
محمد حسين المياحي
في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمة السياسية والاجتماعية في إيران، وتتسع دائرة المواجهة بين الشعب الإيراني ونظام ولاية الفقيه، تتزايد أهمية السؤال المتعلق بمستقبل البلاد والبديل السياسي الذي يمكن أن يحقق تطلعات الإيرانيين إلى الحرية والديمقراطية والعدالة. فالمعركة التي يخوضها الشعب وقواه المعارضة، وفي مقدمتها قوى المقاومة المنظمة، ليست مجرد معركة لإسقاط سلطة حاكمة، وإنما هي نضال من أجل إنهاء منظومة الاستبداد وإقامة نظام سياسي يستمد شرعيته من إرادة المواطنين، لا من القداسة الدينية أو الحق الوراثي.
وفي خضم هذه المواجهة، تبرز محاولات بعض رموز النظام الملكي السابق وفلوله، وفي مقدمتهم ابن الشاه المخلوع، لتقديم أنفسهم باعتبارهم البديل الجاهز للنظام الحالي، مستفيدين من حالة السخط الشعبي الواسعة على حكم الملالي، ومن دعم أطراف سياسية وإعلامية في الغرب. غير أن هذه المحاولات تثير تساؤلات جدية بشأن طبيعة المشروع الذي يراد تسويقه للإيرانيين، ومدى انسجامه مع تطلعاتهم إلى تجاوز الاستبداد بكل أشكاله، وليس مجرد استبدال سلطة بأخرى.
وفي هذا السياق، تكتسب التطورات القضائية والسياسية الأخيرة دلالة تتجاوز حدود الوقائع التي تناولتها التقارير المعنية بها.
فقد رحبت منظمة العفو الدولية بقرار المحكمة الفيدرالية الأمريكية في ولاية فلوريدا السماح بالمضي قدما في دعوى قضائية رفعها ثلاثة من الناجين من التعذيب ضد برويز ثابتي، أحد أبرز المسؤولين السابقين في جهاز السافاك، الذراع الأمنية القمعية لنظام الشاه. وتكمن أهمية القرار في رفض دفع الدفاع المتعلق بالتقادم، مع الأخذ في الاعتبار الظروف التي أحاطت بالضحايا، ومنها الخوف من الانتقام واستمرار القمع والتستر على الجرائم.
ومن الضروري هنا التمييز بين السماح باستمرار الدعوى وبين صدور حكم نهائي بالإدانة؛ إلا أن الدلالة الحقوقية والسياسية للقرار تبقى واضحة: جرائم التعذيب لا ينبغي أن تسقط من الذاكرة أو أن تتحول إلى وقائع محصنة ضد المساءلة لمجرد مرور الزمن.
إن هذه القضية تعيد إلى الواجهة حقيقة تاريخية كثيرا ما تحاول بعض الأوساط الملكية الالتفاف عليها، وهي أن نظام الشاه لم يكن نموذجا للديمقراطية والحرية، بل كان نظاما استبداديا اعتمد على أجهزة أمنية سيئة الصيت، وفي مقدمتها السافاك، لملاحقة المعارضين وتعذيبهم وإسكات الأصوات المطالبة بالتغيير. ومن ثم، فإن محاولة تجميل ذلك الماضي أو إعادة تقديم رموزه باعتبارهم حاملي مشروع ديمقراطي لا يمكن أن تنجح بمجرد توظيف الحنين إلى مرحلة سابقة أو استثمار الخوف المشروع من النظام الحالي.
وفي الاتجاه نفسه، يكتسب مقال عضو الكونغرس الأمريكي السابق باتريك كينيدي، المنشور في صحيفة “ستارز آند سترايبس”، أهمية خاصة، لانتقاده قرار مؤسسة فريدريش ناومان الألمانية منح جائزة الحرية لعام 2026 لابن الشاه. فكينيدي يرى أن تكريم شخصية ترتبط بإرث سياسي لم يقدم مراجعة واضحة لممارسات نظام والده القمعية يمثل إساءة إلى نضال الشعب الإيراني، ويخلط بين التضامن مع شعب يطالب بحريته وبين منح الشرعية السياسية لشخص أو مشروع لم يثبت امتلاكه تفويضا شعبيا.
كما أن الاعتراضات التي أشار إليها المقال، والمشاركة الواسعة لشخصيات سياسية وبرلمانية وجمعيات إيرانية في ألمانيا وأوروبا في رفض هذا التكريم، تكشف أن المسألة ليست خلافا هامشيا بين أطراف المعارضة، بل تتصل بمبدأ جوهري: من يملك حق تقرير مستقبل إيران؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الحركة التحررية الإيرانية هو اختزال مستقبل البلاد في صراع بين استبدادين؛ أحدهما يستند إلى توظيف الدين واحتكار تفسيره، والآخر يستند إلى شرعية وراثية لم تعد مقبولة في عالم يتطلع إلى الديمقراطية والمواطنة وسيادة القانون. فالشعب الذي دفع أثمانا باهظة في مواجهة نظام الشاه، ثم واجه عقودا من القمع والإعدامات والتنكيل في ظل نظام الملالي، ليس مضطرا إلى الاختيار بين ماضيه الاستبدادي وحاضره الاستبدادي.
ولا يعني رفض عودة الملكية التقليل من حق الإيرانيين في مناقشة مختلف الخيارات السياسية، وإنما يعني أن أي مشروع يريد تمثيلهم ينبغي أن يخضع لمعيار الديمقراطية الحقيقية، وفي مقدمة ذلك رفض توريث السلطة، وإدانة جرائم الماضي، واحترام التعددية السياسية وحق المواطنين في اختيار حكامهم ومحاسبتهم.
إن مستقبل إيران لا ينبغي أن يحسم في العواصم الغربية، ولا في صفقات المصالح الدولية، ولا عبر حملات الدعاية الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي، وإنما من خلال الإرادة الحرة للشعب الإيراني، بمختلف مكوناته القومية والدينية والسياسية.
فالتغيير المنشود لا يكتمل بإسقاط دكتاتورية الملالي إذا كان البديل المطروح يعيد إنتاج منطق الاستبداد نفسه. كما أن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، فتدان جرائم نظام وتبرر جرائم نظام آخر تبعا للمواقف السياسية. إن محاسبة جلادي السافاك، مثل محاسبة المسؤولين عن جرائم النظام الحالي، تمثلان جزءا لا يتجزأ من بناء دولة تحترم الإنسان وحقوقه.
لقد آن الأوان لأن يكون معيار المواقف الدولية تجاه إيران هو الوقوف إلى جانب الشعب وحقه في تقرير مصيره، لا صناعة زعماء مفترضين أو تنصيب بدائل من الخارج. فإيران التي يناضل شعبها من أجلها ليست إيران الشاه، وليست إيران ولاية الفقيه، وإنما إيران جديدة، قوامها المواطنة والحرية والتعددية وسيادة القانون، وتكون فيها السلطة للشعب وحده.
فالثورة التي لا تنهي الاستبداد، وإنما تغير هويته وشعاراته، لا تحقق الحرية التي ضحى الشعب من أجلها.




