نوفمبر 8, 2026
22

التنقيبات في موقع بكر آوا الأثري شمال شرق العراق

إيهاب مقبل

لم تكن بلاد الرافدين مجرد أرض قامت عليها حضارات عظيمة ثم اختفت من مسرح التاريخ، بل كانت موطناً لمجتمعات بشرية متعاقبة أسهمت في تشكيل واحدة من أقدم التجارب الحضارية في العالم. فمن السومريين والأكديين إلى البابليين والآشوريين، تعاقبت الممالك والإمبراطوريات، وتغيرت اللغات والسلطات والحدود السياسية، لكن سؤالاً جوهرياً ظل يثير اهتمام المؤرخين وعلماء الآثار والوراثة البشرية. هل اختفى سكان بلاد الرافدين مع سقوط حضاراتهم، أم أن جانباً مهماً منهم استمر عبر الأجيال، رغم كل ما شهدته المنطقة من تحولات؟

هذا السؤال لم يعد حكراً على الروايات التاريخية أو السجالات المتعلقة بالهوية والأصول، بل أصبح موضوعاً للبحث العلمي المباشر، مع تطور تقنيات تحليل الحمض النووي القديم، التي أتاحت للعلماء قراءة جانب من التاريخ البشري من خلال الرفات المدفونة منذ آلاف السنين.

الحمض النووي يفتح نافذة على ماضي العراق
في دراسة علمية حديثة نُشرت في 12 يونيو حزيران 2026، قدم فريق بحثي دولي بقيادة ماثيو بي. ويليامز (Matthew P. Williams) وزملائه معطيات جديدة بشأن التاريخ الوراثي لسكان بلاد الرافدين. واعتمد الباحثون على تحليل 17 جينوماً قديماً لأفراد عُثر على رفاتهم في موقع بكر آوا الأثري، الواقع في شمال شرقي العراق، بالقرب من الحدود التاريخية بين بلاد الرافدين وإيران.

وحملت الدراسة عنواناً «الحمض النووي القديم من بلاد الرافدين يكشف عن اندماج أصول وراثية متنوعة تعود إلى العصر البرونزي خلال العصر الحديدي، عقب إعادة التوطين».

ونُشرت الدراسة في مجلة Genome Biology، وهي مجلة علمية دولية محكّمة متخصصة في علوم الجينوم والوراثة، تصدر عن مؤسسة BMC التابعة لمجموعة Springer Nature الدولية. وأعدّها فريق بحثي دولي بقيادة ماثيو بي. ويليامز، بمشاركة باحثين يعملون في مؤسسات أكاديمية وبحثية في أستراليا والولايات المتحدة وبولندا وألمانيا. وتمثل هذه البلدان مواقع المؤسسات البحثية المشاركة، ولا تعني بالضرورة الجنسيات الشخصية للباحثين.

ماذا كشفت الجينات القديمة؟
تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تكتفي بتحديد الأصول الوراثية للأفراد الذين عاشوا في بكر آوا، بل تحاول تتبع كيفية تغير هذه الأصول عبر فترات زمنية مختلفة. فقد أظهرت التحليلات وجود تنوع وراثي واضح بين سكان الموقع خلال العصر البرونزي، نتيجة اختلاط مكونات محلية بأصول وراثية ترتبط بمناطق الأناضول وبلاد الشام والقوقاز، فضلاً عن مكونات ذات صلات وراثية بمجموعات مرتبطة بثقافة اليامنايا.

وتشير هذه النتائج إلى أن بكر آوا لم تكن مجتمعاً معزولاً، بل كانت جزءاً من شبكة واسعة من التواصل البشري والحركة السكانية بين بلاد الرافدين والمناطق المحيطة بها. فموقعها الجغرافي في سهل شهرزور قرب حلبجة، على الطريق الرابط بين السهول الرافدينية وجبال زاغروس، جعلها نقطة اتصال للتجارة والهجرة والتفاعل الثقافي.

ولم يعتمد الباحثون على الحمض النووي وحده، بل استعانوا أيضاً بتحليل نظائر السترونتيوم والأوكسجين في أسنان 12 فرداً، وهي تقنيات تساعد على استكشاف البيئات التي نشأ فيها الأشخاص خلال طفولتهم، وما إذا كانوا قد عاشوا في مناطق تختلف جيولوجياً عن المكان الذي دُفنوا فيه. وأشارت النتائج إلى أن أحد الأفراد الذين حملوا مكونات وراثية مرتبطة بالقوقاز أو مجموعات اليامنايا ربما كانت له صلة حديثة بجبال زاغروس، وهو ما يوضح أن الأصول الوراثية لا تحدد دائماً مكان الميلاد أو النشأة بصورة مباشرة.

