نوفمبر 7, 2026
1001700679-4

خالد الغريباوي

إن قراءة التاريخ السياسي ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة لفهم قرارات الدول الكبرى وحسابات القوة ومخاطر المواجهة ولعل ما تكشفه المواجهة الأمريكية الإيرانية اليوم يعيد إلى الواجهة سؤالاً تاريخياً مهماً وهو لماذا تجنّب سبعة رؤساء أمريكيين متعاقبين من جيمي كارتر إلى جو بايدن الدخول في حرب عسكرية مباشرة وشاملة مع إيران، رغم اختلاف إداراتهم وسياساتهم وأدوات ضغطهم؟

من كارتر إلى ريغان ومن بوش الأب إلى بوش الابن مروراً بكلينتون وأوباما وصولاً إلى بايدن تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع إيران عبر العقوبات والضغوط السياسية والاحتواء والعمليات غير المباشرة لكنها لم تذهب إلى حرب شاملة ومفتوحة معها. ولم يكن ذلك بالضرورة عجزاً عن استخدام القوة، بل كان إدراكاً لتعقيدات الجغرافيا الإيرانية، وقدراتها العسكرية، وامتداد نفوذها الإقليمي وما يمكن أن تجرّه الحرب من تداعيات تتجاوز حدود البلدين.

وهنا تكمن أهمية قراءة التاريخ السياسي فالرؤساء الذين سبقوا ترامب كانوا يدركون أن مواجهة إيران ليست قراراً عسكرياً عابراً، وأن التفوق في السلاح لا يعني بالضرورة ضمان نتائج الحرب وأن كلفة المواجهة قد تكون أكبر بكثير من الحسابات التي تسبق إطلاقها.

لكن إدارة ترامب دخلت اختباراً مباشراً لهذه المعادلة لتكشف المواجهة أن القوة العسكرية الأمريكية على الرغم من تفوقها لا تعني بالضرورة القدرة على فرض الحسم السياسي والاستراتيجي، وبعد أشهر من الصمود الإيراني وما رافق ذلك من تداعيات ومخاطر إقليمية برزت ملامح ما يمكن وصفه بالتعثر الاستراتيجي حيث ظهرت الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج التي يمكن تحقيقها على أرض الواقع.

لقد كشفت هذه المرحلة أن إيران ليست مجرد دولة يمكن إخضاعها بالضربات العسكرية وأن أي مواجهة معها تفتح أبواباً واسعة من الاحتمالات تمتد إلى أمن الخليج وممرات الطاقة ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.

كما أعادت هذه المواجهة طرح تساؤلات حول قدرة واشنطن على حماية حلفائها، وحول حقيقة موازين القوة في المنطقة، ومدى استعداد الولايات المتحدة لتحمّل تبعات حرب طويلة ومفتوحة.

إن الدرس الأهم هنا ليس أن القوة الأمريكية انتهت ولا أن إيران حققت انتصاراً مطلقاً، بل أن التاريخ الذي تجنّب بعض الرؤساء تجاهله عاد ليضع نفسه أمام صانع القرار الأمريكي من جديد.

فهل كان الرؤساء السبعة يقرؤون التاريخ بصورة أعمق أم أن ترامب احتاج إلى اختبار المواجهة حتى يدرك أن بعض الحروب لا تُقاس بما تبدأ به بل بما تتركه خلفها؟