
رياض سعد
من أكثر مظاهر الإفلاس الأخلاقي إثارةً للاشمئزاز أن يتخذ بعض المتصدرين للمشهد السياسي والإعلامي والاجتماعي والثقافي من مهن الافراد و الآباء والأجداد مادةً للتعيير والسخرية، وكأن الإنسان يستطيع أن يختار أباه، أو يعيد كتابة ظروف ولادته، أو يعتذر عن تاريخ أسرة كسبت قوتها بعرق الجبين.
والأشد إثارةً للسخرية أن يصدر هذا السلوك أحياناً عن أشخاص لم تكن أسرهم، قبل سنوات أو عقود طويلة، تمتلك سوى ما يكفيها للعيش، ثم ارتفعت مكانتهم فجأة بفعل العلاقة بالمحتل او الحاكم او المنصب أو المال أو العلاقات أو الامتيازات المستحدثة، فإذا بهم يتصرفون كما لو كانوا سلالة أرستقراطية نزلت من قصور أوروبا، لا أبناء مجتمع عراقي عاش أكثره على العمل والكفاح والكدح.
أيُّ بؤسٍ أخلاقي هذا الذي يجعل الإنسان يتنكر لمهنة أبيه وجده ، ثم يتخذ من مهنة أب غيره وسيلةً للإهانة؟ وأيُّ خواءٍ فكري يدفع بعض السياسيين والإعلاميين إلى تعيير المواطنين بوظائفهم واعمالهم السابقة او بمهن آبائهم، بدلاً من مناقشة أفكارهم أو تقييم أعمالهم أو محاسبتهم على مواقفهم؟ أليس ذلك اعترافاً ضمنياً بالعجز عن مواجهة الخصوم بالحجة، فيلجؤون إلى استهداف ما لا يملكه الخصم من تغيير: أسرته، وماضيه، وبيئته الاجتماعية؟
// من عرق الكادحين إلى ثروات الامتيازات الباطلة
ولعل المفارقة العراقية الأكثر إيلاماً لا تكمن في ظاهرة التنمر الطبقي وحدها، بل في تاريخ تشكّل الثروات والوجاهات الاجتماعية، وفي التحولات التي أفضت إلى صعود طبقات مالية لم يكن صعود بعضها ثمرةً طبيعية للإنتاج أو الصناعة أو الزراعة أو الابتكار، بقدر ما كان مرتبطاً بمواقع السلطة , والعمالة والخيانة، والامتيازات السياسية، والعلاقات مع القوى المحتلة والخارجية ، ومؤسسات الدولة، وشبكات النفوذ.
فإذا أردنا أن نفهم ظاهرة الغنى الفاحش والغنى السريع في العراق، فلا بد من النظر إلى تاريخها السياسي والاجتماعي، منذ العهد العثماني، مروراً بالاحتلال البريطاني، وصولاً إلى الحكومات العراقية المتعاقبة، ولا سيما في ظل الدولة الريعية الحديثة.
لقد شهد العراق، في مراحل مختلفة من الحكم العثماني، صعود شخصيات غريبة وعائلات ذات جذور غير عراقية ارتبط نفوذها بالأعمال الإدارية والعسكرية، والالتزام الضريبي، واحتكار بعض الأنشطة التجارية، والاستحواذ على الأراضي، والارتباط بمراكز القرار والسلطة… ؛ ولم يكن الوصول إلى الثروة والنفوذ الاجتماعي في جميع الحالات قائماً على المنافسة الاقتصادية الحرة، بل تداخلت فيه عوامل القرب من الإدارة والسلطة والاحتلال ، والحصول على الامتيازات، واستثمار العلاقات السياسية، والاستفادة من تفاوت موازين القوة.
ثم جاء الاحتلال البريطاني، بما أحدثه من إعادة تشكيل للمؤسسات السياسية والإدارية، وتوزيع للمناصب والامتيازات، وإقامة نظام حكم جديد ارتبطت بعض مكوناته السياسية والاجتماعية بمصالح الإدارة الاستعمارية… ؛ وفي تلك المرحلة، تعززت مواقع بعض العائلات والشخصيات التي استفادت من العلاقة مع السلطة البريطانية، أو من المناصب الإدارية والسياسية، أو من التحولات في ملكية الأراضي والموارد، ومن الترتيبات الاقتصادية التي رافقت تأسيس الدولة العراقية الحديثة.