من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي.. اندماج لا استبدال
من أبرز ما توصلت إليه الدراسة أنها رصدت تحولاً مهماً في التركيبة الوراثية للموقع بين العصرين البرونزي والحديدي. فبعد أن شهد بكر آوا حريقاً كبيراً أدى إلى انتهاء مرحلة استيطانه في أواخر العصر البرونزي، تُرك الموقع فترة من الزمن قبل أن تعود الحياة إليه خلال العصر الحديدي.

وكان السؤال الذي واجه الباحثين هو ما إذا كانت عودة السكان إلى الموقع قد رافقها وصول جماعات جديدة حلّت محل السكان السابقين، أم أن المجتمع الجديد احتفظ بجزء كبير من المكونات الوراثية التي كانت موجودة قبل هجر الموقع.

وللإجابة عن ذلك، حلل الفريق ثلاثة أفراد يعودون إلى العصر الحديدي، اثنان منهم يرجعان إلى العصر الآشوري الحديث، الذي امتد بين عامي 911 و609 قبل الميلاد، والثالث يعود إلى العصر الأخميني، الممتد بين عامي 550 و331 قبل الميلاد.

وأظهرت المقارنات الجينية أن الأفراد الثلاثة يقع تركيبهم الوراثي ضمن نطاق التنوع الذي ظهر لدى سكان بكر آوا في العصر البرونزي، بدلاً من أن يشكلوا مجموعة منفصلة عنه. وفسر الباحثون ذلك بوصفه دليلاً على اندماج المكونات الوراثية المتنوعة التي كانت موجودة في العصر البرونزي، لا حدوث استبدال سكاني شامل لها مع عودة الحياة إلى الموقع.

وبعبارة أخرى، فإن التحول من العصر البرونزي إلى العصر الحديدي لم يكن بالضرورة انتقالاً من شعب إلى شعب آخر، بل يمكن أن يكون قد شهد استمراراً بشرياً مصحوباً بإعادة تنظيم المجتمع واندماج مكوناته الوراثية. وهذه النتيجة مهمة لأنها تذكّر بأن تغير الممالك واللغات والثقافات لا يعني تلقائياً اختفاء السكان الذين عاشوا قبلها.

ما علاقة النتائج بتاريخ الآشوريين؟
تكتسب الدراسة أهمية خاصة في النقاش المتعلق بالتاريخ الآشوري، لأن اثنين من الأفراد الثلاثة الذين خضعوا للتحليل من العصر الحديدي يعودان إلى الحقبة الآشورية الحديثة. وهذا يعني أن المادة الوراثية التي درسها الباحثون تشمل أفراداً عاشوا في زمن الإمبراطورية الآشورية الحديثة، وهي واحدة من أبرز المراحل السياسية والحضارية في تاريخ بلاد الرافدين.

لكن من الضروري التمييز بين التأريخ الزمني والهوية القومية أو الإثنية. فكون الفرد عاش في العصر الآشوري لا يثبت وحده أنه كان آشورياً بالمعنى الإثني، كما أن النتائج لا تقدم دليلاً قاطعاً على أن الآشوريين المعاصرين ينحدرون مباشرة من هؤلاء الأفراد الثلاثة. إنها تقدم معطيات وراثية من موقع أثري محدد، وتفتح مجالاً أوسع لدراسة الاستمرارية السكانية في المنطقة.

ومع ذلك، فإن وجود أفراد من الحقبة الآشورية ضمن مجموعة الدراسة، وظهور تشابه وراثي بينهم وبين أفراد من العصر البرونزي في الموقع نفسه، يضيف بعداً علمياً مهماً إلى فهم التاريخ السكاني للمنطقة التي كانت جزءاً من المجال الحضاري والسياسي الآشوري.

هل يعني ذلك أن العراقيين اليوم أحفاد السومريين والآشوريين؟
لا تقول الدراسة إن جميع سكان العراق المعاصرين ينحدرون مباشرة من السومريين أو الأكديين أو البابليين أو الآشوريين، ولا تثبت أن التركيبة الوراثية لسكان بلاد الرافدين بقيت ثابتة منذ آلاف السنين.

فالباحثون درسوا 17 فرداً من موقع بكر آوا، وليس عينة تمثل جميع سكان العراق أو كل مناطق بلاد الرافدين. كما أن الموقع نفسه شهد تحولات سكانية وثقافية عبر تاريخه، ولا يمكن تعميم نتائجه تلقائياً على مدن ومناطق أخرى مثل أور وبابل ونينوى وآشور.

