الرضا عليه السلام في مسائله في العلل للشيخ الصدوق (ح 14) (الأذان، الصلاة)‎

فاضل حسن شريف

66-  فإن قال (قائل): فلم جعل بعد التكبير شهادتين؟ قيل: أول الإيمان إنما هو التوحيد والإقرار لله عز وجل بالوحدانية والثاني الاقرار للرسول بالرسالة وأن طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان وأن أصل الايمان هو إنما الشهادة، فجعل الشهادتين في الاذان كما جعل في سائر الحقوق شهادتين فإذا أقر لله تعالى بالوحدانية والاقرار للرسول بالرسالة فقد أقر بجملة الايمان لان أصل الايمان إنما هو الإقرار بالله وبرسوله.

67- فإن قال (قائل): فلم جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة؟ قيل: لأن الاذان إنما وضع لموضع الصلاة وإنما هو النداء إلى الصلاة فجعل النداء إلى الصلاة في وسط الاذان فقدم المؤذن قبلها أربعا التكبيرتين والشهادتين وأخر بعدها أربعا يدعوا إلى الفلاح حثا على البر والصلاة ثم دعا إلى خير العمل مرغبا فيها وفي عملها وفي أدائها ثم نادى بالتكبير والتهليل ليتم بعدها أربعا كما أتم قبلها أربعا وليختم كلامه بذكر الله كما فتحه بذكر الله. 

68- فإن قال (قائل): فلم جعل آخرها التهليل ولم يجعل آخرها التكبير كما جعل في أولها التكبير قيل: لأن التهليل أسم الله في آخره فأحب الله تعالى أن يختم الكلام باسمه كما فتحه باسمه.

69- فإن قال (قائل): فلم لم يجعل بدل التهليل التسبيح والتحميد واسم الله في آخرهما؟ قيل: لأن التهليل إقرار لله تعالى بالتوحيد وخلع الانداد من دون وهو أول الايمان وأعظم من التسبيح والتحميد.

70- فإن قال: فلم بدأ في الاستفتاح والركوع والسجود والقيام والقعود بالتكبير؟ قيل: لعله التي ذكرناها في الأذان.

71- فإن قال: فلم جعل الدعاء في الركعة الاولى قبل القراءة ولم جعل في ركعة الثانية القنوت بعد القراءة؟ قيل: لأنه أحب أن يفتح قيامه لربه وعبادته بالتحميد والتقديس والرغبة والرهبة ويختمه بمثل ذلك وليكون في القيام عند القنوت أطول فأحرى أن يدرك المدرك الركوع ولا يفقه الركعة في الجماعة. 

72- فإن قال: فلم أمروا بالقراءة في الصلاة؟ قيل: لئلا القراءة مهجورا مضيعا وليكون محفوظا فلا يضمحل ولا يجهل.

73- فإن قال: فلم بدء بالحمد في كل قراءة دون سائر السور؟ قيل: لانه ليس شئ في القرآن والكلام جمع فيه جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد وذلك أن قوله تعالى (الحمد لله) إنما هو أداء لما أوجب الله تعالى على خلقه من الشكر وشكره لما وفق عبده للخير (رب العالمين) تمجيد له وتحميد وإقرار وأنه هو الخالق المالك لا غيره (الرحمن الرحيم) استعطاف وذكر لالائه ونعمائه على جميع خلقه (مالك يوم الدين) إقرار له بالبعث والنشور والحساب والمجازاة وايجاب له ملك الآخرة كما أوجب له ملك الدنيا (إياك نعبد) رغبة وتقرب إلى الله عز وجل وإخلاص بالعمل له دون غيره (وإياك نستعين) استزادة توفيقه وعبادته واستدامته لما أنعم الله وبصره (إهدنا الصراط المستقيم) استرشاد لادبه واعتصام بحبله واستزادة في المعرفة بربه وبعظمته وبكبريائه (صراط الذين أنعمت عليهم) توكيد في السؤال والرغبة وذكر لما تقدم من أياديه ونعمه على أوليائه ورغبة في مثل تلك النعم (غير المغضوب عليهم) استعاذة من أن يكون من المعاندين الكافرين المستخفين به وبأمره ونهيه (ولا الضالين) إعتصام من أن يكون من الضالين الذين ضلوا عن سبيله من غير معرفة ويحسبون (أنهم يحسنون صنعا) فقد إجتمع فيه من جوامع الخير والحكمة في أمر الاخرة والدنيا ما لا يجمعه من الاشياء.

74- فإن قال: فلم جعل التسبيح في الركوع والسجود؟ قيل: لعلل منها أن يكون العبد مع خضوعه وخشوعه وتعبده وتورعه واستكانته وتذلله وتواضعه وتقربه إلى ربه مقدسا له ممجدا مسبحا مطيعا معظما شاكرا لخالقه ورازقه فلا يذهب به الفكر والاماني غير إلى الله.

75- فإن قال: فلم جعل أصل الصلاة ركعتين ولم زيد على بعضها ركعة وعلى بعضها ركعتان ولم يزد بعضها شئ؟ قيل: لأن أصل الصلاة إنما هي ركعة واحدة لأن أصل العدد واحد فإن نقصت من واحدة فليست هي صلاة فعلم الله عزوجل إن العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التي لا صلاة أقل منها بكمالها وتمامها والإقبال عليها فقرن إليها ركعة أخرى ليتم بالثانية ما نقص من الاولى ففرض عز وجل أصل الصلاة ركعتين ثم علم رسول الله (ص): أن العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما أمروا به وكماله فضم إلى الظهر والعصر والعشاء الاخرة ركعتين ركعتين ليكون فيها تمام الركعتين الأوليين أنه علم أن صلاة المغرب يكون شغل الناس في وقتها أكثر للانصراف إلى الإفطار والأكل والشرب والوضوء والتهيئة للمبيت فزاد فيها ركعة واحدة ليكون أخف علييهم، ولأن تصير ركعات الصلاة في اليوم والليلة فردا ثم ترك الغداة على حالها لأن الاشتغال في وقتها أكثر والمبادرة إلى الحوائج فيها اعم، ولأن القلوب أخلى من الفكر لقلة معاملات الناس بالليل ولقلة الأخذ والإعطاء فالإنسان فيها أقبل على صلاته منه في غيرها الصلوات، لأن الفكر أقل لعدم العمل من الليل.