رياض سعد
حين خانتنا السماء وصمتت الأرض
المكان: غرفةٌ صغيرة في بيت متهالك على أطراف المدينة... ؛ البيت كان رمادياً… حيطانه مأكولة بالرطوبة، وساعته المعلقة توقفت عند لحظة القصف قبل سنوات...
الزمان: ليلةٌ رمادية، بين غزوٍ مضى واحتلالٍ قادم.
الشخصيات:
صادق: مؤمن قديم، يحمل جراح الانتفاضات في قلبه، لكن لم تفارقه بعدُ لغة الشعارات.
حسين: مفكر متعب، غادره الحلم، ولم يغادره الحنين.
أبو جعفر: شيخ هرم، يخلط في حديثه بين الدين والحكمة والخذلان.
[المشهد الأول: اشتعال الغضب]
جلس صادق على أريكة ممزقة، كان يرممها بشريط لاصق كما لو أنه يرمم ذاكرته… , إلى جانبه جلس حسين، يذرع الغرفة بعينيه، كمن يفتش عن بقية حلم قديم نسي أين دفنه.
صادق:
كان صادق يقلب مذياعًا قديما بيدٍ مرتجفة، بينما تتطاير في الهواء أخبار القصف، وانهيارات النظام البعثي ، وانكشاف الخونة.
أتذكر محمد؟ كان يحلم بدولةٍ لا يخاف فيها الفقراء من دقّات الليل، ولا ترتعد الأمهات كلما تأخّر أولادهنّ عند حواجز السيطرات البعثية .
صادق (بحماس):
أترى، لقد جاء اليوم الذي انتظرناه… ؛ النظام يتهاوى، البعثيون يفرّون، والفرصة مواتية!
سنقتص منه ، سنعيد دم محمد، وصرخة حسين، وحلم الانتفاضة المغدورة!
حسين (ساخراً بمرارة):
كان يحلم؟… بل كان يُعدُّ نفسه شهيداً مؤجلاً… ؛ نحن جميعاً كنا مشاريع موت، لكننا لم نمت كما يجب، بل عشنا كما لا يليق.
هل ستعيد دماً نزف منذ عشرين عاماً ببيانٍ ثوري جديد؟!
نحن نصرخ، والنظام كان يتفرج… ؛ ثم انشغلنا ببعضنا، وأصبح كل منا يطعن الآخر بذريعة الولاء.
صادق (غاضباً):
كفى جلدًا للذات! نعم أخطأنا، و من منا لم يُخطئ؟ ولكن نحن ضحايا، لا أدوات!
حسين:
بل كنّا أدوات نحفر بها قبورنا… ؛ كل فصيلٍ يلعن الآخر باسم الله أو الثورة أو المذهب، والنظام يكتفي بمراقبتنا ونحن نغتال الحلم بأيدينا!
كلنا كنا ننتظر السقوط، وكان النظام يسقط فينا كل يوم.
وسقطنا نحن قبله… ؛ سقطت أخلاقنا حين تقاتلنا باسم الطائفة… ؛ سقطت إنسانيتنا حين استسغنا دم محمد ولم نطالب بحقه…؛ فقط صنعنا له لافتة، ودفناه بصمت...
[المشهد الثاني: عودة الماضي]
محمد… أكثر من شهيد
صورة محمد كانت لا تزال معلقة في صدر الغرفة، بنظرةٍ بعيدة، لا تتجه لأحد.
هو الذي خرج ذات مساء من الجامع الصغير وهو يهتف ضد الظلم… ؛ لم يكن حزبياً ولا طائفياً ولا مثقفاً، كان فقط “إنساناً” يرى النار تلتهم أهله، ولا يريد أن يصمت.
لكنهم لم يحبّوا محمد… لم يكن مثلهم.
لم يكن يبيع الحلم في خطب طويلة، ولا يهادن العسكر والاجهزة القمعية الصدامية في الحارات الخلفية وفي غرف الامن المظلمة ( اصدقاء الداخلية ووكلاء الامن …) ؛ كان واضحًا، واضحًا كالموت.
أبو جعفر يدخل بخطاه الثقيلة، وعيناه لا تزالان عالقتين في محراب التاريخ…
أبو جعفر (بصوت متهدج):
في تلك الليلة… ؛عندما خرج محمد يهتف ضد الظلم، كنت أراه قمراً يصرخ في ظلام المدينة… ؛ وعندما سقط، شعرت أن السماء خانتنا، وصمتت الأرض عنا…
كان محمد يحلم، لكنهم قتلوه لأن الحلم في بلادنا جرم يستوجب العقوبة…
حسين (مستذكراً):
كنا ثلاثة… محمد، صادق، وأنا… ؛ هتفنا، ورفعناه على الأكتاف قبل أن نسلمه للموت… , ثم رجعنا إلى بيوتنا… واحدًا منا صار شهيدًا، والآخر باحثًا عن شهادة، والثالث يبحث عن تفسير.
صادق (بحزن):
لكننا لم نستسلم، جاهدنا، تحدّينا، رفعنا الرايات…
حسين (مقاطعًا):
ورفعنا معها الغباء السياسي، والانقسام العقائدي، والتقديس الأجوف… ؛ لم نبنِ عقلًا، بل صنعنا أصنامًا فكرية نعبدها، نسير خلفها إلى الهاوية.
[المشهد الثالث: سقوط الاقنعة]
صوت الانفجارات يهدأ، والإذاعة تعلن سقوط “القائد الضرورة”… ؛ الناس في الخارج تهتف، تتراقص، تختلط الصرخات بالبكاء.
سقط النظام، فظهرت الأنظمة الأخرى: عمائم على الشاشات، وشخصيات وافراد على المقاصل، وشعارات تتقاتل داخل المسجد الواحد… ؛ وعقائد وشعارات فقدت بريقها …
قُطعت رؤوس تحت اسم العدالة، وجُوّع الناس باسم المقاومة، وعاد المقاتل السابق وزيراً، والسفاح شيخاً...
صادق (بنشوة):
ها قد سقط! الطاغية انتهى، الشعب انتصر!
حسين (بسخرية مرّة):
سقط صنمٌ واحد، وبقيت أصنام كثيرة في رؤوسنا… ؛ سقط النظام، ولكن… من يحاسبنا نحن على فشلنا؟ من يطهرنا من تعفن الشعارات؟
أبو جعفر:
يا أبنائي، كنا نظن أن سقوط فرعون سيعيد العدالة، لكن نسينا أن بني إسرائيل، رغم خروجهم من مصر، ظلّوا يحملون عبودية الداخل ويقدسون ثور السامري.
[المشهد الأخير: بداية التيه الجديد]
صادق (بتردد):
يجب أن نتفاوض… مع “الكبير”، مع من بيده مفاتيح اللعبة الدولية والقرار السياسي … ليس حبًا فيه، بل درءًا للشرّ… ؛ علينا أن نتفاهم مع القادمين، نأخذ حصتنا من الغنيمة السياسية، لا يمكن أن نظل على الهامش...
حسين (بصرخة عالية ):
كفى كفى كفى! لقد تعبت من هذه التنظيرات، من هذه الخدع المقدسة! كرهت الأيديولوجيات كلها… الدينية، القومية، الثورية… كلها كذبت علينا.
الغنيمة؟! وهل نُحرّم اللحم على الذئب ثم نُحلله لأنفسنا؟! نحن نتحول إلى نسخةٍ أخرى من الطغيان، فقط بلغة جديدة!!
هل دم محمد كان ليساوم عليه؟!
أبو جعفر (بهدوء):
أنتم تتحدثون عن سقوط الطاغية… لكن الطاغية الحقيقي هو الجهل… ؛ وما لم تُكسر أغلال العقول، فلن تقوم قائمة لهذه الأمة العراقية المنسية… ؛ لا بحاكم جديد، ولا براية قديمة.
*العودة إلى قبر محمد
ذهب الثلاثة إلى المقبرة التي نُسي فيها محمد، لا أحد يزوره.
كانت شجرة توت قد نبتت قرب قبره، وطيور تحوم في صمت.
وضع حسين يده على التربة وقال:
“يا محمد، سامحنا… سامحنا لأننا قتلناك ألف مرة بعد موتك… قتلناك حين استبدلنا الحلم بالحساب البنكي، حين صار المنبر مزاداً، وحين صار الدم تجارةً في السوق.”
صادق (بدمعة):
لو عدتَ يا محمد… هل كنت ستغفر لنا؟
أبو جعفر:
الأنبياء وحدهم يغفرون… أما الشهداء فلا يغفرون إلا حين يرون الأرض التي حلموا بها… وقد تحققت...
رجعوا الى ذات الاريكة وفي نفس البيت العتيق ليكملوا سجالاتهم العقدية والسياسية التي لا تنتهي ؛ وانتهى السجال بالشجار …
*النهاية المفتوحة:
ثم خرج الثلاثة من البيت القديم… لا يعرفون إلى أين…
كان الشارع مزدحماً بالشعارات، والمظاهرات، والفضائيات، والعتمة , وقوات الاحتلال , والعصابات …
* رمزية التيه
خرجوا من البيت يتتبعون صوت المظاهرات في ساحة المدينة.
كانت الأصوات تصرخ:
“الموت للطغاة!”
“لا للاحتلال!”
“نعم للهويّة!”
“كلا للفدرالية!”
“نحن أبناء الحسين!”
“نحن أبناء العباس!”
“نحن أهل السنة , نحن ابناء الامام (ابو حنيفة النعمان ) , نحن احفاد الرشيد , لنا الحكم ولكم اللطم !”
“نحن الشيعة الأصلاء!”
“نحن القومية!”
“نحن الأمّة العربية !”
لكن لم يقل أحد: نحن العراق الجريح او نحن الإنسان المغيب .
وكان محمد، الشهيد القديم، يتمدد في الذاكرة العراقية كأنشودة وطنية انسانية لم تكتمل بعد …