وتكشف الدراسة أيضاً أن التاريخ الوراثي للمنطقة لم يكن خطاً مستقيماً من الاستمرارية الخالصة، بل شهد موجات من الحركة السكانية والاختلاط والتفاعل مع الأناضول وبلاد الشام والقوقاز وإيران. لذلك فإن مفهوم الاستمرارية الوراثية لا يعني النقاء أو الثبات، بل يعني أن بعض المكونات الوراثية قد تستمر عبر الأجيال، حتى مع دخول مكونات جديدة وحدوث تغيرات اجتماعية وثقافية وسياسية.

ومن المهم كذلك عدم الخلط بين الاستمرارية الوراثية والاستمرارية اللغوية أو الثقافية. فقد تتغير لغة المجتمع ومعتقداته وهوياته السياسية، بينما يستمر جزء من سكانه أو من أصولهم الوراثية. والعكس ممكن أيضاً، إذ قد تستمر لغة أو تقاليد ثقافية لدى جماعات اختلطت بأصول سكانية متعددة.

بلاد الرافدين.. تاريخ من التفاعل والاستمرارية
تقدم دراسة بكر آوا إضافة مهمة إلى سجل الحمض النووي القديم في العراق، الذي لا يزال محدوداً مقارنة بمناطق أخرى من العالم، بسبب صعوبة حفظ الرفات البشرية والمواد الوراثية في الظروف المناخية للمنطقة. كما تؤكد أن فهم تاريخ السكان لا يمكن أن يعتمد على النصوص القديمة أو الآثار وحدها، بل يحتاج إلى الجمع بين علم الآثار والأنثروبولوجيا وتحليل الحمض النووي والبيانات البيئية.

والأهم أن نتائج الدراسة تبتعد عن التصورات المبسطة التي تفترض أن سقوط حضارة يعني اختفاء سكانها، أو أن ظهور حضارة جديدة يعني بالضرورة وصول شعب جديد بالكامل. ففي حالة بكر آوا، تشير الأدلة إلى أن العودة إلى الموقع خلال العصر الحديدي رافقها اندماج للمكونات الوراثية السابقة، بدلاً من استبدال سكاني شامل.

ومع ذلك، فإن الإجابة النهائية عن سؤال استمرار سكان بلاد الرافدين عبر آلاف السنين تتطلب دراسات أوسع تشمل مواقع أثرية متعددة في العراق، وعينات من فترات تاريخية مختلفة، إلى جانب مقارنات علمية دقيقة مع بيانات وراثية حديثة، مع مراعاة التنوع الكبير بين سكان المنطقة.

إن ما تقوله هذه الدراسة ليس أن سكان بلاد الرافدين ظلوا كما هم دون تغيير، ولا أن شعوبهم القديمة اختفت تماماً، بل إن التاريخ البشري للمنطقة أكثر تعقيداً من رواية الانقراض أو الاستبدال الكامل. فالحضارات قد تسقط، والممالك قد تزول، واللغات قد تتغير، لكن المجتمعات البشرية لا تختفي بالضرورة مع اختفاء أنظمتها السياسية. وربما تكمن إحدى أهم رسائل الحمض النووي القديم في أن تاريخ العراق ليس تاريخ حضارات تعاقبت ثم اختفت فحسب، بل هو أيضاً تاريخ بشر تحركوا واختلطوا واستمر بعضهم عبر أجيال طويلة.

الخلاصة
تؤكد دراسة بكر آوا أن تاريخ سكان بلاد الرافدين لا يمكن اختزاله في رواية اختفاء الشعوب القديمة أو استبدالها بشعوب أخرى. فالنتائج تشير إلى وجود استمرارية في بعض المكونات الوراثية بين سكان الموقع في العصرين البرونزي والحديدي، رغم ما شهدته المنطقة من هجرات واختلاط وتحولات تاريخية.

لكنها لا تقدم حكماً نهائياً بشأن الأصول الوراثية لجميع العراقيين المعاصرين، ولا تثبت وحدها وجود صلة مباشرة بين كل فرد من سكان العراق اليوم والسومريين أو الأكديين أو البابليين أو الآشوريين.

وبينما تتغير الحضارات واللغات والحدود، قد تستمر أجزاء من المجتمعات البشرية عبر آلاف السنين. ولعل الرسالة الأبرز للدراسة أن حضارات بلاد الرافدين لم تكن مجرد صفحات أُغلقت في كتب التاريخ، بل ارتبطت بتاريخ سكاني أكثر تعقيداً، ما زال العلم يكشف بعض أسراره.

المرجع العلمي
Williams, Matthew P. et al. (2026). “Mesopotamian ancient DNA reveals Iron Age integration of heterogeneous Bronze Age genetic ancestries following resettlement.” Genome Biology, Volume 27, Article number 260, published 12 June 2026.
https://link.springer.com/article/10.1186/s13059-026-04145-4

انتهى