عندما ينطق الألم
كامل سلمان
من الصعب جداً على أي إنسان عاش في بقعة أرض ، أب عن جد وصارت تلك الأرض عنوانها وطنا ، تعلق قلبه بها ووشجت عواطفه بمن سكن معه الديار وقاسمه السراء والضراء وأمسى له عضدا ، أن يرى بعينيه هذا الوطن يتهدم بالفساد والسرقات والتخريب عمدا ، وهو ساكت لا يقوى على الكلام ولا يستطيع أن يفعل شيئا ، يشعر بأن شيئاً بداخله يحترق لكنه يعلم بأن كلامه أو ردة فعله ستكلّفه الكثير وقد يصيبه الندما . هذا هو حال الملايين الذين يرون وطنهم مذبوحاً وتراثهم نهبا ، وقلوبهم فجعا ، وفوق كل ذلك حياتهم مُلئت رعبا ، قد يكون للسكوت أسبابه ، ربما الخوف وربما حفاظاً على المصالح الشخصية وربما لتجنب ردة فعل الأشرار وربما غلب على أمرهم أمرا ، لكن في كل الأحوال فأن المسؤولية الوطنية وحب الأرض والناس تجعل من أنتمى لترابه في احاسيسه الألم والانزعاج ويشعر كأنه يموت خنقا ، لأن ما يصيب الوطن مصيبة نكرا . ليس من الضرورة بالنسبة للمواطن وهو في ضعفه أن يشهر سيفا إذا ما أحس وجعا ، ليعيد ما ضاع منه غصبا ، فكل ما ضاع ما كان ليضيع لولا يد الخبث ويد من لم يكن له عهدا . كانت أحلام طفولتنا جميلة وكان الناس في بلدي أكثر جمالا وكان كبار السن يملئونها حباً و وقارا ، ولأن النفوس والقلوب نقية ببياضها لم تكن ظلمة ليالينا إلا نهارا ، مَن أشعل في هذا الجمال نارا ومن جعل بعضهم لبعض عدو وللطامعين خدماً ليحرقوا الأرض الجميلة ويعيثون فيها فسادا ، أنه الشر الذي غزا ربوعنا في ليلة ظلماء من باطن الصحراء ومن خلف البراري فأجلسوا الشيطان على عروشنا ليمتطي ظهورنا ويجعل نسائنا له جواري ويجعل أولادنا غلماناً يطوفون عليهم بالأباريق والقوارير ، فاحتزوا رؤوس الرجال وشربوا الدماء واستباحوا الديار ومازالوا يفعلون كما فعل آباؤهم والأجداد ونحن مازلنا لهم طعاماً شهيا ، كالشاة تذبح ولم تسمع لنا همسا ، نرقص بين أيديهم في مسالخ النحر ونهتف لهم أرواحنا لكم فداء ، الا تباً على الرؤوس التي لم تحمل في جوفها عقلا ، و رضيت أن تكون للغاصبين ظلا ، وأتخذت من عدوها آلهة تعبده وكأنه ربا ، وظنت بأنه الوسيلة إلى الله تتأمل منه خيرا وهي تموت في اليوم الف مرة وفي كل مرة تجدد لقاتلها البيعة والولاء . فما بين عدو حاقد وصديق أحمق نزداد ألماً وحرقا ، ونزداد بؤساً وبعضنا لبعض كرها . فهل كان حلم طفولتنا كابوساً أم مجرد حلما . وختاماً لا رحمة نرجوها ممن كان لنا ضدا ولا أملاً بمن رافقنا غدرا ، وبالفؤاد تبقى حسرة كحسرة اللواتي أصابهن عقما .
عندما ينطق الألم