط الخارجية قد يفسر داخل أجنحة النظام باعتباره ضعفا يهدد تماسك السلطة، بينما قد يؤدي الإصرار على التصعيد إلى مواجهة تكون نتائجها السياسية والاقتصادية أكثر خطورة. أما استمرار الوضع الراهن، فلا يعني تجميد الأزمة، بل استمرار تراكم عناصرها.
إن مجتبى خامنئي، الذي يفترض أن يمثل مركز الثقل في عملية صنع القرار، يجد نفسه أمام معادلة لا توفر خيارات مريحة. فالقوة العسكرية لا تضمن الاستقرار السياسي، والتسوية الدبلوماسية لا تعالج أزمة الشرعية، والمراوحة بين الاثنين لا تمنح النظام سوى مزيد من الوقت المستقطع من رصيده الاقتصادي والاجتماعي.
ولعل الخلاصة الأهم أن مأزق طهران لم يعد متعلقا باختيار توقيت المواجهة أو شروط التفاوض، بل بطبيعة النظام نفسه، الذي جعل بقاءه مرتبطا بمزيج من التشدد الخارجي والضبط الأمني الداخلي. وهذه معادلة قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تقدم حلا لأسبابه.
فالأزمة الإيرانية اليوم ليست أزمة قرار فحسب، وإنما أزمة نموذج سياسي استنفد قدرته على التوفيق بين طموحاته الخارجية ومتطلبات المجتمع الذي يحكمه.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني




