ذاكرة من رماد

رياض سعد

ذاكرة من رماد

من قال إنّ النسيان نعمة؟

بل هو لُعنةٌ حين تختفي الوجوه التي نحبها، وتبقى وجوهُ من كرهناهم شاخصةً في أروقة الذاكرة كالأصنام …

أنا لا أريد أن أنسى كل شيء …

أنا فقط أريد استعادة ذلك الوجه، ذلك الحضور الطفولي الذي كان يرفرف حولي كصلاةٍ مؤنسة، كضوء نافذٍ من فتحةٍ صغيرة في جدار العتمة.

وجهٌ ما… لا أذكر ملامحه، لكنه كان جميلاً…

جميلًا بالمعنى الذي لا يُقال، ولا يُرسم، ولا يُصنّف، بل يُعاش كالإيمان أو الجنون.

كان وجهًا يتكئ عليه قلبي كما يتكئ العاشق على رائحة ثياب معشوقه القديمة… والآن، ما عدت أستطيع أن أراه، ولا حتى في الحلم.

لماذا أيّها الزمن؟

لماذا تسلبني حتى الذكرى؟

لقد قبلتُ حرمان الواقع، وتحملتُ فُقدان الأحبة… ؛ لكن ألا أستحق أن أحتفظ بشيءٍ صغير من حضورهم في ذاكرتي المخرومة ؟

ألا أملك حق التذكّر؟

لماذا عندما أحتاج الحنين، تأتيني صور الندم؟

وحين أبحث عن الطيّبين، تتزاحم وجوه الأنذال والغادرين في ذهني كأنهم حراس الذاكرة الزبانية ؟

أهكذا تعمل الذاكرة؟

تُبقي السمّ، وتُغتال العطر؟

تُبقي صراخ الطعنات، وتمحو همس الحبّ؟

أحقاً أن “الإنسان” مشتق من “النسيان”؟

إن كان كذلك… فلماذا لا أنسى من دمرني، بينما أنسى من رمّم قلبي؟

آهٍ من ذلك الجسد الذي لم يكن جسدًا، بل وطنًا،

من ذلك الكتف الذي احتميت به ذات يأس، فأنقذني من غرقٍ داخلي…

آهٍ من حضوره، من صوته، من نبرة “لا تقلق”، التي كانت تطفئ حرائق عقلي…

اليوم، لم يتبقَ منه شيء…

حتى اسمه بدأ يتلاشى…

كأن الذاكرة قد اغتالته بعد أن اغتاله الزمن.

وأنا؟

أنا مجرد ظلّ لكائنٍ كان يحب…

أعيش في حجرةٍ داخل جمجمتي اسمها: “المنفى الداخلي”

أتحسّس الوجوه بذاكرة مبتورة، أفتّش عن أطياف محبوبة في خرائب الإدراك.

النسيان لا يأتيني حين أحتاجه، بل يأتيني حين أصرخ لأتذكر.

إنها خيانة مزدوجة:

أن تُحب…

ثم تُنسى…

ثم تُحرم من القدرة على التذكّر!