نوفمبر 8, 2026
رياض

رياض سعد

ليست المهن في المجتمعات مجرد وسائل للكسب والعيش، بل هي جزء من تاريخها الاجتماعي والثقافي، وشاهد على طبيعة العلاقات الاقتصادية والطبقية فيها… ؛  غير أن بعض المهن الشعبية، التي ارتبطت بالبيئات الحضرية القديمة، تحولت مع الزمن إلى مادة للتندر والانتقاص والتنمر ، ثم إلى أدوات للوصم الاجتماعي والسياسي والطائفي ، حين تُستغل في سياقات طائفية وعنصرية لا علاقة لها بطبيعة العمل أو قيمته الإنسانية.

ومن بين هذه المهن : مهنة العتّاك في العراق، وهي مهنة بغدادية شعبية قديمة ، ارتبطت بأعمال وخدمات معروفة في البيئة المحلية، لكنها أصبحت، في بعض الخطابات المعاصرة، مادة للسخرية والتعيير، لا بسبب طبيعتها المهنية، بل بسبب توظيفها في الانتقاص من فئات اجتماعية بعينها.

والمفارقة أن التعيير بالعتاكة لم يعد مقتصراً على أصحاب المهنة، بل تجاوزهم إلى وصم أبناء الأغلبية العراقية الاصيلة ، وكأن ممارسة مهنة شعبية أو الانتساب إلى بيئة اجتماعية معينة يمثلان نقصاً في القيمة الإنسانية أو الحضارية أو الوطنية .

وهنا لا نكون أمام نقد لمهنة، بل أمام تنمر اجتماعي يتخذ من المهنة قناعاً للتمييز الطائفي والعنصري .

// من المهنة إلى الوصمة السياسية

ولعل أكثر مظاهر هذه الظاهرة وضوحاً إطلاق تعبير «حكومات العتاكة» على حكومات العهد الديمقراطي الجديد، في سياق لا يخلو من الاستعلاء الطبقي والازدراء الاجتماعي، وكأن وصول أبناء شرائح واسعة من المجتمع العراقي إلى مواقع السلطة يمثل خروجاً على نظام اجتماعي وسياسي اعتاد احتكار النفوذ.

فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق بالعتاكة ولا بأصحابها، وإنما بما تختزنه هذه التسمية من دلالات إقصائية وعنصرية هجينة ، تستهدف الانتقاص من شرعية التمثيل السياسي والاجتماعي للأغلبية العراقية الاصيلة ، عبر استدعاء مهنة شعبية وتحويلها إلى شتيمة سياسية.

وإذا كان هذا الخطاب قد اكتسب بعض زخمه من التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003، فإن ذلك يكشف عن مشكلة أعمق تتصل بنظرة بعض النخب والجماعات إلى السلطة والمجتمع؛ إذ يبدو أن انتقال مراكز النفوذ من أيدي فئات محددة إلى قوى سياسية تمثل شرائح أوسع قد دفع بعض الخطابات إلى استبدال النقد السياسي الموضوعي بالتعيير الاجتماعي والطعن في الأصول والبيئات المهنية.

إن تسمية الحكومات بـ«حكومات العتاكة» لا تقدم نقداً سياسياً حقيقياً، ولا تكشف فساداً أو إخفاقاً أو خللاً مؤسسياً، وإنما تستبدل المحاججة بالتعيير، وتحول المهنة إلى شتيمة، والانتماء الاجتماعي إلى تهمة.

وإذا كان من حق الجميع نقد الحكومات، بل ومن واجب الإعلام والمثقفين كشف إخفاقاتها ومحاسبتها، فإن ذلك لا يبرر تحويل المهن الشعبية إلى أدوات للتمييز، ولا اختزال ملايين العراقيين في صورة نمطية مهينة.