أن كل ثروة عثمانية أو بريطانية المنشأ كانت غير مشروعة، و أن جميع العائلات الهجينة والعميلة التي صعدت في تلك المراحل كانت متواطئة مع الاحتلال الا ما رحم ربي ؛ فتاريخ الثروة والوجاهة في العراق لا يمكن فصله عن تاريخ السلطة والامتيازات والعلاقات السياسية، وأن بعض الثروات والمكانة الاجتماعية تشكلت في بيئات لم تكن فيها فرص الصعود متكافئة بين المواطنين.
أما بعد تأسيس الدولة العراقية، فقد استمرت هذه الظاهرة بصور مختلفة، وتبدلت أدواتها بتبدل الأنظمة والحكومات.. , فظهرت ثروات ارتبطت بالمناصب، والعقود الحكومية، والاحتكارات، والامتيازات التجارية، والتوظيف السياسي، والاستحواذ على الأراضي، والارتباط بمراكز النفوذ.. , ومع التحولات الاقتصادية والسياسية المتعاقبة، اتسعت الفجوة بين من يعتمد في معيشته على العمل والإنتاج، وبين من يستطيع تحويل علاقاته بالسلطة إلى ثروة ونفوذ ووجاهة اجتماعية.
وفي مرحلة ما بعد عام 2003، اتخذت هذه الظاهرة أشكالاً أكثر اتساعاً وخطورةً في ظل اقتصاد ريعي تتراجع فيه الصناعة والإنتاج، وتتعثر فيه الزراعة، وتنهك فيه البنية التحتية، وتضيق فيه فرص العمل أمام الشباب، بينما تتضخم ثروات بعض الشخصيات والعائلات بفعل المحسوبية، واستغلال النفوذ، والفساد، والاستيلاء غير المشروع على الأراضي، والحصول على العقود والامتيازات والقروض والتسهيلات خارج معايير المنافسة العادلة.
وهنا يصبح من المشروع أن يتساءل المجتمع عن مصادر الثروات الهائلة، وعن الكيفية التي تشكلت بها طبقات مالية جديدة، وعن دور العلاقات السياسية والحزبية والمناطقية والطائفية في صناعة الامتيازات وتوزيع الفرص.
وليس من الإنصاف اتهام كل ثري بالفساد، ولا اعتبار كل مال جريمة، لكن من حق المجتمع أن يسأل عن الأموال التي نشأت في بيئات المحسوبية والفساد، وعن الامتيازات التي توزعت على أساس العلاقات والولاءات، وعن الأراضي والعقود والمشاريع التي تحولت إلى أدوات لصناعة طبقات مالية جديدة.
فليس من المعقول أن تُغلق أبواب الإنتاج أمام الكفاءات والمستثمرين الحقيقيين، بينما تُفتح أبواب النفوذ والتسهيلات أمام أصحاب العلاقات والمحسوبيات؛ وليس من المقبول أن يعاني العامل والفلاح والشاب من ضعف الأجور وتراجع الإنتاج والبطالة، فيما تتضخم ثروات بعض أصحاب النفوذ، ثم يظهر بعض هؤلاء ليتحدثوا عن عيب المهن البسيطة، أو ليستخدموا ماضي الأسر المتواضعة في تسقيط خصومهم… ؛ وكأن الفقر جريمة وراثية، والعمل الشريف وصمة اجتماعية، والثراء المستحدث شهادة وجاهة وكفاءة … !!
// حين يتنمر الثراء على الشرف
إن العامل والحمّال والفلاح والخباز والنجار والراعي والعربنجي والعتّاك الشريف وسائر أصحاب المهن والحرف ليسوا طبقةً بشرية أدنى من أصحاب المناصب والشهادات والألقاب. هؤلاء هم الذين بنوا المدن، وأطعموا الناس، ونقلوا البضائع، وأقاموا البيوت، وحملوا أثقال الحياة على أكتافهم.. , ولو توقفت أعمالهم يوماً واحداً، لاكتشف أصحاب الوجاهات المستحدثة أن المجتمع لا يقوم على الألقاب، بل على أيدي أولئك الذين يتعالون عليهم.
فهل كان والدك، حين حمل الأثقال أو حرث الأرض أو رعى الغنم أو عمل في الأسواق، يصنع لك عاراً، أم كان يصنع لك حياة؟ وهل كان الفلاح الذي زرع القمح، أو الحمّال الذي نقل الغذاء، أو العامل الذي بنى المدارس والمستشفيات، أقل شرفاً من شخص ورث المال الحرام ، أو استفاد من علاقات السلطة، أو حصل على امتيازات باطلة لم يحصل عليها غيره؟
إن المشكلة ليست في أن يكون الإنسان ابن حمّال أو فلاح أو راعٍ، بل في أن يصبح ابن العامل عدواً للعامل، وابن الفلاح محتقراً للفلاح، وابن الأسرة المتواضعة متنكراً لمن يشبه أسرته، بعد أن يفتح له المال أو المنصب أبواباً لم تكن مفتوحة من قبل.. , وهذه ليست علامة ارتقاء اجتماعي، بل صورة من صور التنكر الأخلاقي للجذور.
والأشد غرابة أن بعض أصحاب الثروات والوجاهات المستحدثة يتحدثون عن الأصول والأنساب وكأنهم ورثة ممالك عريقة، فيما لا يستطيع بعضهم أن يقدم تفسيراً مقنعاً لمصادر ثرواته أو كيفية تشكل امتيازاته.. , وكأن الثراء المفاجئ يمنح صاحبه تاريخاً جديداً، ويعفيه من تاريخ أسرته، ويخول له احتقار تاريخ الآخرين!
//مهنة الأب ليست وصمة.. بل تاريخ كفاح
ما الذي يجعل مهنة الأب مادةً للسخرية؟ وما الذي يمنح أحدهم الحق في تعيير مواطن لأن والده كان حمّالاً أو عتّاكاً أو عربنجياً أو بقالاً أو فلاحاً أو عاملاً أو راعياً؟
وهل أصبح العمل الشريف عاراً يتوجب على الأبناء الاعتذار عنه، أم أن بعض المتنمرين يعانون عقدة اجتماعية تدفعهم إلى التنكر لماضيهم، والتعويض عن شعورهم بالنقص عبر احتقار الآخرين؟
إن المناصب لا تمنح أصحابها نسباً جديداً، والثروات لا تصنع الأنساب، والشهادات لا تمنح الإنسان تفوقاً أخلاقياً تلقائياً… ؛ فالإنسان لا يُقاس بالمهنة التي مارسها والده، ولا بالبيت الذي ولد فيه، ولا بحجم الثروة التي امتلكتها أسرته، وإنما يُقاس بأخلاقه وعلمه وكفاءته ونزاهته وأعماله ومواقفه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يواجه هؤلاء المتنمرين هو: ماذا كنتم قبل أن تصبحوا سياسيين أو إعلاميين أو أصحاب مناصب ونفوذ وثروات واموال ؟ ومن أين جاءت مكانتكم الاجتماعية؟ وهل كان آباؤكم جميعاً من أصحاب القصور والألقاب الأرستقراطية؟ أم أن كثيراً منكم ينحدر من أسر متواضعة، كان أبناؤها يعملون في الأسواق والمهن والحرف والوظائف البسيطة؟
وما الذي تغير في الإنسان حتى يعتقد أن وصوله إلى منصب سياسي أو إعلامي أو إداري يمنحه نسباً اجتماعياً جديداً، ويجعله أرفع شأناً من أبناء بيئته الأولى؟ أليس من المضحك أن يتنكر المرء لماضي أسرته، ثم يتعامل مع ماضي الآخرين باعتباره عيباً أو وصمة؟ أليس ذلك شكلاً من أشكال النفاق الاجتماعي، الذي يجعل الإنسان يتبرأ من جذوره حين يصعد، ثم يستخدم الجذور نفسها سلاحاً لإهانة من بقي في الأسفل؟
// الإعلام.. حين يتحول إلى منصة للاحتقار الطبقي
ومن المؤسف أن بعض المنابر الإعلامية العراقية ساهمت في تكريس هذا التنمر، حين تستخدم مهن الأفراد والآباء والأجداد أو الأصول الاجتماعية مادةً للتهكم، أو حين تحول حياة المواطنين البسطاء إلى موضوعات للسخرية الجماهيرية، أو حين تسمح لمقدمي البرامج والضيوف بإطلاق ألقاب مهينة على الآخرين تحت ذريعة النقد أو المزاح.
فالإعلام الذي يفترض أن يرتقي بالوعي الاجتماعي لا يجوز أن يصبح أداةً لإعادة إنتاج الاحتقار الطبقي، أو منصةً لتلقين الجمهور أن بعض المهن أدنى قيمةً من غيرها.. , والإعلام الذي يضحك الجمهور على العامل أو الفلاح أو ابن الأسرة المتواضعة لا يصنع وعياً، وإنما يعيد إنتاج احتقار اجتماعي موروث، ويمنح المتنمرين شرعيةً زائفة لممارسة الاستعلاء.
