حسين شكران الأكوش العقيلي
في زمنٍ تُرهق فيه الخطى من كثرة التيه، تخرج من رحم التاريخ مسيرةٌ لا تُشبهها مسيرة. ملايين الأقدام تمشي، لكنها لا تمشي وحدها؛ فثمة قلوبٌ تُسابقها، ودموعٌ تُرافقها، ورسالةٌ أبدية تسكنها. إنها المسيرة الحسينية: الحدث الذي لا يمضي، لأنه ليس زمنًا، بل ميثاقٌ متجدد.
كربلاء… اللحظة التي لم تنتهِ
كربلاء لم تكن حربًا ولا حدثًا سياسيًا فحسب؛ كانت انكسارًا أخلاقيًا للسلطة، وانتصارًا أخلاقيًا للفرد. الحسين لم يذهب ليَقتل أو يُقتل، بل ليُقيم الحجة على التاريخ. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت كربلاء بوصلةً أخلاقية وليست مجرد معركة، وصرخةً إنسانية لا تعرف حدود الطائفة، الزمان، أو الجغرافيا.
المسيرة الحسينية… حوار الأقدام مع الضمير
حين ترى الموكب الزائر، فلا تتعجب من شيوخٍ يمشون رغم الألم، أو أطفالٍ يُنشدون وهم لا يعرفون المعاني. فالمعاني هنا لا تُلقّن، بل تُستنشق. كلّ خطوة في هذه المسيرة هي تذكير بأن الوعي ليس كلامًا، بل اختيارًا يوميًّا: أن لا نُطأطئ الرأس للظلم، أن لا نساوم على الكرامة، وأن نُحيي القيم التي مات من أجلها الحسين.
المسيرة بين التجلّي والإصلاح
قد يتساءل البعض: ماذا نُريد من هذه المسيرة سوى الحزن؟
لكن الحزن الذي لا يُثمر إصلاحًا هو ترفٌ شعوري. المسيرة ليست نحيبًا جماعيًا، بل إعلانًا مستمرًا بأننا شعبٌ لا ينسى من ضحّى، ولا يسكت على من خان. إننا نمشي للحسين، لا لنستذكر مأساته فقط، بل لنستنهض رسالته: العدل، المواجهة، والإيثار.
في ظل فسادٍ يلتهم أحلام الشعوب، وانقساماتٍ تُمزّق الجسد العراقي، تصبح المسيرة الحسينية دعوةً لإعادة تعريف المسؤولية الجماعية. من يرفع راية الحسين لا يرفعها على جدار حسينية فحسب، بل على جدار ضميره، وفي كل موقفٍ سياسي، اجتماعي، أو أخلاقي يُختبر فيه الحق والباطل.
كربلاء كمنهج حياة
كربلاء تعلمنا أن الألم لا يُقاس بعدد القتلى، بل بكيفية مواجهته. الحسين حين اختار طريق الاستشهاد، لم يكن يبحث عن موتٍ مُشرّف بل عن حياةٍ مُلهِمة. والمسيرة هي امتداد تلك الحياة: أن نعيش برسالة، أن نمشي على جراحنا، لا فوقها، وأن نحمل مظلومية الحسين لا كعبء، بل كمنار.
ختاما لعل أجمل ما في المسيرة أنها لا تطلب تأشيرة، ولا تفتش الهوية. الحسين ملكٌ لكل من يشعر أن في قلبه ظُلمًا يرفضه، أو حقًا يسعى إليه.
وهكذا تمشي كربلاء فينا، عامًا بعد عام، لا تكلّ ولا تملّ، لأن الرسالة ما زالت تُكتَب، وما زال الإصلاح يُنادى له… فينا، وحولنا، ومن أجلنا.