
الظلام الذي يرعب لندن حرب بلا صواريخ وانهيار بلا إنذار
بقلم الباحثة كنانة خلف الكردي
حين تنهار الكهرباء والاتصالات والمياه في وقت واحد تتحول بريطانيا من قوة عالمية إلى دولة تكافح لمنع الفوضى فهل تستعد لندن لحرب صامتة أم لانهيار شامل يكشف هشاشة الحضارة الرقمية؟
لم يعد الظلام في حسابات الأمن القومي البريطاني مجرد احتمال تقني يرتبط بعطل في شبكة الكهرباء بل تحول إلى سيناريو استراتيجي يختبر قدرة الدولة على البقاء متماسكة عندما تتوقف الشرايين التي تقوم عليها الحياة الحديثة فالدولة التي تستطيع إدارة اقتصاد عالمي ومؤسسات مالية عابرة للقارات قد تجد نفسها أمام اختبار غير مسبوق إذا انطفأت الكهرباء وتعطلت الاتصالات وتوقفت المياه وتراجعت قدرة المؤسسات على التواصل مع المواطنين خلال ساعات قليلة وهذا ما يجعل سيناريو الظلام الشامل أو ما يعرف بمفهوم Black Start يتجاوز حدود الأزمة الهندسية إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يمتلك القدرة على إدارة الدولة عندما تفقد أدواتها الرقمية والتشغيلية
إن الاستعدادات البريطانية لمواجهة هذا النوع من المخاطر تكشف تحولا في مفهوم الأمن القومي من حماية الحدود والمنشآت العسكرية إلى حماية منظومة الحياة الوطنية بأكملها فالمسألة لا تتعلق بالكهرباء وحدها بل بالترابط الحساس بين الطاقة والاتصالات والمياه والنقل والمصارف والمستشفيات وسلاسل الإمداد وأي خلل واسع في إحدى هذه المنظومات يمكن أن يطلق سلسلة من التداعيات المتلاحقة التي يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية
وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في ظل تصاعد الحروب الهجينة التي لم تعد تعتمد بالضرورة على المواجهة العسكرية المباشرة بل تستهدف نقاط الضعف البنيوية للدول من خلال الهجمات السيبرانية والتخريب المادي والتلاعب بأنظمة التحكم الصناعية والبنية التحتية الرقمية فاختراق أنظمة إدارة الطاقة والمياه أو تعطيل مراكز التحكم قد يتحول إلى أداة ضغط استراتيجي قادرة على إرباك المؤسسات وإضعاف الثقة العامة دون الحاجة إلى احتلال أرض أو إطلاق صاروخ
كما تفرض الجغرافيا البريطانية تحديات إضافية نظرا لاعتمادها على كابلات الاتصالات البحرية وروابط الطاقة العابرة للحدود والبنية التحتية الممتدة في أعماق البحار وهو ما يجعل حماية هذه المنشآت جزءا من معادلة الأمن القومي وليس مجرد ملف فني تابع لقطاعات الاتصالات والطاقة ويضاف إلى ذلك احتمال العواصف الجيومغناطيسية الناتجة عن النشاط الشمسي والظروف المناخية القاسية التي قد تضغط على الشبكات الكهربائية وتختبر قدرتها على الاستمرار
لكن الخطر الأكثر حساسية لا يبدأ عند انطفاء المصابيح بل عند انطفاء الاقتصاد اليومي فالمصارف التي تعتمد على الأنظمة الإلكترونية قد تفقد القدرة على تنفيذ المدفوعات وتتعطل أجهزة الصراف ونقاط البيع وتتوقف قطاعات واسعة من التجارة والخدمات وفي مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الدفع الرقمي يصبح النقد المتاح والقدرة على الوصول إليه مسألة تتصل بالأمن الاجتماعي وليس بالمعاملات المالية وحدها
أما الغذاء فيمثل جبهة أخرى شديدة الخطورة إذ تعتمد المتاجر ومراكز التوزيع على منظومات رقمية متصلة وشبكات نقل تحتاج إلى الوقود والكهرباء وتعمل وفق إيقاع توريد سريع ومخزون محدود نسبيا وعندما تتوقف المضخات في محطات الوقود وتتعطل المستودعات المبردة وتفقد الشاحنات قدرتها على الحركة تتحول السلع المتوافرة إلى مخزون عاجز عن الوصول إلى المستهلك ويصبح الشراء بدافع الخوف عاملا إضافيا في تفريغ الرفوف وتصعيد التوتر المجتمعي
وفي القطاع الصحي تتخذ الأزمة بعدا إنسانيا بالغ الخطورة فتوقف التبريد يهدد سلامة الأدوية واللقاحات الحساسة للحرارة وتعطل الوصفات الإلكترونية يربك حصول المرضى على علاجاتهم فيما تواجه المستشفيات تحديا مزدوجا يتمثل في استمرار تشغيل الأقسام الحرجة وتأمين الوقود والمستلزمات الطبية في ظل اضطراب النقل والإمداد وهنا تصبح استمرارية الخدمات الصحية معيارا مباشرا لقدرة الدولة على حماية مواطنيها
ومن هنا تبرز أهمية الاتصالات البديلة والإذاعة الوطنية ومراكز القيادة المستقلة إذ لا يمكن لأي حكومة أن تدير أزمة بهذا الحجم إذا فقدت قنوات التواصل مع المجتمع فالمعلومة الموثوقة في ساعات الانقطاع الأولى ليست ترفا إعلاميا بل أداة لمنع الشائعات والهلع وتنظيم السلوك العام وتوجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر إلحاحا
غير أن الأمر الأهم لا يكمن في امتلاك مولدات كهربائية أو تجهيز استوديوهات طوارئ فحسب بل في بناء منظومة مرونة وطنية قادرة على العمل دون اعتماد كامل على الشبكة الرقمية المركزية من خلال اختبارات دورية لسيناريوهات الانقطاع وتوفير احتياطيات الوقود والغذاء والدواء وتأمين وسائل الدفع البديلة وحماية البنية التحتية البحرية وتعزيز التنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص والسلطات المحلية
إن بريطانيا لا تستعد لمواجهة الظلام بوصفه غيابا للضوء بل بوصفه احتمالا لانكشاف هشاشة الدولة الحديثة أمام الترابط المفرط بين أنظمتها فكلما ازدادت المجتمعات اعتمادا على التكنولوجيا ازدادت حاجتها إلى بدائل مستقلة تحميها عندما تتوقف التكنولوجيا نفسها
والسؤال الأخطر الذي يفرضه هذا السيناريو المتوقع في بريطانيا ليس متى تنطفئ الكهرباء بل من يستطيع إبقاء الدولة حاضرة عندما تنطفئ أدواتها فالأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس فقط بقدرة الدولة على منع الحرب بل بقدرتها على حماية الحياة واستمرار المؤسسات واستعادة التوازن عندما تتعرض بنيتها الأساسية لصدمة شاملة فالظلام قد يبدأ بانقطاع التيار لكنه قد ينتهي باختبار شرعية الدولة وثقة المجتمع وقدرتها على النجاة