إن تعيير المواطن بعمله أو بمهنة أبيه ليس نقداً سياسياً، ولا تحليلاً اجتماعياً، ولا دليلاً على التفوق الثقافي؛ بل هو اعتداء على كرامة إنسان لم يختر ظروف ولادته، ولم يكن مسؤولاً عن مهنة والده، ولم يرتكب جريمة حين نشأ في بيت متواضع.. , بل إن هذا السلوك يكشف عن فقر أخلاقي لدى المتنمر، الذي يعجز عن مناقشة خصمه أو تقييمه على أساس مواقفه وأعماله، فيلجأ إلى استهداف ما لا يملك الخصم تغييره.
// العمل الشريف تاج.. والاحتقار هو العار
وإذا أردنا أن نحتكم إلى المعيار الديني والأخلاقي، فحسبنا أن نتذكر أن النبي محمد مارس الرعي في شبابه، وعمل في التجارة، ولم تكن مهنة الرعي يوماً سبباً للانتقاص من مقامه أو مكانته.. , وقد ورد في الحديث النبوي: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم».. , فهل كان الرعي عاراً على الأنبياء، أم أن العار الحقيقي يكمن في احتقار العاملين والكادحين، وفي الاستعلاء على الناس بسبب مهنهم وأصولهم الاجتماعية؟
إن استحضار هذه المعاني ليس دعوةً إلى الخلط بين المقامات الدينية والمواقع السياسية، وإنما هو تذكير بأن الكرامة الإنسانية لا تستمد من المال أو النسب أو الطبقة الاجتماعية، بل من القيم والأخلاق والأعمال.
ولعل المقولة المنسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب: «ما جمع مال إلا من بخل أو حرام»، وإن كانت لا تصلح حكماً مطلقاً على جميع صور الثروة، فإنها تثير سؤالاً أخلاقياً واجتماعياً مهماً عن مصادر المال، وطرق اكتسابه، وعلاقة الثراء بالنزاهة والعدالة.
فليس العار أن يكون والدك عاملاً أو حمّالاً أو فلاحاً أو راعياً؛ العار أن تتنكر لعرقه، وأن تحتقر من يشبهه، وأن تتوهم أن المال أو المنصب قد منحاك مقاماً أخلاقياً لا تستحقه أفعالك.
// إعادة الاعتبار إلى الإنسان.. لا إلى ثروته
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى إعادة تعريف الوجاهة الاجتماعية في العراق.. , فالوجيه الحقيقي ليس من يمتلك أفخم السيارات أو يسكن أرقى المجمعات أو يتصدر الشاشات والمنصات، وإنما من يحفظ كرامة الناس، ويحترم العمل الشريف، ويصون حقوق المجتمع، ولا يستغل موقعه أو ثروته لإذلال الآخرين.. , كما أن النبل لا يُورث بالاسم، ولا يُكتسب بالمال، ولا يُصنع بالمنصب؛ بل هو سلوك يومي وموقف أخلاقي ومسؤولية اجتماعية.
إن مواجهة التنمر المهني والطبقي في العراق ينبغي أن تبدأ بإعادة الاعتبار إلى العمل الشريف، وتفكيك ثقافة الاستعلاء الاجتماعي، ومساءلة الخطاب الإعلامي الذي يكرس التمييز والاحتقار، وترسيخ مبدأ أن جميع المهن المشروعة تستحق الاحترام، وأن معيار التفاضل بين المواطنين لا ينبغي أن يكون الثروة أو النسب أو الوظيفة، وإنما النزاهة والكفاءة والوعي والوطنية.
إن العراق لا يحتاج إلى طبقة تتعالى على أبنائه، ولا إلى إعلام يفتش في مهن الآباء بحثاً عن وسيلة للإهانة، ولا إلى شخصيات تتباهى بثرواتها وتنسى أن الكرامة لا تُشترى.. , إنه يحتاج إلى مجتمع يحترم العامل كما يحترم العالم، ويقدر الحرفي كما يقدر الأكاديمي، ويمنح الفلاح والحمّال والخباز والنجار مكانتهم التي يستحقونها، ويحاسب صاحب المنصب على نزاهته وأدائه، لا على نسبه أو مظهره.
فالأب الذي كسب قوت أسرته بعرق جبينه أرفع شرفاً من صاحب ثروة لا يستطيع تفسير مصادرها؛ ومهنة الأب تاريخ كفاح لا مادة للتعيير، والعمل الشريف تاج لا وصمة.. , أما من يحتقر الناس بسبب مهن آبائهم، فإنه لا يكشف عن علو مكانته، بل عن ضآلة أخلاقه، مهما ارتفع منصبه، وتضخمت ثروته، واتسعت دائرة نفوذه.