فالحكومة تُنتقد بفسادها أو فشلها أو سوء إدارتها، لا بمهنة أحد أعضائها أو مهنة أبيه أو البيئة الاجتماعية التي جاء منها… ؛  وإلا فإننا لا نكون أمام خطاب سياسي نقدي، بل أمام استعادة لذهنية طبقية طائفية عنصرية مناطقية ترى أن بعض الناس خُلقوا للحكم، وأن آخرين لا يليق بهم سوى العمل والخدمة.

وهنا تتكشف طبيعة خطاب لا يريد دائماً نقد السلطة بقدر ما يريد الانتقاص من شرائح اجتماعية أصبحت جزءاً من المشهد السياسي، مستعيداً لغة الاستعلاء الطبقي والتمييز الطائفي والعنصري والمناطقي المقيت ، ومتخذاً من المهن الشعبية ستاراً للسخرية والإقصاء.

// احتقار العمل أم احتقار العامل؟

إن الدفاع عن كرامة المهن ليس دفاعاً عن العتاكة وحدها، بل عن الحلاق والبنّاء والسبّاك والخباز والنجار والراعي والعامل وسائر أصحاب الأعمال والخدمات… ؛  فالمجتمعات التي تحتقر العمل اليدوي أو الشعبي، وتربط قيمة الإنسان بمهنته أو نسبه أو طبقته، إنما تعيد إنتاج تراتبيات اجتماعية متخلفة، مهما ادعت الحداثة والتحضر والتمدن .

والأكثر تناقضاً أن بعض الذين يرفعون شعارات المدنية والتقدم والتحرر قد ينزلقون، عند اختلافهم السياسي أو المذهبي، إلى لغة لا تقل احتقاراً للإنسان عن أكثر أشكال التمييز الطبقي صراحةً.. ,  وهكذا تصبح المهنة وسيلة لتصفية الحسابات، ويتحول العامل البسيط إلى ضحية خطاب لا يرى فيه إنساناً منتجاً، بل عنواناً جاهزاً للسخرية والإقصاء.

// العتاكة ليست عاراً.. العار في احتقار الإنسان

إن مهنة العتاكة، شأنها شأن سائر المهن الشعبية، جزء من الذاكرة الاجتماعية العراقية، ولا يجوز اختزال أصحابها أو أبناء البيئات التي ارتبطت بها في صور نمطية مهينة… ؛  فالمهنة لا تمنح الإنسان كرامته ولا تسلبها، وإنما تمنحها له إنسانيته وعمله ومساهمته في المجتمع.

أما تحويل هذه المهنة إلى وصمة طائفية أو سياسية، فهو تعبير عن أزمة في الثقافة الاجتماعية والسياسية، وعن استمرار ذهنية ترى في العمل الشعبي دليلاً على الدونية، وفي الانتماء إلى الأغلبية العراقية الاصيلة سبباً للانتقاص.

فالعراق ليس ملكاً لطبقة اجتماعية، ولا حكراً على جماعة مذهبية أو فئة سياسية أو أسر وعوائل  ذات امتيازات تاريخية وان كانت اجنبية الاصل وغريبة الجذور … ؛  فهو وطن تتكامل فيه المهن والطبقات والبيئات، ولا يجوز أن تتحول فيه هوية العامل أو مهنة أبيه أو خلفيته الاجتماعية إلى مادة للإذلال.

إن العتاكة ليست عاراً، ولا العامل العراقي موضع انتقاص، ولا وصول أبناء المجتمع إلى مواقع المسؤولية سبباً للسخرية من مهنهم أو بيئاتهم.. ,  أما العار الحقيقي، فهو أن يتحول اختلاف المهنة إلى تمييز، والخلاف السياسي إلى احتقار اجتماعي، والانتماء الوطني إلى معركة مفتوحة ضد كرامة الإنسان.

فالحضارة لا تُقاس بما إذا كان الحاكم ابن تاجر أو صاحب مصنع أو عتّاك، وإنما بما يقدمه من عدالة وكرامة وخدمات وحقوق للمواطنين.